في حضرة الموت الجميل

| |

 
 
 
 
بقلم: عاطف عبدالغني
مجلة أكتوبر، القاهرة، 27 يناير 2013
 
 
 
 
لا أعتقد أن هناك متعة فى حضرة الموت .. لكن الكتابة الجميلة عن الحقيقة الأبدية شىء آخر.. هذا ليس كلاما من قبيل الإطراء لكنه تعبير مختصر عن مشاعر جميلة تتسلل إليك حين تطالع نثر الكاتب والصحفى المبدع د.ياسر ثابت، هذا إذا كتب فى أى موضوع فما بال هذا الحيىّ الرقيق إذا كتب عن الموت العنيف كما فعل فى «شهقة اليائسين» آخر كتبه، الذى يصدّر فيها دهشة المتعة للقارىء من غلافه الأول حين يباغته بهذا الوصف الذى لم يرد فى الغالب على ذهن أحد من كتّاب لغة الضاد قبله.
«شهقة اليائسين» .. صورة درامية تختزل الموضوع وتستحضر للذهن صوت جلبة واضطرابا غير مسموع للروح - سر الخلق - حين تغادر جسد المنتحر للأبد مسبوقة بشهقة تمثل آخر حبل يربط صاحبها بالحياة، وتلك الشهقة ليست ضرورة لازمة إلا مع حضور الوعى فى هذه اللحظة الاستثنائية التى تنهى حالة غير محتملة من اليأس بالهروب المتوهم من الحقيقة.. واختيار العدم كما تصوره أوهام المنتحر.
(1)
وإذا كان اليأس اختيار أخير تم فيه استبدال المجهول بالمعلوم، فإن اتخاذ مثل هذا القرار ربما يستغرق التفكير لساعات طويلة، لكن تنفيذه ممن قرر التخلص من حياته لايحتمل إلا لحظة هى ذاتها اللحظة التى يفرض فيها الشيطان إرادته، أو هكذا يبدو للكافر الذى يئس من رحمة الله، وهو معنى مرعب للمؤمن لا أعتقد أنه يأتى على ذهن منتحر يظن أن قرار مغادرة الحياة هو متخذه، أو أنه يمكنه أن يذهب إلى حضرة من وهبه الحياة فيرد عليه وهبته كافرا بها.
على العموم هذا رأيىّ، وهذا ماتبادر إلى ذهنى حول الموضوع قبل أن تستغرقنى كلمات د.ياسر، وعنوانه الجميل الذى استدعى للذهن عنوانا على نفس الوزن هو «هتاف الصامتين» وهى دراسة صدرت فى سبعينيات القرن الماضى أبدعها د.سيد عويس الملقب برسول الفقراء، أحد أهم الباحثين المصريين فى علم الاجتماع وأخضع فيها العبارات المكتوبة على مؤخرات المركبات العامة للرصد والتحليل، وللدكتور عويس دراسة أخرى مهمة عن الموت فى حياتنا عنوانها: «الخلود فى حياة المصريين».. فهل هناك وجه شبه بين هذه الدراسة الأخيرة تحديدا وكتاب د.ياسر؟.
بالفعل هناك وجوه شبه عديدة بين موضوعات الكاتبين وتناولهما لقضاياهما أهمها أن كليهما يستقى مادته من معين واحد هو الناس فيعيد تشكيلها وتقديمها فى صورة جديدة مغايرة مدهشة، وعلى وجه التحديد فالشبه بين «شهقة اليائسين» و«الخلود فى حياة المصريين» هو تناول هذه الرحلة القصيرة الموصوفة بالحياة من مشهدها الأخير، وجمع بين الكاتبين- دونما قصد- أيضا منطلق أولى دفع كليهما للتصدى للموضوع وهو لحظة التغيير التاريخية، أو قل اللحظة الثورية التى استدعت قسرا التغيير السياسى والاجتماعى كضرورة حتمية، وفى حالة د.عويس كانت لحظة التغيير هى صدور القرارات الاشتراكية فى 23 يوليو 1969التى رأى فيها الأخير ثورة تغيير اجتماعية وثقافية تستهدف المجتمع المصرى بأكمله، وتؤثر بشكل كبير على مستقبل هذا المجتمع ونظرة المصريين العامة نحو الحياة وكذا نظرتهم الخاصة نحو ظاهرة الموت، وقريبا من هذا رأى د.ياسر ثابت فى ثورة 25 يناير 2011هذه اللحظة وفيها أعلن الشعب المصرى أنه لن يعد يهرب بالانتحار أو الموت قهرا وكمدا.
كان هذا رهانى الذى كسبته حين قلت لنفسى إن الثورة هى مرتكز كتاب د.ياسر وهى غايته، قلت قبل أن أشرع فى القراءة، أو أصل لسطور الكتاب الأخيرة التى يقول فيها الكاتب: «كان الشعور العام لدى كثيرين بأنها المقدمات التى تسبق النتائج، وأن الثورة آتية لا ريب فيها، أسرع مما يتوهمون، وأكبر مما يتصورون ثم كانت ثورة 25 يناير»!.
الثورة إذا هى المرفأ الذى رست عليه سفينة د.ثابت عبر بحار القلق التى خضناها مع منتحريه فى زورقه الحريرى.
(2)
علامات إرشادية كثيرة وضعتها أسفل سطور الكتاب لكى أستعين بها فى عرض وتلخيص رؤية الكاتب التى يوافقه فيها زميل دراسة ومهنة آخر هو محمد هانى فيسترشد به وعنه ينقل د.ياسر الآتى:
«عام 2011 حل وعموم الناس فى مصر يخيم عليهم شعور بالقلق، وخوف مما قد يأتى به الغد، ربما لا تكون ضغوط الاحتياج المادى وعوامل مثل الفقر والبطالة هى السبب الرئيسى فى ذلك القلق، فالمصريون فى غالبيتهم لم يعتادوا على حياة رغدة فى أى عهد من العهود، وهم دائمـًا مهيأون لفكرة الكد وراء لقمة العيش.
قلق المصريين وخوفهم كان مبعثه أنهم يعيشون حالة ضبابية لا يعرفون - حتى إذا انقشعت- ماذا سيجدون خلفها، ولا يلمحون فيها ضوءًا واضحًا يثقون أنه سيقودهم للخروج منها، ويتوجسون خيفة من أيادٍ مجهولة يشعرون أنها تحاصرهم ولا يعرفون هويتها الحقيقية ولا أغراض أصحابها».
ويعلق د.ثابت مضيفا: كانت مصر المريضة فى تلك الفترة فى مستنقع يأس جماعى بعد أن ترهل النظام السياسى وشاخ، واستشرى الفساد وتغول أصحاب السلطة والنفوذ ، وفى ظل وضع بائس وتعيس لا يليق بدولة مثل مصر، ارتجل كثيرون الغضب والاحتجاج، وظن بعضهم أن تجربة البوعزيزى (المنتحر التونسى الذى فجر انتحاره ثورة الياسمين) يمكن أن تحدث التأثير المطلوب وتنقل صرخة الاحتجاج فى صدورهم إلى الحكومة والسلطة بشكل عام، إنها «جاذبية المثال» التى يستسلم لها البعض كما يقول إميل دوركايم.
(3)
إميل دوركايم الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسى الشهير يستشهد به كثيرا د.ياسر- ليفسر من خلاله ظاهرة الانتحار- ويصفه بذا البصيرة الأكثر نفاذا فى رؤية أبعاد الانتحار الذى اعتبره ظاهرة اجتماعية دالة على طبيعة الأخلاق السائدة فى مجتمع معين، وبذلك عارض ورفض بشدة التفسيرات السائدة فى القرن التاسع عشر الذى عاش فيه والمتمثلة فى دور الوراثة، والجنون، والمناخ وتقليد الآخر، وعزا هذا الفعل إلى تكسر الروابط الاجتماعية والانعزال، وتأثير عوامل الضغوط النفسية وعدم القدرة على كبحها وخاصة الفقر والبطالة.
استقرأ أيضا دوركايم حالات الانتحار وقسمها إلى 3 حالات طبقـًا للموقف الاجتماعى، أطلق على الأولى منها الانتحار الأنانى (Egoistic) وفيها يكون المنتحر فى حالة عزلة، ليست له ارتباطات بأى مجموعات اجتماعية وهذا يفسر أو يؤكد زيادة الانتحار بين غير المتزوجين، وزيادته فى المدن أكثر من القرى وفى المجموعات الدينية الأقل ترابطـًا مقارنة بالمجموعات الدينية الأكثر ترابطـًا، وعكسه الانتحار الإيثارى (Altruistic)، حيث نرى المنتحر شديد الانتماء إلى مجموعته وهو لذلك يضحى بنفسه من أجلها، ومثال على ذلك الجندى الذى يدفع نفسه للموت فى المعركة فى سبيل وطنه.
أما الحالة الثالثة فهى حالة الانتحار الفوضوى (Anomic) وهو الانتحار الذى ليس له مثال أو معيار نقيسه عليه ، وفى هذا النموذج، تضطرب وتتشوه العلاقة بين الشخص والمجتمع ، حين يمر الشخص بظروف مادية شديدة الاضطراب تجعله مضطرًا للخروج من السياق الاجتماعى المألوف، أو أن يحدث هذا من جانب المجتمع فى مراحل الانهيارات والتحولات الاجتماعية المفاجئة ، وعلى ضوء الحالة الأخيرة يمكننا أن نفسر زيادة حالات الانتحار فى مصر بنسبة 12% خلال عام 2011 مقارنة بالعام الذى سبقه، وأن نحو 18 ألف حالة انتحار وصلت إلى مركز السموم خلال عام 2011، أغلبهم من الرجال! وكتاب د.ثابت فى مجمله هو بمثابة إجابة عن هذا السؤال.
(4)
شرقا وغربا ..جنوبا وشمالا جاء د. ياسر بالقارىء وذهب وقال أشياء كثيرة تناول فيها الرجال والنساء، الشباب والشيوخ ونقل لهم جميعا صور الموت العنيف الحقيقية والمجازية، الواقعية والتخيلية، وأمتعنا وهو يسرّب للقارئ إحساسه الشخصى بالمرارة على حال أبناء وطنه وضائقتهم وإحساس أغلبهم بالعجز أمام المجهول الذى نعيشه، فقيرنا وغنينا، معدمنا ومترفنا.
بمشرط الجراح خط د. ياسر عباراته الحادة القاطعة فسبب لضمائرنا كثيراً من الألم، لكنه لم ينس فى النهاية أن يذكّر قارئه بقدرة الإرادة الإلهية، أو كما رسمها الفيلسوف الألمانى شوبنهاور «إرادة الحياة الهائلة القوية لا تتوقف ولا تنكر، والإفناء الإرادى للوجود الظاهرة المفرد هو عملٌ أحمق وعابث.. ويظل قوس قزح على حاله أيـًا كانت السرعة التى تتغير بها قطرات المطر التى تسانده».. انتهى.
 

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

5 التعليقات على "في حضرة الموت الجميل"

أكتب تعليقا