ثروات الحكام.. ولحظة الحقيقة (1): إبراهيم باشا

| |


 
 
من القصور إلى القبور.

هكذا كان حلم الحكام قائمـًا على البقاء في الحكم حتى آخر لحظة.

غير أن لحظة الحقيقة حانت بالنسبة إلى عددٍ من حكام مصر، قبل أن يوافيهم الأجل المحتوم.

لم يكن من السهل على هؤلاء الذين ذاقوا رغد العيش وطعم السلطة أن تلي ألقابهم كلمة "السابق". ولعل هذا كان سر عذاباتهم في المنفى، حتى وإن كان ذلك المنفى في بقعة ساحرة من أوروبا. وربما لهذا تعذب كثيرًا الخديو إسماعيل في الأعوام بين العزل (1879) والرحيل (1892). تكرر الأمر مع حفيده عباس حلمي الثاني الذي عاش 30 عامـًا في جحيم المنفى (1914- 1944). أما فاروق الذي كان أقصرهم في فترة الحكم، فقد كان أقصرهم إقامة في فترة النفي (1952- 1965).

وفي النماذج الثلاثة السابقة، كان الموت حلاً ونهاية لتجربة النفي.

على أنهم في سنوات الحكم سطروا مع أندادهم وأجدادهم صفحات مدهشة من كتاب الثروة التي تسربت كالماء بين الأصابع، بسبب مظالم الحكام تارة، وفساد المحكومين تارة أخرى. تحالف مشبوه يُذكرنا بمقولة ابن تيمية: "وكثيرًا ما يقع الظلم من الولاة والرعية، هؤلاء يأخذون ما لا يحل، وهؤلاء يمنعون ما يجب"[1].

ولنبدأ الحكاية من النقطة التي انتهى فيها حكم محمد علي باشا.

لم يكن المال مصدر قوة إبراهيم باشا الابن الأكبر لمحمد علي.

فإبراهيم باشا المولود عام 1789 كان قائدًا عسكريـًا بالفطرة، نجح في قيادة حملات عسكرية واسعة عززت من قوة مصر في عهد محمد علي باشا. إذ قاد الجيش المصري الذي قمع ثوار اليونان الخارجين على تركيا، وقاد جيشـًا مصريـًا فتح فلسطين والشام وعبر جبال طوروس في الفترة بين عامي 1832 و1833. كما انتصر في المعركة الفاصلة بين المصريين والأتراك في نزيب 1839، لكن الدول الأوروبية أكرهته على الجلاء عن جميع المناطق التي فتحها .

ويؤكد الرافعي أن من أهم دعائم الدولة القوية التي أسسها الباشا تلك العلاقة المتينة التي نشأت بينه وبين إبراهيم باشا أكبر أبنائه وقائد قواته، وينقل عن البارون دوبوا لو كومت  دوبوا لوكومتدوبوالذي زار مصر عام 1833 والذي التقى الرجلين قوله إن "إبراهيم قد حافظ على عظيم احترامه وإجلاله لأبيه ولم يداخله أي زهو أو خيلاء، ولم تتغير علاقته به حتى بعد الانتصارات العظيمة التي نالها، لدرجة أنه لم يسمح لنفسه أن يشرب الدخان في حضرته"[2].

ومع مرور الزمن ومع كثرة التجارب التي خاضها الرجلان سويـًا تعمقت العلاقة بينهما، ففي العشرات بل المئات من الخطابات المتبادلة بينهما أثناء حملة الشام ـ تلك الحملة التي امتدت لعشر سنوات كاملة (1831 ـ 1841)-­ نستطيع أن نلمس قدرًا كبيرًا ليس فقط من الاحترام بل أيضـًا من الثقة.

على أن خالد فهمي يدعونا إلى عدم الانخداع بهذه الخطابات المبهرة المتبادلة بين الأب السياسي والابن المحارب أو أن نظن أن العلاقة بينهما لم تتعد الود والاحترام والثقة المتبادلة. فالعلاقة بين الرجلين كانت في حقيقتها علاقة صعبة شائكة، ولم تكن مجرد علاقة أب بابنه أو ولد بأبيه. فالأب في هذه الحالة رجل سياسة من الطراز الأول وكان همه الأول تحويل مصر من ولاية يحكمها ولاة تبعثهم اسطنبول إلى ولاية يحكمها هو وأفراد أسرته من بعده. وبالتالي كانت علاقته بأفراد أسرته وأولهم ابنه الأكبر إبراهيم تحكمها ضرورة الاعتماد عليهم لتحقيق هدفه السياسي الأول، ألا وهو تثبيت دعائم حكمه عن طريق التوريث. وفي الوقت نفسه، كان محمد علي دائم التوجس من إبراهيم؛ نظرًا لأن الأخير كان يسيطر على الجيش وكان له أتباعه وحزبه داخل البيت الحاكم، وكان الأب يدرك ذلك جيدًا ويحذر من إمكانية انقلاب إبراهيم عليه وخلعه من الحكم، الأمر الذي كان مستبعدًا وإنما لم يكن مستحيلاً [3].

بين الأب والابن، وقفَ المالُ حجرَ عثرةٍ في واقعتين.

في الواقعة الأولى، لم يكن إبراهيم قد أتم السابعة عشرة من عمره حينما أرسله والده إلى إسطنبول عام 1806 رهينة لقاء الخراج الذي وعد الدولة العلية به وتوكيدًا لإخلاصه، فرده الباب العالي بعد عام نظير خدمات أبيه وإعرابـًا عن نجاح محمد علي في هزيمة حملة الجنرال فريزر الإنجليزية على مصر عام 1807.

 ولنا أن نتخيل كيف شعر المراهق إبراهيم بالمرارة طوال عام كامل عاشه كرهينة.

وبعد عودته إلى مصر وبعد أن عيَّنه والده أميرًا على الصعيد، طبَّق إبراهيم سياسة يمكن أن توصف بسياسة الحديد والنار، فالجبرتي يصف كيف تعامل إبراهيم مع أهل الصعيد، إذ "فعل بهم فعل التتار عندما جالوا بالأقطار وأذل أعزة أهله وأساء أسوأ السوء معهم في فعله فيسلب نعمهم وأموالهم ويأخذ أبقارهم وأغنامهم ويحاسبهم على ما كان في تصرفهم واستهلكوه أو يحتج عليهم بذنب لم يقترفوه ثم يفرض عليهم المغارم الهائلة والمقادير من الأموال التي ليست أيديهم إليها طائلة ويلزمهم بتحصيلها وغلاقها وتعجيلها فتعجز أيديهم عن الإتمام فعند ذلك يجري عليهم أنواع الآلام من الضرب والتعليق والكي بالنار والتحريق"[4].

ويروي الجبرتي أنه "بلغني والعهدة على الناقل أنه ربط الرجل ممدودًا على خشبة طويلة وأمسك بطرفيها الرجال وجعلوا يقلبونه على النار المضرمة مثل الكباب"[5].

ويعلق الجبرتي على فظائع إبراهيم في الصعيد بقوله "ليس ذلك ببعيد على شاب جاهل سنه دون العشرين عامـًا، وحضر من بلده ولم ير غير ما هو فيه، لم يؤدبه مؤدب، ولا يعرف شريعة ولا مأمورات ولا منهيات، وسمعت أن قائلاً قال له: "وحق من أعطاك"، فقال: "ومن هو الذي أعطاني؟"، فقال له: "ربك"، قال له: "إنه لم يعطني، والذي أعطاني أبي، فلو كان الذي قلت فإنه كان يعطيني وأنا ببلدي، وقد جئت (إلى مصر) وعلى رأسي قبع مزفت مثل المقلاة". فلهذا لم تبلغه دعوى، ولم يتخلق إلا بالأخلاق التي دربه عليها والده"[6].

وإضافة إلى تلك العلاقة التراجيدية التي جمعت الابن بأبيه عبر الأخ الأثير طوسون - الذي توفي في سن الثالثة والعشرين- فإن إبراهيم كانت لديه أفكار ورؤى تختلف عن سياسات والده خاصة في كيفية إدارة الصراع مع اسطنبول، الأمر الذي ظهر جليـًا عقب انتصار قونية في ديسمبر 1832 حين أسر إبراهيم باشا قائد الجيش العثماني الصدر الأعظم رشيد باشا، وغدا الطريق إلى العاصمة العثمانية مفتوحا أمام الجيش المصري بتفوقه ومستواه العسكري الممتاز، وبفضل مواهب إبراهيم باشا القيادية. ولما وصل إبراهيم كوتاهية في مايو 1833 تلقى أمرًا من أبيه بالتوقف، بعد أن آثر الأب التروي واستشارة الأوروبيين.

وفي عام 1844 حدثت واقعة ثانية محورها المال، حين انفعل محمد علي أمام كل مستشاريه بعد أن أخبروه ببعض التفاصيل المقلقة عن أحوال ميزانية البلاد. عندها ثار الباشا في وجههم جميعـًا واتهم ابنه إبراهيم بالاختلاس وزاد بأن اتهم شريف باشا زوج ابنته بالخيانة، ثم ترك الباشا الجميع وقد تملكتهم الدهشة والخوف والحيرة في آن معـًا، واختلى بنفسه في قصره، وامتنع عن تصريف أمور البلاد وأعلن عزمه على اعتزال الحكم وإنهاء أيامه في الحجاز[7].

وإذا كانت هذه الحادثة الدرامية انتهت عندما استجمع إبراهيم شجاعته ودخل على أبيه طالبـًا الصفح، فإنها أيضـًا تعبر عن مدى القلق الذي اتسمت به العلاقة بين الأب وابنه ومدى التصدع في البيت الخديوي نفسه وهو الدعامة الأولى للحكم وقتها. ولعل ما زاد الوضع تعقيدًا أن عباس باشا، وهو ابن طوسون، كان قد شكل هو الآخر جبهة ثالثة في البيت الخديوي، وبذلك وجد إبرهيم نفسه وهو يحاول أن ينحت لنفسه مكانـًا في مصر محاصرًا مرة أخرى بأخيه الحاضر الغائب.

انصرف إبراهيم بجهوده اعتبارًا من العام 1840 إلى شؤون مصر الإدارية، وكان قد لمس أهمية الزراعة في حياة مصر منذ أن كان دفتردارا (أي مفتشـًا) عامـًا للحسابات عام 1807، ثم حاكمـًا على الصعيد عام 1809 حيث أسهم في تطبيق سياسة أبيه الاقتصادية الرامية إلى زيادة الموارد المالية لمصر وتنفيذ إصلاحاته وتقوية نفوذه، كما أدخل إلى مصر بعض الزراعات النافعة التي رأى أنه يمكن نجاحها في مصر من فاكهة وخضروات وأشجار ونبات للزينة. وعمل على إكثار شجر الزيتون والتوت، وزراعة قصب السكر، وعني بتطوير الثروة الحيوانية، وأنشأ صحيفة أسبوعية تشتمل على أخبار الزراعة والتجارة. وفي مطلع عام 1847 تألف المجلس الخصوصي برئاسته للنظر في شؤون الحكومة الكبرى، وسن اللوائح والقوانين وإصدار التعليمات لجميع مصالح الحكومة.

 وفي إبريل 1848 أصبح إبراهيم باشا الحاكم الفعلي للبلاد؛ لأن والده اعتل اعتلالاً شديدًا لا برء منه، ولم يعد قادرًا على الاضطلاع بأعباء الحكم. وفي سبتمبر 1848 منح السلطان العثماني إبراهيم ولاية مصر رسميـًا، لكنه لم يُكمل العام في منصبه، وتوفي قبل والده في 10 نوفمبر 1848 عن 60 عامـًا، وترك من الأولاد بعد وفاته، أحمد، وإسماعيل (خديو مصر فيما بعد) ومصطفى.

لم ينعم إبراهيم باشا كثيرًا بالجاه والسلطان، ويبدو أن ساحات القتال أنهكته واستنزفته حتى الرمق الأخير.

هوامش

[1] تقي الدين أحمد بن تيمية، السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية، دار الجيل، بيروت، 1988، ص 38.
[2] عبدالرحمن الرافعي، عصر محمد علي، مرجع سابق.
[3] خالد فهمي، محمد علي وإبراهيم باشا.. علاقة فريدة، جريدة "الشروق"، القاهرة، 26 أبريل 2009.
[4] عبدالرحمن الجبرتي، مرجع سابق، جـ 3، ص 119- 120.
[5] المرجع السابق، ص 122.
[6] المرجع السابق، ص 122.
[7] خالد فهمي، مرجع سابق.

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

0 التعليقات على "ثروات الحكام.. ولحظة الحقيقة (1): إبراهيم باشا"

أكتب تعليقا