ثروات الحكام.. ولحظة الحقيقة (3): توفيق باشا.. وأم المحسنين

| |


 
 
أدركت المنية محمد سعيد باشا ولم يكن قد تجاوز الثانية والأربعين من العمر، حكم منها ثماني سنوات وتسعة أشهر وستة أيام.

جاء بعده إسماعيل باشا الذي كان واليـًا (1863- 1867) قبل أن ينال لقب الخديو (1867- 1879). وتولى الخديو محمد توفيق الحكم بعد أبيه إسماعيل باشا، وبقي في السلطة في الفترة من 26 يونيو 1879 إلى 7 يناير 1892.

منذ اللحظة الأولى لتوليه الحكم، وجد توفيق نفسه بين قوتين متعارضتين‏:‏ الأولى القوى الوطنية الدستورية من جهة‏، والأخرى قوة القناصل الأجنبية التي تضغط عليه حتى لا يتنازل عن سلطاته، التي أرادوا أن يستخدموها لصالحهم باسمه.‏ أذعن توفيق للضغوط الأجنبية في نهاية الأمر. وفي جلسة‏ 6 يوليو ‏1879‏ أعلن الخديو توفيق فض دورة مجلس شورى النواب وتعطيله إلى أجل غير مسمى، وأمر بتوقيف لائحة الدستور الأساسية التي أقرها مجلس شورى النواب في آخر عهد إسماعيل[1]‏، وقدم شريف باشا استقالة وزارته في ‏17‏ أغسطس ‏1879.

وإذا كان عهد محمد توفيق باشا شهد أحداثـًا جسامـًا، مثل الثورة العرابية التي اندلعت أولى وقائعها في فبراير 1881، وقبول الرقابة الثنائية التي جسدت السيطرة الفرنسية البريطانية على مصر، والاحتلال البريطاني في 1882، فإن الأخطر في تقديرنا هو ذلك الانهيار الذي حدث لميزانية مصر ونهب ثروات البلاد على نحو مذهل. فقد تم بيع حصة مصر في أرباح القناة (15%) لاتحاد الماليين في باريس وفاء للديون (يناير 1880)، وألغي قانون المقابلة (6 يناير 1880) لجمع الحكومة أكبر قدر من الضرائب مما أدى لتذمر الأعيان، وصدر قانون التصفية في يوليو 1880 الذي أصبح أساس مالية مصر حتى عام 1904 ونص على: تخصيص نصف إيرادات الدولة لتسديد الديون، وتخصيص أملاك الخديو وأسرته لضمان سداد الديون (السائرة) ووضعها تحت إدارة دولية.

وليس مُجديـًا بعد هذا أن نجد الخديو عباس حلمي يدافع عن أبيه توفيق باشا بالقول إن أباه توفيق مات مفلسـًا؛ لأنه تنازل عن أملاكه لتخليص البلاد من بعض ديونها. ففي مذكراته، يقول عباس حلمي الثاني: "فحين بدأت اللجان الأوروبية في إعلان الإفلاس المالي لإسماعيل، كان والدي رئيس مجلس الوزراء، ولم يكن يفهم شيئـًا من هذه الأوراق التي سوَّدتها الأرقام الشيطانية. ولكنه، بعد أن شرحوا له الوضع الخطير لوالده ولبلاده، أعطى كل ما كان يمتلك، أملاكه وأملاك أسرته، لكي يدفع الديون، ولم يحتفظ لنفسه إلا بخمسمئة فدان. وكتب "إني أتنازل باسمي وباسم أبنائي وأحفادي"[2].

سيدةٌ وحيدة برزت في نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، ليس بسبب ثروتها - وإن كانت أملاكها في وقت من الأوقات شملت قصر الدوبارة- بقدر ما كان ذلك نتيجة أياديها البيضاء على الفقراء والمعوزين.

 

إنها صاحبة العصمة الأميرة أمينة هانم إلهامي (24 مايو 1858- 19 يونيو 1931)، ابنة إبراهيم إلهامي باشا نجل عباس الأول بن أحمد طوسون باشا بن محمد علي باشا. وهي الزوجة الوحيدة للخديو توفيق، إذ تزوجها قبل وصوله إلى العرش بنحو ست سنوات، وتحديدًا في 15 يناير عام 1873، وكان عمرها آنذاك 15 سنة.

وفي 1874 أنجبت له الخديو عباس حلمي الثاني، ومن بعده الخديو محمد علي والأميرة نازلي والأميرة خديجة والأميرة نعمة الله. أوقفت أمينة هانم حياتها واهتمامها وتبرعاتها على العمل العام وكفالة المساكين والمرضى في الجمعيات الخيرية، فلُقِّبَت بـ"أم المحسنين". وكان الخديو إسماعيل قد خصص لها 600 كيس سنويـًا كمصروف شخصي لها[3]. تولت الإشراف على المدارس التي كانت قد أنشأتها الأميرة بنبا قادن، راصدة وقفـًا كبيرًا للإنفاق على المدارس المصرية. كما أنشأت المدارس الإلهامية الابتدائية للبنات والإلهامية الثانوية للبنين والإلهامية الصناعية، والمدرسة الإلهامية لبعث الطراز الفرعوني والإسلامي في الأثاث والزخارف، وأرسلت البعثات الدراسية على نفقتها.

وحينما توفيت في 19 يونيو 1931 نعاها المصريون بحزن عميق، لما كان لها من سخاء وجود وبر وإحسان على الفقراء والمعوزين، وكان الناس لا يعرفون لها اسمـًا سوى "أم المحسنين".

نعتها مجلة "المصور" قائلة: "ماتت أم المحسنين وغربت عن مصر.. طالما كانت أشعتها واسطة الحياة لكثيرين من الفقراء. ماتت أم المحسنين بعد حياة طويلة ضربت فيها المثل في الجود والسخاء والبر والإحسان"[4]. تأثر المصريون بشدة لرحيلها، وكان ابنها الأمير محمد علي توفيق قد تولى نقل جثمانها من إسطنبول في 26 يونيو من العام نفسه، وأعلن الحداد الملكي عليها لمدة عشرين يومـًا.

وعلى ذكر الأمير محمد علي توفيق، فقد فإنه يمكن وصفه بأنه الحاكم الذي لم يكن.

وبالرغم من ثرائه الكبير، فإنه مات وفي قلبه شيء من حكم مصر.

كان الأمير محمد علي توفيق وصيـًا على العرش في الفترة ما بين وفاة الملك فؤاد الأول وجلوس الملك فاروق على عرش مصر لحين إكماله السن القانونية بتاريخ 28 أبريل 1936، ثم أصبح وليـًا للعهد إلى أن أنجب فاروق ابنه الأمير محمد فؤاد الثاني.

ولد الأمير محمد علي توفيق بالقاهرة عام 1875، ودرس بالمدرسة العليا بعابدين (مدرسة الأنجال) ما بين 1881- 1883، ثم أرسل إلى سويسرا لاستكمال دراسته، حيث التحق بمدرسة "هكسوس" بمدينة جنيف لدراسة العلوم العسكرية، ثم عاد إلى مصر بعد وفاة والده الخديو توفيق عام 1892. ولم يتزوج لإصابته في حادث منعه من الإنجاب. وكان الأمير محمد علي توفيق من كبار مربي الخيول في مصر.

وعلى إثر عزل الخديو عباس عام 1914، نفاه الإنجليز خارج مصر وتم إيقاف مرتباته من قبل السلطان حسين كامل، فذهب إلى مونترو بسويسرا حيث سُمِحَ له بتحويل إيرادات أملاكه إليه. لكن الإنجليز قلصوا مرتبه إلى 250 جنيهـًا شهريـًا بعد اكتشافهم علاقاته مع علي الشمسي ذي الميول التركية ضد الإنجليز وخوفـًا من استخدام المال لدعم الحركات الوطنية بمصر ضدهم. غير أنهم وافقوا على منحه جواز سفر مع منعه من السفر إلى مصر أو أي من الدول التي حاربت إنجلترا.

أما قصره بالمنيل، فقد بناه الأمير محمد علي توفيق في عام 1901، وقام على إنشاء هذا القصر الفريد سعيـًا لإحياء العمارة الإسلامية التي عشقها، فبنى أول الأمر قصرا للإقامة ثم أكمل بعد ذلك باقي سرايا القصر، وهو القصر الواقع حاليـًا إلى جوار مستشفى قصر العيني وعلى مقربة من كوبري المنيل.

 وضع الأمير محمد علي التصميمات الهندسية والزخارف اللازمة بنفسه، وأشرف على كل خطوات التنفيذ، وتبلغ المساحة الكلية للقصر حويى 61711 مترًا مربعـًا منها خمسة آلاف متر هي مساحة المباني، وحوالي 34 ألف متر للحدائق وحوالي 22711 مترًا عبارة عن طرق داخلية وغيرها[5].

تشمل السرايا التي يتكون منها القصر نماذج عدة من الفنون والزخارف المعمارية من طرز إسلامية مختلفة كما تضم العديد من التحف النادرة. والقصر يتألف من سراي الاستقبال وبرج الساعة والسبيل والمسجد ومتحف الصيد وسراي العرش والمتحف الخاص والقاعة الذهبية وحديقة تعد في حد ذاتها فريدة من نوعها.. وقد أقام في قصره قاعة للعرش بعد أن أصبح قاب قوسين أو أدنى من تحقيق الحلم الذي ظل يراوده لسنوات على أن يصبح ملكـًا على مصر.

إلا أن الحلم تبخر، والعمر انتهى.

هوامش

[1] عزت السعدني، 127 سنة ديمقراطية!، جريدة "الأهرام"، القاهرة، 25 مارس 2006.
[2] عباس حلمي الثاني، مرجع سابق، ص 25.
[3] عباس حلمي الثاني، مرجع سابق، ص 38.
[4] ________________، مجلة "المصور"، القاهرة، 26 يونيو 1931.
[5] شريف العتباني، الأمير محمد علي توفيق.. الموت قبل تحقيق حلم الجلوس على العرش، جريدة "المصري اليوم"، القاهرة، 23 أكتوبر 2009.

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

0 التعليقات على "ثروات الحكام.. ولحظة الحقيقة (3): توفيق باشا.. وأم المحسنين "

أكتب تعليقا