سديم

| |


 

 

"الكتابة انتحار مؤجل"

إميل سيوران

 

ولِدتُ على حرير هذا السرير، وغالبـًا سألفظ آخر أنفاسي فوق أشواكه.

وريدي نامتْ فيه إبرٌ اختلطتْ بملح دمي، وجلدي حفظ الأشكال القصوى للألم. كل يوم أُمنِّي نفسي بأن ما يحدث مجرد كابوس سيزول، وفي كل لحظةٍ، أشمُّ رطوبة القبر.

لكنني ما زلتُ حيـًا في هذا الفراغ الفسيح المُسمى الحياة.

لي إرادةٌ لا تلين، لكنني أنتظر نِعمة مَرْجُوَّة اسمها مَلك الموت. رَقَّ دَمعي لتأخره، أعاهده بأن أتبسَّم حين أراه مادًا لي ذراعيه، قبل أن نختفي سويـًا مَع حَبَّات النور.  

أنا والموتُ معـًا في هذه الدائرة الجهنمية للحياة. ومثل رفاق السجن، يعرفُ أحدنا عن الآخر أسرارًا رهيبة.

حياتي تشبهُ ممرًّا فِي حُلمٍ، ومقلتاي تخبئان في قرارتهما سرًا واضطرابـًا، مهما بدا على ملامح وجهي من هدوء.

بدني هذا مقضيّ عليه، وأنا مقاتلٌ جرحته القصيدة.

لا بأس، سيَنْسونني، فأصير في لون الضباب.

سيَنْسونني، وسأتذكرهم جميعـًا.. يا لجمال حضور الغائبين!

أتذكر كذبهم المفضوح ووداعهم المرتبك. لقلبي العليل إخوة، يتنكرون له. والأصدقاء ليسوا أولئك الذين يتقاسمون معك النكات والمكائد، بل الذين يغزلون من أرواحهم ذلك القطن المبتور في وسادتك.

اقرأ في خطوط راحتي أيها القدر عن دائرة معارفي التي تنقص يوميـًا حتى تغيب.

اقرأ ما نقشته الأحلام والأوهام: عميقـًا تنمو في صدورنا زهور أصدقائنا الراحلين.

في سن الشباب، كنتُ أصَادِقُ المُسْتَحِيل، ونتسابق فأسبقه إلى الحياة. ومع التقدم في العمر اكتشفت أنّ الحزم لا يعني بالضرورة أن أكون ضد إنسانيتي.

لا أدري، أنا الذي أقدَمَ على نحر الجمود، لماذا مظهر خيوط الصوف الصغيرة المحيطة بالمعطف كزغب رقيق، يُذكّرني بموسيقى يوهان سيباستيان باخ المتمهلة!

أجوب شوارع الكلام، ثم أتكئ على كتف كونٍ لا يتسع لي.

في السوق العتيقة، يبدو القيظ قصديرًا يتصبب من السماء ليصهر المارة على هيئة تماثيل غارقة في العرق.

في الكعكة الحجرية، جسدي يدافع عن الميدان، كأنه الوطن.

في البيت، أحترق برماد أفكارٍ تحلق فوق أوتاري المشدودة، وأبحث في سديم النصوص عن كواكبَ تمردتْ على هذي المجرة.

في الليل الغامض، أطفئ مصباح الشرود، ثم أقف أمام نافذَتي الشَّفَّافةِ متسائلاً: كيفَ اللَّيلُ بلاَ نهايةٍ؟

الكآبة قاطع طريق محنّك، يصرخ في وجهك: سعادتك.. أو حياتك؟

ثم أتذكركِ.

المرأة التي تنتقي ثوبها من البستان، وتضع وشاحـًا سماويـًا من الغيومِ، تملك نظرتين ثاقبتين، تكشف بهما عن شروطها القاسية.

تحذرك:

"الديمقراطية تقف عند عتبة بابي.

تعشقني؟

إذن علّمني الآن وفورًا أبجدية القبل؛ لأكتبَ لك كلامـًا من نار.

تريدني؟

إذن املأني الآن وفورًا؛ لأكتملَ بك".

ضحكتُها، ندى يلاحقُ تعارِيجَ الغَيمِ، وصوتها المتكسّر سُلمٌ للجنة وهي تهمس لي: عِدني بأن تُحبَّني بحنان.

يُدوخني عطرها العالق في خيوط قميصي، وهي تقول لي: أيقظ بالعض الخفيف هذا المرمر النائم لأحُدَّكَ من كل الجهات، وذُق عسلي المسكر في وعائه الثمين. سأكون ثُقب إبرتك، فاعبُرني.

نتبادل القبل ونشيخ. نتعانق، فيخدعنا دهاءُ الوَّقْتِ المخاتل.

نُسيتُ، أن أودعكِ، أنا المحكوم بآهةٍ لا تهدأ.. فلا تمزقي قلبي أيتها الأغنية الناطقة بالسمو.

الشمس امرأة جميلة تزور البيت كل صباح، ولهذه الستائر بياضٌ لا يُحتمل.

الفرحة ضيفٌ طارئ على هذا الجسد الهزيل، الذي قرر أن يأْخذَ إِجازةً منَ الحياةِ.

أسير مَكشُوفَ الصدر للرِّيح وللخَنَاجِر. والطعنة تكنس بقسوةٍ هراء "الصداقة".

لا فكرة لدى البطل عن الموت سوى أنه آتٍ حتمـًا، أما الذليل الذي يختفي وراء ظل الآخرين فهو مذعورٌ من فكرة أن الحياة تقصر كل يوم.

لا أوسمة في هذي الحياة، والزمن جلاَّدٌ لا يسأل عن رغبتنا الأخيرة.

كم تكون الأشياء أحيانـًا أمامنا ولا نراها!

وداعـًا أيتها المرايا التي عشتُ فيها. سيتحوّل كلُ شيء إلى غبار.

وربما سيأتي يوم نكتشف فيه أهمية أن نتذكر.

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

4 التعليقات على "سديم"

أكتب تعليقا