شهقة اليائسين.. أسرار الانتحار فى مصر!

| |

 
 
 
بقلم: هاني يونس
 
جريدة "الأهرام"، القاهرة، 8 فبراير 2013
 
من بين قائمة الكتب الصادرة حديثـًا، يستوقفك كتاب "شهقة اليائسين.. الانتحار في العالم العربي" للكاتب الصحفي د. ياسر ثابت. في هذا الكتاب الصادر عن دار التنوير، نطالع تفاصيل جديدة، وبحثـًا رصينـًا عن الانتحار في مصر، وباقي أنحاء العالم العربي. ويرى المؤلف أنه في ظل أزماتٍ اقتصادية خانقة، وتضييق سياسي على المشاركة في الممارسة الديمقراطية، وغياب ملامح العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص في العالم العربي، يلوح الانتحار في الأفق بالنسبة إلى من يشعرون بالقلق والجزع وينشدون الخلاص أو يريدون التعبير عن رفضهم لواقعهم الأليم. غير أن أكثر ما توقفت عنده - بطبيعة الحال - هو حديث المؤلف عن ظاهرة الانتحار وتاريخها في مصر.
يقول ياسر ثابت: عاش المصريون زمنـًا قاسيـًا ومؤلمـًا، كأنه صورة مستعادة من الأدب المصري القديم الذي يشكو فيه أحدهم من أن كل امرئ ينشل رفيقه، ويشتهي مُلك جاره، والإثم غالبٌ على الأرض، ولا يبدو له ثمة نهاية.
مشهدٌ مهَّد الطريق لانتشار متزايد لظاهرة الانتحار.
وفي مصر، ولعقودٍ طويلة، اهتزت ثقة المصريين بكل شيء، وفقدوا مناعة اكتسبوها بحضارتهم العريقة وثقافتهم العميقة وإيمانهم القوي.
ومن المؤكد أن الزيادة المطردة في أعداد المنتحرين تتناقض مع ما هو شائع عن المصريين من تدين، ما يشي بغلبة المسائل المظهرية على تدين البعض وعدم تمكنه من القلوب. ويبدو أنه في ظل الضغوط والإحباط، والاستسلام لليأس، تنامت فكرة الخلاص بالانتحار. واقع فرض تساؤلاً منطقيـًا: ماذا حدث لشعب دياناته مستقر فيها إيمان راسخ بالله وبحرمة قتل النفس؟!
هل ثقلت خيبتنا لهذه الدرجة أم لم يعد لدينا ظهورٌ تحملها؟!
يغوص المؤلف في تاريخ مصر المعاصر، ويرصد حالات انتحار في عصر محمد علي باشا نتيجة سلسلة التحولات الاقتصادية والاجتماعية خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر. وكان لنقص مياه الفيضان في أعوام 1824 و1825 و1833 أثرٌ في خراب بعض القرى بسبب الجدب الذي أصابها، الأمر الذي أدى إلى تكرار حالات انتحار المزارعين.
وتحفل الصحف والدوريات المختلفة - قبل عقود طويلة - بنماذج لمثل هذه الحوادث. كما أن وقوعها لفت انتباه كاتب وأديب شهير مثل مصطفى لطفي المنفلوطي (1876 - 1924)، حتى إنه تحدث عن حالات بعينها، والظاهرة بشكل عام في كتابه النظرات (1909)، الذي ضم ما كان ينشره في جريدة المؤيد من مقالات أسبوعية منذ عام 1907.
وفي الغالب الأعم، كانت جرائم الانتحار التي جرى تسجيلها في ذلك الزمان، نتيجة اضطرابات عصبية وضغوط نفسية، أو نتيجة إدمان المسكرات، والضيق المالي، وسوء المعاملة، والتخلص من مرض ما. ومن ذلك، نطالع خبر انتحار موريس سمعان في مكتبه شنقـًا، ليتخلص من مرض الدوسنتاريا الذي لم يقو على احتماله.
ومن الجرائم التي هزت المجتمع المصري في عشرينيات القرن العشرين، تلك التي كان بطلها تاجر غلال يُدعى عبدالعزيز عاشور، كان قد جمع ثروة طائلة قبل أن يدمن القمار وارتياد الأماكن المثيرة للشبهات، فبدد ما كان يمتلكه وامتدت يداه إلى ما أموال زوجته حتى أتى على آخرها. ووسوست له نفسه أن يقتل زوجته وبناته الثلاث قبل أن يقتل نفسه. وفي منتصف ليلة 24 نوفمبر 1927 قام كالوحش الضاري فذبح ابنتيه ذبحـًا وألقى جثتيهما بجوار مرحاض المنزل. وكانت ابنته الكبرى نائمة خارجـًا مع والدتها، فعرجت على منزل أبيها فوجدته بحالةٍ راعبة. وأمرها في غلظة وجنون أن تذهب وحدها إلى المدرسة فذهبت، وذهب هو مذعورًا إلى بندر البوليس، وأبلغ المأمور أنه عاد إلى منزله فوجد ابنتيه مذبوحتين، وأن الحزن اشتد به فألقى بنفسه في النيل، ثم خرج وجاء يبلغ أمر هذه الجناية.
غير أن المحققين ضيَّقوا عليه الخناق، خاصة بعد العثور على أداة الجريمة وآثار دماء على ملابسه التي حاول غسلها، فاعترف وألقي به في السجن لينال عقابه.
وفي فترة الكساد العالمي التي كانت لها تداعياتها على مصر، انتشرت حوادث الانتحار، فمثلاً رب البيت الذي لا يجد ما يكفيه وعائلته ولم يستطع فعل شيء كان يستسلم وينتحر، ولهذا ارتفعت نسبة حوادث الانتحار، وعلى الأخص بين الطبقة الفقيرة الأكثر تعرضـًا من غيرها لآثار الأزمة. فقد شنق شخص نفسه بحبل، ويدعى الشيخ أحمد حسن، من كفر علي آغا بطنطا لضيق ذات يده.
ومن أرقام حوادث الانتحار نتبين أن حدة الأزمة كانت في عامي 1931 و1932، إذ وصلت حوادث الانتحار في تلك الفترة إلى أعلى نسبة بالمقارنة بإجمالي حوادث الانتحار خلال الفترة بين عامي 1929 و1933.
في عام 1929 وحده، سجلت في المدن المصرية الكبرى 105 حوادث انتحار، ذهبت أكثرها بأرواح شبان بين العشرين والأربعين من العمر. من ناحية النوع، كان ضحايا تلك الحوادث 76 رجلاً و29 امرأة. والفرق في الأرقام واضح!
والشاهد أن معدلات الانتحار والشروع فيه سجلت تزايدًا مطردًا في مصر خلال الفترة بين عامي 1948 - 1960. ففي عام 1948، سجلت 193 حالة انتحار و207 محاولات انتحار شروع فيه، ثم ارتفع الرقم عام 1949 إلى 226 حالة انتحار و168 محاولة. وفي 1950، تم تسجيل 221 حالة انتحار و164 محاولة، مقابل 240 حالة انتحار و175 محاولة عام 1951، و347 حالة انتحار و350 محاولة عام 1952.
في السنوات التالية، سجلت 363 حالة انتحار و269 محاولة (1953)، و269 حالة انتحار و340 محاولة (1954)، و229 حالة انتحار و229 محاولة (1955)، و190 حالة انتحار و160 محاولة (1956)، و220 حالة انتحار و164 محاولة (1957)، و220 حالة انتحار و190 محاولة (1958)، و168 حالة انتحار و106 محاولات (1959)، و225 حالة انتحار و90 محاولة (1960).
الأرقام تقول إن حالات الانتحار في مصر زادت بنسبة 12% في عام 2011 عن العام الذي سبقه، وإن نحو 18 ألف حالة انتحار وصلت إلى مركز السموم خلال عام 2011، أغلبهم من الرجال. وتشهد مصر سنويـًا نحو 3 آلاف حالة انتحار لمن هم أقل من 40 عامـًا، فيما تقول تقارير أخرى إن خمسة أشخاص من بين كل ألف شخص يحاولون الانتحار بهدف التخلص من مشكلاتهم.
عام 2009 وحده شهد محاولات للانتحار في مصر بلغت 104 آلاف حالة، تمكن‏ 5‏ آلاف منهم في التخلص من حياتهم‏. وتقول الإحصائيات الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، إن جريمة الانتحار في مصر، أصبحت ظاهرة خطيرة تتصاعد يومـًا بعد يوم.
وحسب د. ياسر ثابت، فإن الفئة العمرية الأكثر إقبالاً على الانتحار هي ما بين 15 و25 عامـًا، حيث تبلغ نسبتهم 66. 6% من إجمالي عدد المنتحرين في كل الفئات. تأتي بعد ذلك نسبة المنتحرين من المرحلة العمرية ما بين 25 و40 عامـًا، حيث تمثل النسبة الأكبر لانتحار الرجال. ومعظم حالات انتحار الرجال في هذه المرحلة العمرية ترجع إلى الظروف الاقتصادية وعدم القدرة على الإنفاق على الأسرة.
المرتبة الثالثة في إحصائية المنتحرين جاءت ممثلة في الفئة العمرية من 7 إلى 15 عامـًا. وكانت البنات المنتحرات في هذه المرحلة ثلاثة أمثال الأولاد. وبلغت نسبة هؤلاء الأطفال المنتحرين 5.21% من إجمالي المنتحرين في مصر.
اللافت للانتباه أن طرق الانتحار تختلف بين النساء والرجال، إذ إن 90% من النساء يستخدمن في انتحارهن الأقراص المنومة أو سم الفئران أو إلقاء أنفسهن من أماكن شاهقة أو في النيل، بالإضافة إلى لجوئهن إلى حرق أنفسهن.
أما الرجال في مصر فإنهم ينتحرون عادة بالشنق أو قطع شرايين اليد أو إطلاق النار على أنفسهم أو الحرق. وتختلف طرق الانتحار حسب الوضع الاجتماعي والأدبي، فالعاطلون يميلون إلى شنق أنفسهم، ورجال الأعمال يطلقون النار على أنفسهم، في حين يلجأ تلاميذ المدارس إلى قطع شرايين اليد أو الشنق. وينهي المؤلف كتابه بفصل عن أسبوع الانتحار في مصر، والذي تلا الثورة التونسية وسبق الثورة المصرية، وكيف وظّف النظام المصريّ السابق كل طاقاته لمواجهة من هدّدوا وجوده بإزهاق أرواحهم، وكيف أن ذلك النظام الذي كان قد تحلّل بفعل أخطائه وحماقاته لم يزد الطين إلا بلّة أودت به. ويمضي المؤلف متتبعـًا حالات الانتحار المستمرة بعد يناير 2011 والتي تمثل أكبر دليل على أن هذه الثورة ما زالت مستمرة، وأن أسباب اليأس لم تنضب بعد.
وفي 21 يناير، على سبيل المثال، وقعت 7 محاولات للانتحار توفي منهم 4، ونجحت قوات الأمن في منع 3 منهم أمام مجلس الشعب. وتتالت حوادث الانتحار في مصر طوال الأيام التالية، بوتيرة متصاعدة وتفاصيل كثيرة يطول عنها الحديث.
ففي يوم 24 يناير الذي شهد 4 محاولات انتحار، كان الدكتور أحمد نظيف، رئيس الوزراء، آنذاك، في زيارة لموقع تدشين بدء عمليات حفر المرحلة الثانية من الخط الثالث لمترو الأنفاق، وصرح وقتها بأن الانتحار ليس حلاً حقيقيـًا لمشكلة البطالة التي يعاني منها الشباب المصري، مشيرًا إلى أن الحوادث الأخيرة التي تمثلت في إقبال بعض الأفراد على الانتحار ترتبط بمشكلات شخصية لهؤلاء الأفراد وليست بالضرورة مشكلات نفسية.
وفي حوار أجراه معه برنامج حديث المدينة التليفزيوني، أكد وزير الداخلية آنذاك، حبيب العادلي، أن الانتحار نوع من السذاجة والاستخفاف بالنفس، فضلاً عن أنه محرم في كل الأديان، واعتبر أن أغلب حالات الانتحار، لديها أسباب نفسية، ومن يفعل ذلك لا بدّ أن يكون مريضـًا نفسيـًا، لأنه لا يوجد إنسان سوي يقدم على الانتحار. غير أن ما جرى أمام مجلسي الشعب والشورى ومجلس الوزراء وغيرها من المؤسسات الحكومية من محاولات انتحار، كان مقدمة لثورة عاتية أسقطت النظام السابق واجتاحت رموزه.
ويقول المؤلف إن النظرة المدققة لخارطة مراكز الانتحار في مصر، وعلى سبيل المثال خلال موجة محاولات الانتحار في يناير 2011، ستكشف عن تركزها في المنطقة الواقعة بين القاهرة والإسماعيلية والإسكندرية والغربية والقليوبية، وغيرها من المحافظات الساحلية والوجه البحري والعاصمة، في الوقت الذي تراجعت فيه معدلات الانتحار في محافظات الصعيد.
والسؤال الذي يتبادر إلى الأذهان بقوة: ما السر الذي يدفع مواطني محافظات الوجه البحري والمدن الساحلية والقاهرة للانتحار حرقـًا؟ في حين لم يفكر مواطنو محافظات الصعيد والمحافظات الحدودية في الإقدام على إزهاق أرواحهم بجركن بنزين أو كيروسين رغم التفاوت الكبير في مستوى المعيشة والدخل بين مواطني الوجه البحري ونظرائهم في الوجه القبلي؟!
فتش عن العائلة والتقاليد!
فمن الواضح أن محافظات الصعيد تتسم بتركيبة سكانية يغلب عليها العائلة والقبيلة والعادات والتقاليد، بجانب الاهتمامات الحياتية المتشابهة ربما إلى حد التطابق، وزعماء العائلات والقبائل يلعبون دورًا محوريـًا في سير الأمور الحياتية، بما لديهم من قدرة على الاحتواء وحل المشكلات مهما كان حجمها، وبث روح العزيمة والتماسك في العلاقات، والتأكيد بأن كل فرد من أفراد العائلة أو القبيلة رقم صحيح في المعادلة الحياتية لا يمكن الاستغناء عنه.
تفاصيل مهمة ومثيرة تفتح باب النقاش حول ظاهرة الانتحار في مصر والعالم العربي، يقدمها كتاب شهقة اليائسين: الانتحار في العالم العربي.
يبقى أن هذا الكتاب هو باقة ورد يضعها مؤلفه على قبر كل من ضحّى بعمره من أجل أن نحيا وأجيالنا القادمة حياة الكرامة الإنسانية.

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

0 التعليقات على "شهقة اليائسين.. أسرار الانتحار فى مصر!"

أكتب تعليقا