ثروات الحكام.. ولحظة الحقيقة (5): فؤاد الأول

| |


 
 
تشاء الأقدار أن يكون حاكم مصر التالي هو فؤاد الأول (9 أكتوبر 1917- 28 أبريل 1936). وفؤاد هو ابن إسماعيل باشا والشقيق الأصغر للسلطان حسين. قررت انجلترا وضعه على عرش السلطنة - قبل أن يصبح ملكـًا اعتبارًا من العام 1922- فتغير كل شيء في حياة هذا الرجل.

وعلى رغم أن الأمير أحمد فؤاد أو "البرنس فؤاد" كما كان يطلق عليه في تلك الأيام كان سليل الحكام، باعتباره أصغر أنجال حاكمٍ شهير هو الخديو إسماعيل، وحفيد حاكمٍ أشهر هو محمد علي باشا الكبير، فإن شخصية البرنس أحمد فؤاد في الواقع كانت نموذجـًا للشاب المستهتر.

يرسم الكاتب صلاح عيسي[1] صورة "البرنس فؤاد" في تلك الأيام قائلاً:

في تلك الأيام، وبالتحديد في عام 1895 كان البرنس أحمد فؤاد في السابعة والعشرين من عمره. وكان معروفـًا آنذاك في أوساط العائلة المالكة بأنه شابٌ مفلس كثير الاقتراض مقامر.. سكير.. وهي شهرةٌ تعدت الأوساط الملكية لتصل إلى رجل الشارع العادي، الذي كان يصف البرنس فؤاد بأنه "شمام" وهو تعبيرٌ يصف تدهور أحواله العامة وافتقاره للاحترام الاجتماعي.

كان بتعبير المرحوم بيرم التونسي "مقامرًا لا ترحب به أندية القمار"؛ لأنه مفلس ولا يسدد ديون اللعب، وكان يركب الحنطور ولا يدفع لحوذي عربة "الحنطور" أجرته، ويطرق منازل أصدقائه ليلاً ويطلب الطعام.. وبدا هذا كله طبيعيـًا لأنه ابن الخديو إسماعيل[2].

وكما يقول الأديب يحيى حقي، فإن الفرع الذي ينتمي إلى إسماعيل من سلاطين وملوك أسرة محمد علي فرعٌ شرهٌ إلى المال بدرجةٍ مرعبة، فمن تولى منهم العرش: توفيق وعباس حلمي وحسين كامل وفؤاد وفاروق، كانوا لصوصـًا مشهورين، وكان شرههم الأساسي للأرض. يبذلون الجهد للاستيلاء عليها بأي سبيل، حتى لو كان هذا السبيل هو اغتصاب الأوقاف الخيرية والأهلية. بل إنهم لم يتعففوا حتى عن السرقات الصغيرة[3].

والسبب في ذلك معروف.. فقد انتقلت أملاك الخديو إسماعيل إلى ملكية الدولة بموجب قانون التصفية الذي صدر قبل عزله عن العرش، تسديدًا للديون الشخصية التي كان قد اقترضها من الأجانب. وبهذا لم يترك لأولاده ثروات موروثة تكفيهم للحفاظ علي هيبة الإمارة، فأصبح هم كل الذين جلسوا على كرسي العرش من بعده أن يستردوا الميراث الذي استولت عليه الدولة - في رأيهم – دون وجه حق. ويكفي للتدليل على هذا أن البرنس فؤاد لم يرث عن أبيه سوى 800 فدان فقط. واستطاع بعد توليه العرش أن يصل بها إلى 35 ألف فدان بالإضافة إلى 45 ألف فدان من أراضي الأوقاف، وثروة نقدية لا تقل عن أربعة ملايين جنيه.

إذن.. كان الأمير فؤاد في ذلك الوقت هو "البرنس المفلس".

وهي صورة أكدها الصحفي الكبير مصطفى أمين عندما قال: عندما تولى الأمير فؤاد عرش مصر كان مدينـًا لكلوب محمد علي بثلاثمئة جنيه قيمة طعام وخمور لم يدفع ثمنها.. وكان مدينـًا للخياط الإيطالي ديليه بألف جنيه قيمة ملابس لم يدفع ثمنها.. وكان مدينـًا للبنك الأهلي ولبنك موصيري وللبنك العثماني ولبنك كريديه ليونيه. بل إنه كان مدينـًا للجزار والبقال، وكان مدينـًا لطباخه وللسفرجي إدريس الذي كان يأخذ مرتبه بالتقسيط. وعندما تولى الأمير فؤاد عرش مصر أنعم على السفرجي إدريس برتبة البكوية.. فتنازل الأخير عن باقي ديونه.

وكان مدينـًا بعدة آلاف من الجنيهات لمدام مخلع باشا.. وعندما أصبح سلطانـًا عيَنها وصيفة في القصر.. وكان مدينـًا لكثير من أغنياء اليهود مثل يوسف موصيري بك ويوسف قطاوي باشا بمبالغ كثيرة[4].

يقول عباس حلمي الثاني إنه حين علم بوفاة والده الخديو توفيق قرر العودة إلى مصر لتولي الحكم، "وأصر الأمير فؤاد، عمي، والذي كان في ذلك الوقت ملحقـًا عسكريـًا بسفارة تركيا في فيينا، على أن يصحبني حتى السفينة. وطلب مني أن أسمح له بالقدوم إلى مصر. وكان دائمـًا في المنفى مثل والده، الخديو إسماعيل، الذي كان قد أخذه معه إلى إيطاليا. ونتيجة لكرم الملك همبرت من آل سافوا Roi Humbert de Svoic دخل المعهد الدولي Instituto Internazionale في تورينو، ثم قُبِلَ في الأكاديمية العسكرية Academia Millitaire التي تخرج فيها ضابط مدفعية. وكان الأمير فؤاد ابنـًا لجدي الذي أكن له كل توقير، وكان علاوة على ذلك في شرخ الشباب. فكيف كان في وسعي أن أرفض الطلب الأول الذي انتظره مني؟ وعند وصولي إلى القاهرة، أبلغته أنه ليس هناك ما يعارض عودته، وعينته ياورًا، مع رتبة لواء"[5].

واللافت للانتباه أن قائمة أغنى أغنياء مصر عام 1920 لم تضم حاكم مصر السلطان فؤاد.

لكن قائمة كبار أغنياء مصر في منتصف ثلاثينيات في القرن العشرين شهدت عودة الوجوه الملكية من جديد، إذ احتل الملك فؤاد ملك مصر المركز الأول بشكل غير رسمي، حيث نجح في تنمية ثروته بحكم مركزه، علمـًا بأن دستور عام 1923 حدد مخصصات الملك بمبلغ 150 ألف جنيه مصري، ومخصصات البيت المالك بمبلغ 111512 جنيهـًا مصريـًا، وجعل للبرلمان سلطة زيادتها[6]. كما انضم إلى القائمة حاكم مصر السابق الخديو عباس حلمي الثاني الذي عزله الإنجليز عن العرش عام 1914، وإن لوحظ أن ثروته تركزت خارج مصر.

وفي تقرير وقع بين أيدينا[7]، نقرأ عن ثروة الملك فؤاد (الذي توفي في 28 أبريل 1936) وأنجاله ما يلي:

"لم يكن لجلالته عند توليه العرش غير تفتيش الفاروقية بمديرية الشرقية وهو ميراثه الخاص عن والده الخديو إسماعيل وتبلغ مساحته 800 فدان من أجود أطيان هذه المديرية. ثم تكونت ثروة جلالته بعد ذلك من مخصصات العرش وعرض الحارس الرسمي لأملاك الخديو بعض ممتلكات سموه للبيع.


** تفتيش إدفينا

وتبلغ مساحة تفتيش إدفينا 9 آلاف فدان اشتراها جلالته بسعر الفدان الواحد عشرة جنيهات أي بمبلغ تسعين ألف جنيه للتفتيش كله. وبعد جهود مبذولة في استصلاحها يقدر ثمن الفدان الواحد من أطيانه 150 جنيهـًا على الأقل ثم اشترى جلالته ما جاور التفتيش من الأراضي حتى بلغت مساحته الآن 13 ألف فدان يقدر ثمنها بمليوني جنيه تقريبـًا.


** تفتيش الإسماعيلية

تبلغ مساحة هذا التفتيش 3 آلاف فدان ويقع في حدود مركز بلبيس ولا أدل على المجهود الذي بذل في سبيل إصلاح هذا التفتيش من أنه اشترى بمبلغ 27 ألف جنيه ولا تقدر قيمته الآن بأقل من مليون جنيه أي أن ثمن الفدان ارتفع من عشرة جنيهات إلى 300 جنيه تقريبـًا.


**  تفتيش مريوط

وتبلغ مساحة هذا التفتيش ما يقرب من عشرة آلاف فدان اشتريت بمبلغ 9 آلاف جنيه ويساوي الفدان منها في الوقت الحاضر 20 جنيهـًا.


**  تفتيش الزعفران

وقد اشترى جلالته هذا التفتيش من مصلحة الأملاك الأميرية في عهد المرحوم نجيب باشا مدير الخاصة السابق بطريق البدل مقابل إعطاء الحكومة سراي الزعفران ومساحته 3 آلاف فدان وقد دفع جلالته للحكومة - إلى جانب سراي الزعفران- مبلغ 4 آلاف جنيه أخرى أما ثمن الفدان الواحد في الوقت الحاضر فلا يقل عن 150 جنيهـًا.


** في الأوقاف الملكية

وتبلغ مساحة أراضي الأوقاف الملكية 45 ألف فدان منها ما هو أوقاف خيرية ومنها ما هو أوقاف أهلية وحصة جلالته التي ورثها عن والده المرحوم الخديو إسماعيل باشا في الأوقاف الأهلية يساوي غلة 7 آلاف فدان تقريبـًا علاوة على استحقاقه باعتباره ناظرًا ومديرًا للوقفين الأهلي والخيري ولا يقدر ذلك بأقل من 60 ألف جنيه سنويـًا.


** في الأوراق المالية

ويخصص جلالته لهذا الغرض ما يقرب من نصف مليون جنيه تقريبـًا يبلغ صافي الربح منها ما بين 30 و40 ألف جنيه.


** الثروة النقدية

ويقدر العارفون ثروة جلالته النقدية المتجمعة من إيرادات الممتلكات الزراعية وأرباح عمليات الأوراق المالية بما لا يقل عن أربعة ملايين من الجنيهات.


** ثروة الملك فاروق

وقد اشترى جلالة الملك السابق تفتيش المطاعنة وأهداه لجلالة الملك فاروق وتبلغ مساحته ثلاثة آلاف فدان تقريبـًا اشتريت بسعر الفدان 105 جنيهات وتناولتها يد الإصلاح حتى ليقدر البعض أن ثمن الفدان لا يقل عن 250 جنيهـًا في الوقت الحاضر وخصص الملك الراحل 200 ألف جنيه لشراء الأوراق المالية باسم ولي عهده المحبوب.

 

** ثروات الأميرات الصغيرات

وقد تجمع من مخصصات الأميرات الصغيرات سنة بعد أخرى ما يقرب 400 ألف جنيه لكل أميرة ما يقرب من 100 ألف جنيه".

هوامش

[1] صلاح عيسى، حكايات من دفتر الوطن، مكتبة الأسرة، القاهرة، ط 3، 1998، ص 257- 258.
[2] د. ياسر ثابت، جرائم العاطفة في مصر النازفة، مرجع سابق، ص 32.
[3] المرجع السابق، ص 32.
[4] المرجع السابق، ص 33.
[5] عباس حلمي، مرجع سابق، ص 47.
[6] د. عماد أبو غازي، الأمة مصدر السلطات، جريدة "الشروق"، القاهرة، 2 نوفمبر 2012.
[7]________________، ثروات جلالة الملك الراحل فؤاد، مجلة "المصور"، القاهرة، العدد 604، 8 مايو 1953.

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

0 التعليقات على "ثروات الحكام.. ولحظة الحقيقة (5): فؤاد الأول"

أكتب تعليقا