اهتزازات زمن فات!

| |





1981




أخرج من البيت وكلي أملٌ أن ألحق بالحافلة، وألا تكون قد مرت.


وكأي غريبٍ في بلاده، كان عليّ أن أتلقى دروسـًا قاسية، حتى لا أكرر الخطأ نفسه أكثر من مرة. القاهرة، كانت بالنسبة لي غابة كبيرة، تصطاد شابـًا مثلي لم يعش فيها زمنـًا يذكر قبل أن يلتحق بإحدى كلياتها في جامعة القاهرة. لم تكن هناك أشجارٌ في الغابة، فقط بشرٌ وزحام، وارتباك، ووقتٌ مشنوق بحبل الجمود. مصيدة مصنوعةٌ بإحكام، وكل ما في وسعك فعله هو أن تحاول الهرب، علّك تدركه.


ومن مصائد القاهرة، أو مصائبها، حافلاتها العامة.


صحيح أن تأخر الطالب عن المحاضرات في مدرجات الجامعة لا تترتب عليه عادةً خسارة جسيمة، إلا إن كنت بصدد اختبارٍ دراسي أو موعدٍ غرامي ما، لكن يبقى داخلك ذلك الإحساس - على الأقل في عامك الجامعي الأول- بضرورة الانضباط والالتزام بالحضور قدر الإمكان.


تنتظر وتبتهل إلى العلي القدير بأن تنال فرصة ركوب حافلة عامة، وتتمتم بما تحفظ من الدعوات الصالحات، وتحدث نفسك أحيانـًا، على أمل أن يأتي "الأتوبيس المنتظر"، حتى لا يبدأ يومك بما يكدر مزاجك العام.


لم يكن هناك مترو أنفاق، أو ميكروباصات أو حتى حافلات مملوكة لشركات خاصة. فقط عربات الترام، أو الغرام؛ لأنها تناسب العشاق الذين يرجون أن يطول بهم أمد "الرحلة"، والمسنين والمتقاعدين الذين يتصفحون الصحف ويمضون جُل نهارهم في الطريق إلى مقصدهم. وتقف خطوط المترو والقطار عند حدود ميدان رمسيس، أو "جمهورية باب الحديد". أما سيارات الأجرة "التاكسي" المعروفة بلونيها الأبيض والأسود وأجرتها المتأرجحة حسب مزاج سائقها، فهي في كل الأحوال ليست ضمن خيارات طالبٍ يسكن أقصى شمال القاهرة الكبرى، ويذهب يوميـًا إلى الجزء الغربي منها.


ومثل الفول والطعمية، كانت "أتوبيسات كارتر" جزءًا من الحياة اليومية لأبناء القاهرة حينذاك، وكانت تلك الحافلات ذات المقدمة القبابية منحة لهيئة النقل العام المصرية في إطار المعونة الأميركية، وحمل شعارها – الذي يأتي بجوار الباب الأمامي مباشرةً– رسمـًا يعبر عن الصداقة؛ يدان متصافحتان يعلوهما العلم الأميركي.


التحدي الأكبر هو أنه ليس للحافلة وقت محدد، والصدفة وحدها تلعب دورها. وحين تتعطل الصدفة، تبدأ الحيرة ورحلة البحث عن بدائل، وهي في الأصل محدودة، مثل مغامرة التنقل بين أكثر من حافلة للوصول إلى الجامعة، بما يعنيه ذلك من استنزافٍ للوقت والجهد في طرقاتٍ نخرها سوس الإهمال حتى صارت مثل خيوط متشابكة بفوضى، في مدينةٍ لا تعتني بتفاصيلها. وقد يصير الأمل هو الوصول إلى ميدانٍ يضم محطة حافلات مركزية، حيث تتجمع خطوط الحافلات العامة. مئات السيارات والحافـلات وآلاف الناس يصعدون ويهبطون في ميادين التحرير ورمسيس والعباسية والعتبة، وغيرها من مراكز إعادة توزيع البشر في القاهرة الكبرى وضواحيها.


مثل سُرة صغيرة في جسد كبير، منه وإليه يتفرع عدد مهمٌ من الشوارع، فيما تذرعه أعدادٌ غفيرة من المواطنين جيئة وذهابـًا، في انتظار خط الحافلة المنشود.


وتمامـًا مثل زرقاء اليمامة، يستطلع البعض الحافلة عن بُعد، كي يتأهب لمزاحمة الآخرين في الصعود على متنها، ومن ثم التسابق على أحد المقاعد الخالية، في مشهد هزلي مؤلم. وربما تصيبك خيبة أمل مزدوجة حين تجد أن معظم المقاعد محجوزة؛ لأن الركاب خططوا لركوب الحافلة وهي في طريق العودة، فقط لكي يضمنوا لأنفسهم مقعدًا في طريق الذهاب!


أما عندما يسعدك الحظ أو يسعفك بما يكفي لرؤية إحدى الحافلات العامة التي تسير وشقها مائل بسبب حمولتها الزائدة، فإنه يبرز أمامك تحدٍ آخر وهو الركوب. لا مكان عادةً للوافدين الجدد إلى هذا الجسم المعدني المتهالك. هناك من يتشبثون بأطراف أصابعهم بالباب الخلفي للحافلة، وأنت مطالبٌ بالقفز إلى الداخل ودفع نفسك بكل ما أوتيت من قوة كي تصبح محشورًا في مكان ما، بين درجة الباب العريضة وإحدى الزوايا الضيقة داخل الحافلة، والباقي عليك يا بطل!


وفي الأصل، لا تتوقف الحافلة تمامـًا عند محطة الوقوف إلا إن كان السائق مضطرًا لإنزال ركاب. في الغالب الأعم، يهدئ السائق من سرعة الحافلة، ليتمكن أحدهم من القفز إليها برشاقةٍ أوليمبية، وتجاوز الركاب عند بابها الخلفي، خشية السقوط من تلك الحافلة الطائشة. حتى عندما تقفز إلى الحافلة لتندس وسط الحشود الواقفة على بابها والمتراصة داخل علبة السردين هذه، عليك أن تحذر جيدًا من اللصوص والنشالين، الذين يفضلون الوقوف أو "الشعبطة" عند المدخل وتنسل أيديهم إلى جيوبك بخفةٍ بارعة كي تسرق منك حافظة نقودك أو ما تيسر من مال أو أغراض تحملها معك، خاصة في نهاية كل شهر، حين تنتفخ الجيوب بما تيسر من جنيهات الأجور والرواتب.


بحكم الخبرة في الوجوه والمواقف، يحفظ السائق اللصوص والنشالين، لكنه يركن عادة إلى الصمت وعدم المبالاة على طريقة "وأنا مالي"، لكنه قد ينبه الركاب بجملة تحذيرية تشبه إبراء الذمة، يدعوهم فيها إلى الانتباه إلى أغراضهم وحافظات نقودهم. لكن لا تفرط في التفاؤل وتتوقع أن تلتقي شخصيـًا بنموذج السائق حسن (نور الشريف) في "سواق الأتوبيس"، الذي يتدخل بإيجابية في نهاية الفيلم لإلقاء القبض على النشال، وينهال عليه باللكمات وهو يقول له صارخـًـا من الأعماق: "يا ولاد الكلب"!


قد تنشأ ألفة ما بين السائق وبعض الركاب الدائمين، وخصوصـًا الأصدقاء والمعارف والسيدات، فيوقف الحافلة لهم في أي مكان بغرض الصعود أو النزول، فلا معنى يُذكر لمحطات الوقوف الرسمية في قاموس سائقي النقل العام. أصحاب الحظوة فقط، قد يجلسون على مقعد بدائي صغير، لا يظهر إلا بأمر السائق، ليتسامر مع من يريد خلال الرحلة. وقد تمتد جسور المودة، فتجده يضع لهم أرغفة الخبز الساخن على المفرش الأمامي للحافلة، حتى تبرد، قبل أن يأخذوها إلى بيوتهم وأفواه جائعةٍ في الانتظار.


وفي بلدٍ إشارات مروره للزينة لا أكثر، وعساكر مروره بلا حول ولا قوة، يَمِيل سائقو الحافلات العامة إلى التعسف في القيادة ومخالفة آداب الطريق، مع الاستخدام السافر لأبواق التنبيه، وتوجيه السباب إلى باقي سائقي السيارات "الملاكي" والمارة ووصفهم بأنهم "بهائم" يستحقون اللعنات.


أما الكمساري، سيد الشق الجنوبي من الحافلة، فله زبائنه هو الآخر. وقد تجده من الكرم بحيث يمنح نصف مقعده الصغير أصلاً لفتاةٍ أو سيدةٍ أو صديق مقرب، ويأكلك الغيظ من اختلاف لهجته معهم عن طريقته مع باقي الركاب، الذين لا يكف عن مطالبتهم بالتحرك إلى داخل الحافلة، بدعوى أن "الأتوبيس فاضي قدام"، وسط تذمر الركاب وجدالهم معه في هذا الشأن.


الشعور بالغثيان هو أول ما يراودك كلما ركبت الحافلة وجربت جحيم النقل العام. رائحة العرق، والسوق، والسجائر المشتعلة خفية وسط كل هذا الزحام، تجعلك تكره حياتك مع كل طلعة برية!


تريد أن تقف بثبات داخل الحافلة، لكن الحالة المزرية التي هي عليها تجعل طلباتك أضغاث أحلام، في ظل تفكك الأعمدة التي يستند إليها ركاب الحافلة، وتفكك الأرضيات التي يقفون عليها.


لم يكن ينقص تلك المغامرة سوى الباعة الجائلين. وهؤلاء كانوا حاضرين بقوة، إذ يخترقون الزحام ويفرضون بضاعتهم المقلدة من الأقلام والدفاتر والدبابيس وإبر الخياطة والولاعات، والأدعية الدينية. ولكل موسم بضاعته، ولكل بضاعة طريقة خاصة في الترويج لجذب الانتباه وانتزاع البسمات تمهيدًا للبيع. ولا بأس من قليل ممن ينتحلون صفة جامعي التبرعات، حتى إن أحدهم ظل يجمع التبرعات لبناء مسجد وهمي في أول نفق شبرا لمدة زادت على عقدٍ كامل من الزمان.






دودة النقل العام تحاول شق طريقها، وسط زحام السيارات المركونة "صف ثان" والباعة الجائلين، والصعاليك المتسكعين بلا هدف ممن يأكلون نصف مساحة الطريق الفعلية، فيما ينبعث من الحافلات - لا عدمنا الله منها- عادمٌ كان مسؤولاً عن تلوث العاصمة المصرية ولاحقـًا ثقب الأوزون.


خط سير الحافلة المكتوب عادة بخط يدوي غير مقروء على اللوحة المعدنية الخارجية، ليس بقرة مقدسة. فقد يقرر السائق تغيير خط السير أو اختصاره بدعوى الزحام المروري، أو حدوث عطل مفاجئ. والمبرر الأخير قد يقودك فجأة وبسرعةٍ جنونية إلى أحد الجراجات العمومية، "فتح، ونصر، والمظلات"، التي تعد "مقبرة  الأفيال" في عالم هيئة النقل العام.


أما اللوحة المعدنية التي تحمل الرقم وخط السير، فأمرها سهلٌ وميسور، وما على الكمساري أو السائق سوى مد ذراعيه من النافذة الوسطى للحافلة ليرفعها أو يديرها إلى الجهة الأخرى الخالية من الكتابة، لتخترق الحافلة مجهولة الرقم والوجهة شوارع القاهرة بحفظ الله ورعايته.


وسط ضجيج العاصمة، قد يفرض عليك سائق الحافلة ذائقته الغنائية، حين تدور أغانيه المفضلة من جهاز تسجيل يضعه أمامه وسط ديكوراتٍ اصطنعها لنفسه. وهكذا قد تستمع إلى "الست" أم كلثوم وهي تشدو بمقاطع من "سيرة الحب"، أو يتحفك السائق بوصلةٍ من الأغاني الشعبية التي لا - وعلى الأرجح لن- تعرف اسم من يؤديها، حتى يلفظك باب الحافلة خارجـًا.


وفي كل الأحوال، اللهم لا اعتراض.


ومع ذلك، فإن روح السخرية تحاول أن تشد من أزر هؤلاء الركاب، الذين إن باغتهم سائق الحافلة بالضغط على الفرامل فجأة أو المرور فوق مطب أو حفرة بسبب طبيعة شوارع قاهرة المعز، اهتزوا في أماكنهم في رقصة إجبارية، وارتموا في أحضان بعضهم البعض دون سابق إنذار، وهم يرددون في اعتذارية مرتبكة أن المشكلة على ما يبدو ليست في تخلخل أرضية الحافلة وتفكك أعمدتها، ولا في السائق أو الشارع، وإنما في الركاب أنفسهم!


السائق المحترم، سلطان زمانه، قادرٌ على مفاجأتك دائمـًا. فهو قد يوقف الحافلة في عرض الطريق، ليشتري علبة سجائر، أو ينزل ليقف في "طابور العيش" أو أمام جمعية استهلاكية، أو مطعم لبيع سندوتشات الفول والطعمية. حدث ذات مرة أن كنت في مشوار قرب منتصف الليل بقليل، حين توقف سائق الحافلة في منطقة نائية، ونزل ليختفي في الظلام. وبعد أن طال غيابه لأكثر من ثلث ساعة، سألتُ الكمساري عن السائق، فأجاب بهدوء قائلاً: "ذهب ليصالح زوجته". وتبين أن السائق تعرض لمخالفةٍ زوجية ما، وإنه كان بصدد دفع الغرامة لاستعادة رخصة بيت الزوجية.. وليذهب الركاب إلى الجحيم!


لم يكن الناس يفغرون أفواههم إن وجدوا الحافلة تحمل ما لذ وطاب من الدجاج والبط والإوز والأقفاص القادمة للتو من الريف، أو حتى أسطوانات الغاز التي تتحدى تذمر الكمساري وغضب باقي الركاب. كل شيء ممكن، وأي شيء محتمل في النقل العام.. حتى الأمهات اللاتي يهبطن ثم يلتقطن أطفالهن من النوافذ بمساعدة الركاب الجالسين على المقاعد.. فالزحام أم الاختراع!


لم يكن الناس يفغرون أفواههم إن وجدوا الحافلة تحمل ما لذ وطاب من الدجاج والبط والإوز والأقفاص القادمة للتو من الريف، أو حتى أسطوانات الغاز التي تتحدى تذمر الكمساري وغضب باقي الركاب. كل شيء ممكن، وأي شيء محتمل في النقل العام.. حتى الأمهات اللاتي يهبطن ثم يلتقطن أطفالهن من النوافذ بمساعدة الركاب الجالسين على المقاعد.. فالزحام أم الاختراع!


بجواري شاب وفتاة يتبادلان حوارًا هامسـًا تتخلله بين فترة وأخرى نظرات الهيام. الحياة ليست ذات قيمة من دون حُبٍّ، يخفف من وطأة عذاباتنا اليومية الأخرى.


أتشبث مثل غيري بمسند المقعد إن أمكن، أو بالعمود الحديدي الصدئ المتدلي من السقف. وحين يقف السائق فجأة، تتعرض حصانة الأجساد للانتهاك، أحيانـًا بشكل عفوي، وغالبـًا بشكل متعمد ممن يقفون خلف النساء بصلابة ويتحينون الفرصة لملامسة الأجزاء البارزة منهن.


أتذكر هنا ما حدث من تحرش جنسي صريح تعرضت له "ذات" في رواية صنع الله إبراهيم التي تحمل الاسم نفسه، وما جرى للراوي في رواية "اللجنة" - للأديب نفسه- خلال وجودهِ في الأتوبيس، إذ يتحرش شاب ضخم الجثة بفتاة، تظهر انزعاجها من سوء سلوكهِ، ثم تعترض الفتاة كلامِيـًا، إلى أن يضربها الشاب. وهنا يعترض البطل؛ لأن "السيل بلغ الزبى"، وينتقد سلوك العملاق بثبات، موضحـًا أن الفتاة هي الضحية. وهنا ينقلب الموقف – الحدث، ليصبح البطل في موضع اتهام، بعدَ أن طاله الضرب المُبرح من العملاق، الذي يصل لدرجة كسر ساقهِ، حيث يتدخل الناس مخاطبين الشاب العملاق بصيغ خانعة معروفة تزيد من عقدة التسلط فيه؛ مثل "أنت العاقل" و"روق بالك".. ثم يأخذ أحد الركاب الراوي – البطل إلى باب الأتوبيس، قائلاً :"أقصر عن الشَّر وانزل"!


وتستحضر الذاكرة ما جرى للدكتور نوال السعداوي وترويه في الجزء الأول من سيرتها الذاتية "أوراقي.. حياتي" عن قرصات مجهولة في الفخذ وسط الزحام، ودس أحدهم إصبعه الصلب في ظهرها "أو ذلك الشيء الآخر الذي يتصلب بين فخذيه يدسه في جنبي أو في الإلية وأنا واقفة مصلوبة بين الأجساد، يداي مرفوعتان قابضتان على عمود علوي في سقف الترام أو القطار أو الأتوبيس" (ج 1: ص 210).


النساء هنا يبحثن عن الحصانة لأجسادهن من الاستباحة في وسائل النقل العامة. ولذا تتجنب الراكبات عادة التقاء نظراتهن بأي غرباء قد يعتبرون التقاء العيون دعوة للاقتراب أو التعارف. وإذا كان معهن مرافق، فإنه يحرص على إحاطتهن مثل حارس شخصي من الملامسات العابرة أو الاحتكاكات الجسدية المريبة أو البريئة على حدٍ سواء. المشاجرات والمشادات تتطاير في هواء الحافلة التي سرقوا منها الأكسجين. ولا فائدة من الاحتجاج بالزحام الشديد الذي يجعل تجنب الملامسة أمرًا مستحيلاً.


في طريق العودة، ترى البعض عَصي الدمع شيمته الصبر!


أحد بدائل تفادي الزحام في طريق العودة، هو الأتوبيس النهري، لكنه أقرب إلى أن يكون ترفيهيـًا أكثر منه وسيلة نقل. لم يكن هناك من طريق سوى التحايل على الزحام بالركوب إلى ميادين مثل ميدان التحرير.. ومن هناك يخلق الله ما لا تعلمون.


في تلك الأيام، خلق الله الكثير مما لا نعلم.. حتى وإن عشناه.. وعايشناه.

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

18 التعليقات على "اهتزازات زمن فات!"

أكتب تعليقا