ثروات الحكام.. ولحظة الحقيقة (4): عباس حلمي الثاني

| |

 
 
 
حين تولى الخديو عباس حلمي الثاني الحكم خلفـًا لأبيه، كان على عتبة الشباب.
 يقول في مذكراته: "وبدأ حكمي مبكرّا للغاية، فكان عمري سبعة عشر عامـًا.
وانتهى كذلك مبكرّا للغاية، فلم يستمر سوى اثنين وعشرين عامـًا"[1].
وبالرغم من محاولة الخديو عباس حلمي الثاني (14 يوليو 1874- 19 ديسمبر 1944) حاكم مصر من عام 1892 إلى عام 1914 تنمية ثروته الشخصية، فإن اسمه لم يتردد باعتباره أغنى رجل في مصر، على غرار ما وُصِفَ جده الخديو إسماعيل وجد جده محمد علي باشا. الطريف أن الخديو عباس حلمي أظهر حرصـًا كبيرًا على المال، إذ استصلح الأراضي الشاسعة في منطقة المنتزه وأقام فوقها القصر المحاط بالخضرة الذي ظل أجمل القصور الملكية إلى اليوم، واستصلح الأراضي الشاسعة في إدفينا والإسماعيلية، وبنى العمائر الضخمة في القاهرة، وكان يشرف على أعمال الزراعة بنفسه، ويتابع البنائين الذين يشيدون له البنايات كأنه مقاول وليس ملكـًا.
وصفه أحد معاصريه، الشيخ محمد عبده، فقال "إن الخديو جشع، يعمل كل شيء في سبيل جمع المال، وهو يريد أن يستبدل ببعض ما يملك أطيانـًا وعقارات كلها وقف"[2]. بل إننا نقرأ للشيخ محمد عبده في مذكرات صديقه البريطاني ولفرد سكاون بلنت قوله: "إن "رجلنا الصغير" "الخديو" منهمك الآن في الأعمال المالية والتجارية، إلى حد أن كرومر خيَّره بين أن يظل خديويـًا محترمـًا وبين أن يكون تاجرًا محترفـًا، وهذا حق. وخصوصـًا أن بعض أفراد أسرة محمد علي يحبون المال حُبـًا جمـًا"[3].
على أنه من الإنصاف القول إن عهده شهد نموًا ونشاطـًا تجاريـًا، إذ جرى تأسيس 160 شركة، مجموع رأسمالها 43 مليون جنيه مصري، وهو رقم كبير بمقاييس ذلك الزمان. وحاول عباس حلمي الثاني في فترة حكمه توثيق صلته بالجيش وتقويض سلطة كتشنر سردار الجيش المصري، وبذلك يستقر له النفوذ على الجيش. وفي عام 1895 شكَّل مع مصطفى كامل لجنة سرية للدفاع عن مصر ضد الإنجليز بالكتابة في صحف مصر وباريس بأسماء مستعارة، ولم يكن ذلك ينم عن وطنية عباس، إذ إنه لجأ إلى ذلك لصرامة رقابة كتشنر وسيطرته، حيث لم يترك له شيئـًا إلا الشكل الرسمي والعنوان الظاهري للحكم، بالإضافة إلى سوء العلاقة التي كانت سمة بين عباس والدولة العثمانية. ولم يكن هناك أمام عباس سوى الاعتماد على الحركة الوطنية التي كانت تعطيه ولا تسلبه[4].
وانتهز الإنجليز فرصة نشوب الحرب العالمية الأولى، وكان عباس في الآستانة، فطلبوا منه عدم العودة إلى مصر وفرضوا عليها رسميـًا الحماية، التي كان فيها الغرم على المصريين والغنم للإنجليز. خلع الإنجليز الخديو في ديسمبر 1914، وأصدرت "الوقائع المصرية" ملحقـًا خاصـًا بتاريخ 18 ديسمبر خلاصته: "يعلن ناظر الخارجية لدى جلالة ملك بريطانيا العظمى أنه بالنظر لإقدام عباس حلمي باشا على الانضمام لأعداء الملك، فقد رأت حكومة جلالته خلعه عن منصب الخديوية، وقد عرضنا هذا المنصب السامي مع لقب سلطان مصر على سمو الأمير حسين كامل باشا أكبر الأمراء الموجودين من سلالة محمد علي"[5].
بعد أن عزله الإنجليز ظل عباس يسعى بشتى السبل الممكنة لاستعادة عرشه. وفي 19 يوليو 1922، أصدرت الحكومة المصرية قانونـًا لتنفيذ الإجراءات التي اتخذتها السلطات العسكرية البريطانية بشأن "تصفية أملاك عباس باشا الذي تم خلعه من منصب خديو لمصر". أحد بنود القانون الجديد وّجه ضربة عنيفة لعباس حلمي باشا، بمنعه من دخول الأراضي المصرية. وأضافت أنه "إذا حاول عباس حلمي القيام بذلك فإنه يتعين على السلطات التنفيذية على الفور إعادته إلى الحدود". وذهبت المادة لتنص على أنه لن يسمح لعباس حلمي باشا بشكل مستقل أو من خلال وسيط، بممارسة أية حقوق سياسية أو السيطرة على أي أصول ثابتة أو منقولة أو تملك مثل هذه الأصول من خلال عقد أو هبة من الهبات. كما لن تحق له أي إيرادات متأتية من مدخرات مودعة في حساب[6].
وقالت صحيفةNear East  البريطانية إن القانون الجديد سيسوي مسألة مثارة منذ الحرب العالمية الأولى، وبمقتضاه سيتلقى الخديو السابق المبلغ الناتج عن تصفية أملاكه، بعد خصم الديون والرهونات العقارية، وهو رقم يقال إنه سيصل إلى 750 ألف جنيه إسترليني"[7].
وبالنسبة لعباس حلمي الثاني، فقد بدا الرقم التقديري لأملاكه أقل بكثير من قيمتها الحقيقية. غير أنه بعد شهرين فقط، خرجت صحيفة "الأهرام" لتقول إن صافي الأملاك الضخمة التي تركها الخديو السابق وراءه في مصر لا يتعدى نصف مليون جنيه[8].
ظل عباس على موقفه إلى أن تنازل لعمه فؤاد عن الحق في العرش مقابل راتب سنوي قدره 30 ألف جنيه مصري. وفرض عليه الإنجليز أن يعيش منفيـًا في نابولي مثل جده إسماعيل ومثل فاروق، لكنه توجه إلى سويسرا ليعيش في جنيف ويموت فيها عام 1944.
وجاء إلى حكم مصر السلطان حسين كامل (19 ديسمبر 1914– 9 أكتوبر 1917) وهو ابن إسماعيل باشا. تولى حسين كامل في مرحلةٍ من حياته رئاسة عدة شركات مصرية وأجنبية، مثل شركة سكة حديد الدلتا والشركة البلجيكية وشركة "النيو أجبشن"، وغيرها[9]. أقامه الإنجليز سلطانـًا على مصر بعد عزل ابن أخيه الخديو عباس حلمي الثاني، وإعلان مصر محمية في عام 1914.
وفور توليه الحكم، صدرت الأوامر إلى السلطان الجديد بألا يبت في أمر كبير أو صغير بغير موافقة دار الحماية، ورُفِعَ مرتبه من 100 ألف جنيه – مرتب الخديوية – إلى 150 ألف جنيه في السنة[10].
وبعد حياةٍ امتدت بين عامي 1853 و1917، رحل السلطان حسين عن ابن واحد هو الأمير كمال الدين حسين، الذي تنازل عن حقوقه في تولي السلطنة .



 
 
هوامش




[1] المرجع السابق، ص 51.


[2] محمد عبده، مرجع سابق، ص 841.


[3] المرجع السابق، ص 841.


[4] د. لطيفة محمد سالم، مصر في الحرب العالمية الأولى، مرجع سابق، ص 14-15


[5] شريف سيد عفت، تاريخ أقل قبحـًا (1842-1952)، دار المركز المصري العربي، القاهرة، 2005.


[6]  Dr Yunan Labib Rizk, The Royal Schemer, Al-Ahram: A Diwan of contemporary life (336), Al-Ahram Weekly, 4 May 2000.



[7]  Ibid.


[8]  Ibid.


[9]_______________، السلطان حسين كامل أو الأمير العامل، مجلة "المصور"، القاهرة، 22 يونيو 1928، ص 16.


[10] إبراهيم الهلباوي، مذكرات إبراهيم الهلباوي (تاريخ حياة إبراهيم الهلباوي بك) 1858-1940، تحقيق: د. عصام ضياء الدين، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1995، ص 199.

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

0 التعليقات على "ثروات الحكام.. ولحظة الحقيقة (4): عباس حلمي الثاني"

أكتب تعليقا