ثروات الحكام.. ولحظة الحقيقة (2): عباس الأول ومحمد سعيد باشا

| |


 
 
طوال سنوات حكمه الثماني، عاش عباس الأول سنوات حكمه الخمس في رخاء وبذخ بمعزل عن الناس. ومع أن عباس الأول لم يتورط في لعبة القروض، فإنه مهد لمن جاؤوا بعده طريق الخراب عندما افتتح عهد الإنفاق بلا حساب والانحرافات المكلِّفة التي أثقلت كاهل الخزانة بالديون؛ ففي سنة 1849، وبمناسبة ختان ابنه إلهامي، دامت الاحتفالات أسبوعين متصلين، وأطلقت 100 ألف طلقة مدفعية، وتجاوزت تكاليف الاحتفال 2.5 مليون فرنك، فكان هذا الاحتفال حدثـًا لم يسبق له مثيل.

كان كثيرًا ما يميل إلى العزلة، ويحتجب بين جدران قصوره. وكان يتخير لبنائها الجهات الموغلة في الصحراء أو البعيدة عن الإنس،  فيما عدا سراي الخرنفش، وسراي الحلمية بالقاهرة. وقد بنى قصرًا فخمـًا بصحراء الريدانية التي تحولت إلى العباسية أحد أشهر أحياء القاهرة، وقد حملت اسمه، وكانت حينذاك في جوف الصحراء. شاهد فرديناند دي لسبس هذا القصر سنة 1855، فراعته ضخامته، وذكر أن نوافذه بلغت 2000 نافذة، وهذا وحده يعطينا فكرة عن عظمة القصر واتساعه، فكأنه بنى لنفسه مدينة في الصحراء. وبنى قصرًا آخر نائيـًا في الدار البيضاء, الواقعة بالجبل على طريق السويس المقفر, ولا تزال آثاره باقية إلى اليوم، وقصرًا بالعطف[1]. وكان لديه قصرٌ في بنها على ضفاف النيل, بعيدًا عن المدينة.

وفي أواخر سنة 1849، أمر عباس الأول بإعادة تأثيث قصوره الخمسة: فانشغل كل عمال ضاحية سان أنطوان في باريس بصناعة هذا الأثاث الذي تكلف 7 ملايين فرنك. أما رحلته إلى الآستانة – لاستلام مرسوم الولاية- فقد تكلفت 5 ملايين فرنك[2].

بلغ سوء الإدارة في عهده حدًا ليس له مثيل، فكان موظفو الحكومة يقبضون مرتباتهم على "هيئة تذاكر" (أي اعتراف رسمي بالمبلغ المستحق) وليس نقدًا. وكان الموظفون الحكوميون مجبرين على بيع هذه "التذاكر" لليهود بخسارةٍ تصل إلى 15 أو 20 وأحيانـًا 30% من قيمتها[3].

أنفق عباس الأول أموالاً طائلة في سبيل اقتناء الخيول العربية الأصيلة وجمع معلومات عنها من قبائل شبه الجزيرة العربية. وعباس الأول هو حفيد محمد علي باشا وابن طوسون، وقد ولد في عام 1813. توفي والده بعد ولادته بقليل، فحباه جده محمد علي باشا بعنايته وأعده لمنصب والي مصر في المستقبل باعتباره أحق أفراد الأسرة العلوية بولاية الحكم بعد إبراهيم باشا. عُيِّنَ واليـًا خلال الفترة بين 10 نوفمبر 1848 و13 يوليو 1854، لكن سنوات حكمه اتسمت بالفوضى والفساد، وشهدت إغلاق المدارس والمعاهد التعليمية. وظل الأمر يسير من سيء إلى أسوأ حتى قُتِلَ في قصره ببنها.

ترك عباس باشا الأول بعد وفاته خيوله العربية لابنه إلهامي باشا، لكنه انصرف عنها وباع حوالي 200 رأس من صفوة الخيل، اشترى أكثرها علي باشا شريف رئيس مجلس شورى القوانين، فاستمر في تربيتها وأسس اسطبلات في الشارع الذي يعرف بالهدارة الذي يؤدي إلى شارع عبدالعزيز في القاهرة.

الطريف أن أهم أعمال عباس الأول قام بها مُكرهـًا. فقد أنشأ أول خطٍ حديدي في مصر بين القاهرة والإسكندرية (1852- 1856) بواسطة شركةٍ انجليزية؛ لتسهيل المواصلات بين الهند وأوروبا عن طريق مصر. وقد عمل أبناء العسكرية البحرية في مد هذا الخط، فتعطلت حركة السفن ودار الصناعة وتراجعت البحرية المصرية[4].

أما محمد سعيد باشا ابن محمد علي فقد أصبح واليـًا على مصر في 14 يوليو 1854 واستمر في منصبه إلى 18 يناير 1863. وسعيد باشا هو عم سلفه عباس الأول، لكنه أصغر منه.

كانت عين سعيد باشا على الأرض الزراعية، ولذا وَّجه عنايته إلى إصلاح الزراعة، وأصدر اللائحة السعيدية في عام 1858 وهي عبارة عن قانون خاص بإصلاح حال الفلاح والقضاء على نظام الملكية القديم وتوزيع الأراضي على الفلاحين، وتخويلهم حق ملكية الأرض الزراعية. كما ألغى سعيد نظام احتكار الحاصلات الزراعية، ليصبح الفلاحون مُلاكـًا أحرارًا في التصرف في أرضهم وحاصلاتها[5].

وتعد هذه اللائحة أساس تشريعات ملكية الأطيان في مصر[6].

وتنازل سعيد باشا للأهالي عن جميع الديون أو الضرائب المتأخرة على الأرض، فنشطوا للعمل والتكسب. وأوجد نظامـًا عادلاً للضرائب، وألغى جميع العوائد والرسوم الجمركية الداخلية التي كانت تعوق حرية التجارة، وقضى على نظام الاحتكار الذي أنشأه محمد علي، وألغى السخرة التي كانت الإدارة تلجأ إليها في أشغالها العامة[7].

وفي عهد سعيد أيضـًا تم تطهير ترعة المحمودية التي كانت على وشك أن تطمر، وهي القناة الملاحية النيلية الواصلة من فرع رشيد عند مدينة المحمودية وتصب في الإسكندرية.

وشيد خط الإسكندرية – القاهرة، وأقيم كوبري فوق فرع دمياط عند بنها، أمافرع رشيد فقد كان يتم عبوره بواسطة معدية بخارية، كذا تم إنشاء خط القاهرة – السويس وخطوط أخرى فرعية، لتخدم مناطق الازدحام البشري من ناحية، ومناطق إنتاج المحاصيل النقدية، خاصة القطن، من ناحية أخرى[8].

وهناك رسالة نادرة وطريفة، بعث بها سعيد من الإسكندرية التي وصل إليها عائدًا من أوروبا، وكان يهم بالعودة إلى القاهرة بعد أيام فكتب إلى نائبه في القاهرة إسماعيل باشا رسالة تتضمن أمره العالي جاء في بعض منها: "نظرًا للأخبار الواردة لطرفي من محافظ الإسكندرية من أن هناك استعدادات جارية تتعلق بإقامة زينة واحتفالات عند عودتي، نحيطكم علمـًا أني لا أريد أن يتحمل أي شخص مصاريف زائدة ولا أرغب في أن الأهالي والمستخدمين "الموظفين" يكلفون أنفسهم مصاريف التزلف إليّ، أما ذاتكم الشريفة إذا تفضلتم بالحضور لاستقبالي فأكون ممنونـًا ومحظوظـًا جدًا"[9].

وفي المقابل، كانت إدارته المالية من أسوأ الإدارات، وهو أول من استدان من بيوت المال الأجنبية، فعقد قروضـًا تبلغ 3 ملايين جنيه، وكان دينه السائر يبلغ 10 ملايين جنيه. وقد استحكمت الأزمة المالية في أواخر حكمه فاضطر إلى بيع أثاث السراي، وما حوته خزائن الحكومة من نفيس المتاع، وصرف الجيش، ومنح موظفي الحكومة الذين يتركونها أرضـًا معاشـًا لهم ولأولادهم. وكانت ديون سعيد باشا على نوعين: داخلية وخارجية، وكان منشؤها في إسرافه وتعاقده مع المتعهدين الأوروبيين وغيرهم الذين كانوا لا ينفكون يطالبونه بواسطة قناصلهم بتعويضاتٍ كبيرة عن غبنٍ وهمي أصابهم في اتفاقاتٍ أبرموها مع الحكومة[10].

ومن الجلي أن كرم سعيد المشهور جعلا من البلد مقصدًا لكل المغامرين خاصة من أوروبا، الذين أقنعوه بأهمية إنشاء بلاط ضخم وإدخال رؤوس الأموال والمشروعات الأوروبية، فغامر والي مصر في مشروعاتٍ جديدة بلا روية ومن دون دراسة أو تنظيم إدارته المالية، فخزانة الدولة كانت خاوية وكانت المتأخرات تزداد يومـًا بعد يوم[11].

وفي نهاية سنة 1863، زار السير هنري بولوير Henri Bulwer مصر، وأدان هذا الوضع المزري. وفي أثناء وليمة أقامها التجار الإنجليز  - في الإسكندرية- على شرفه، قال لهم: "نظرًا لأن الوالي يتسم بالطيبة الشديدة، فإنه قد أخطأ عندما نسي المثل القائل "إن الذباب يأكل العسل""، ونسي أيضـًا أن الذباب – في مصر- متعدد الأنواع، فمنه الذباب القنصلي والتجاري والمحلي، وكله يلتهم العسل"[12].

وكان سعيد متلافـًا للمال، إذ يُروى عنه أنه أنفق أكثر من 7 ملايين فرنك في زخرفة حجرةٍ له في أحد قصوره، كما أنفق المال الكثير على نفقات جيشه واستدان في سبيل ذلك من معامل ومصانع ألمانيا وفرنسا.

وانتهى الأمر بالحكومة بالتوقف عن دفع مرتبات الموظفين والمستخدمين، وإصدار أوراقٍ مالية لم تُعرَف من قبل، كانت عبارة عن تحويلات على المالية المصرية، يعطيها أولئك المستخدمون إلى ممونيهم من وطنيين وأجانب، فكان جيشٌ من التجار والمقاولين يحاصرون الخزانة المالية كل يوم ولا يفوزون بطائل، حتى هبطت قيمة هذه الأوراق إلى الحد الأدنى في السوق[13].

وفي نهاية 1859، سنجد أن "نفقات سعيد المبالغ فيها، مع السهولة التي سلم به نفسه لعصابة من الطفيليين تنهبه باستمرار، قد تسببت في حدوث عجز مالي قدره مليون جنيه إسترليني وأثرت سلبـًا على إيرادات سنة 1860"[14].

بلغ دين الحكومة المصرية عند وفاة سعيد باشا 267 مليون فرنك، نحو ثلثها قيمة الأسهم التي نسبتها شركة قناة السويس إلى والي مصر. يضاف إلى ذلك قيمة القروض والتعويضات والمبالغ المستحقة للحكومة و"أذونات الخزانة" التي أصبحت دينـًا سائرًا يكاد يساوي الدين الأساسي[15].

غير أن حكاية سعيد باشا مع قناة السويس تبدو أغرب من الخيال.

فقد منح سعيد باشا فرديناند دي لسبس فرمان الامتياز الأول لقناة السويس في 30 نوفمبر 1854 ثم أعقبه بفرمان الامتياز الثاني في 5 يناير 1856، الذي تضمن امتيازات جديدة لشركة قناة السويس مثل نزع ملكية الأراضي المملوكة للأفراد، والإعفاء من الرسوم الجمركية، وإخراج شركة القناة من ولاية القضاء المصري.

ويقول الرافعي: "ولقد أسرف سعيد باشا في التساهل مع صديقه الفرنسي حتى لقد خوَّل الشركة التي ألفها مزايا تجعلها تشارك الحكومة المصرية في حقوق ملكيتها وسيادتها"[16].

وعندما بدأ البعض من حول سعيد باشا يلومه ويؤاخذه على إعطاء دي لسبس حق حفر قناة السويس بهذه الشروط المجحفة، كان يقول: "إنما أعطيت الامتياز بلا تروٍ لصديق وهو فرنساوي، فخاطبوه أو خاطبوا حكومته، أما أنا فلا أستطيع سحب امتياز أعطيته"[17]. وفي يوم الاثنين 25 أبريل عام 1859، يوم شم النسيم، أقام دي لسبس حفلاً بسيطـًا في مناسبة بدء العمل في حفر قناة السويس، وضرب بنفسه أول معول في أرض مصر. وحضر الحفل، إضافة إلى المقاول الفرنسي ومستخدمي الشركة، 100 عامل مصري تم إحضارهم من محافظة دمياط المجاورة لموقع القناة من جهة الشمال.

هذه البداية أثارت حفيظة أوروبا، وضغطت بريطانيا على فرنسا، حتى إن المدرعات الحربية البريطانية وصلت إلى الإسكندرية، بموافقة السلطان العثماني، للقبض على محمد سعيد باشا، الأمر الذي دفعه أن يرسل ناظر خارجيته إلى دي لسبس في 9 يونيو 1859 ليوقف الحفر، حتى يحصل على موافقة الباب العالي، ويبلغ دي لسبس بأنه لم يأذن له إلا بإجراء الأبحاث فقط. لم يعبأ دي لسبس بذلك، واستمر في أعمال الحفر مستعينـًا ببعض العمال العريقين في الإجرام، الذين أتى بهم من جزر البحر الأبيض المتوسط، وكانوا يدخلون البلاد دون إذن من الدولة، اعتمادا على الامتيازات الأجنبية.

تأزمت الأمور بين محمد سعيد باشا ودي لسبس، وأرسل محمد سعيد اعتذارًا إلى الباب العالي بخصوص موافقته على مشروع القناة من دون موافقة الباب العالي.

ودبر دي لسبس حيلة للضغط بها على محمد سعيد باشا، إذ تمكن دي لسبس من مقابلته، وأبلغه أن الإمبراطور نابليون الثالث يهمه أن يتعلم طوسون، الابن الأصغر لمحمد سعيد في باريس. ففرح محمد سعيد بذلك، وأرسل ابنه إلى باريس، وعندما وصل إلى باريس، أبلغ دي لسبس محمد سعيد باشا أن ابنه رهينة إذا عارض المشروع، أو منع العمال من التوجه إلى منطقة الحفر[18].

فكان ما كان!

أدركت المنية محمد سعيد باشا ولم يكن قد تجاوز الثانية والأربعين من العمر حكم منها ثماني سنوات وتسعة أشهر وستة أيام.
 
 

هوامش




[1] علي مبارك، الخطط التوفيقية الجديدة لمصر والقاهرة ومدنها وبلادها القديمة والشهيرة، ج7، دار الكتب والوثائق القومية، 1970، ص 63.


[2] Archives Francaises, Annexe a la Depeche d’ Alexandrie F.O. 30, 5 Decembre 1849.


[3] د. محمد صبري السوربوني، مرجع سابق، ص 36.


[4] د. محمد صبري، تاريخ مصر الحديث من محمد علي إلى اليوم، دار الكتب المصرية، القاهرة، 1926، ص 81.


[5] عبدالرحمن الرافعي، عصر إسماعيل جـ1، مرجع سابق، ص 30.


[6] د. ناصر الأنصاري، المجمل في تاريخ مصر: النظم السياسية والإدارية، طـ 2، دار الشروق، القاهرة، 1997، ص 245.


[7] د. محمد صبري، مرجع سابق، ص 86.


[8] د. يونان لبيب رزق، وداع قرن واستقبال آخر: كيف تعامل أسلافنا مع بداية قرن جديد، مرجع سابق، ص 43.


[9] ماهر حسن، محمد سعيد باشا أحب مصر أكثر من المصريين، جريدة "المصري اليوم"، القاهرة، 23 يناير 2009.


[10] د. محمد صبري، مرجع سابق، ص 90- 91.


[11] د. محمد صبري السوربوني، مرجع سابق، ص 71.


[12] Archives Francaises, A.E. Correspondance Politique, Egypte, Vol. 31, Alexandre, Le 2 Janvier 1863.


[13] المرجع السابق، ص 91.


[14] Archives Francaises, F.O. 78, Vol. 1468, Alexandrie, Le 5 Decembre 1859.


[15] د. محمد صبري السوربوني، مرجع سابق، ص 175- 176..


[16] عبدالرحمن الرافعي، عصر إسماعيل جـ 1، مرجع سابق، ص 60.


 [17] إلياس الأيوبي، تاريخ مصر في عهد الخديو إسماعيل باشا جـ 1، مرجع سابق، ص 242.


[18]_____________، قناة السويس: تأسيس الشركة، موسوعة مقاتل من الصحراء الإلكترونية.

http://www.moqatel.com/openshare/Behoth/Gography11/akaleem/kanat/sec042.htm

 

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

2 التعليقات على "ثروات الحكام.. ولحظة الحقيقة (2): عباس الأول ومحمد سعيد باشا "

أكتب تعليقا