إثمنا الجميل

| |


 



هل شفيتِ من حُبِّي؟

أنا لم أبرأ منكِ بعد.

في العتمة، ترسمكِ عيناي، وفي اللون والضوء أسافرُ على دَرَجةِ الرّيح كي ألمس طيفكِ البعيد.

لمحتكِ قبل أيام. كنتِ تتحدثين مع رفاقكِ مثل كوكبٍ مُشع، عن إنجازاتِ الحاضر وخُطط المستقبل.

بدا لي ذلك مستغربـًا من امرأة عشقتُ جنونها المدهش وفوضاها المحتشدة مثل أحجارٍ كريمة موروثة.

أخذتُ أتأمل تحولاتِ ملامحكِ، وتأويلاتِ الكلمات التي لم تقوليها عنكِ.. عنا.

لم تغب ضحكتكِ الفريدة التي تنسكُب مِن فَم الغيوم. ما زلتِ كما أنتِ: وردة تنقذ الطبيعة من الرتابة.

يا سيدة الشمس،

الأيام ثقيلة ثقيلة، وأنا عاشق يداوي في صمتٍ أساه.

كل ما فعلتُه في غيابكِ شيءٌ واحد: نسيان الحياة.

غارقـًا في حبري، أذرع غرفة أيامي، بعد أن اختصرتُ الكلام في حكايتنا الوادعة.

أحدق في كل تلك الوجوه الحجرية، لكن لا شيء يتحرك فيّ. لم أعد سوى حَجرٍ آخر في هذا التمثال البارد.

القدر جَرحَنا معـًا.

ومنذ ليلتنا الأخيرة في تلك المدينة التي تجهل هويتها، وأنا أحبس أنفاسي لرؤيتكِ تسكبين كتفكِ الساحرة من فستان السهرة، وتضحكين، ثم تحارين في خطوتنا التالية.

في شوارع تضوَّعت برائحة الياسمين، نصغي فوق رمل الممشى إلى صوت روحنا المتمردة.

 نجترح معجزة صغيرة، قبل أن ألمس باطن كفكِ، لأجرّبَ جلالَ طقسنا الخرافي.

أرخي الستائر، وأشعل نارًا لا تنطفئ؛ إنه المساء وأنتِ الآن جزيرةٌ تغفو فوق دواماتي الساطعة.

في المساء المزروع بنا، أسكب البرق، وتصيرين قنديل زئبق، فيما تتهيأ السماء لحَباتِ عَرق حربنا المؤجلة.

حين ضممتكِ لتلتحفي بدفئي، بدتْ شفتاك زورقـًا يجدف باتجاه بهجة الليل، واستيقظ نهركِ السري ليحتويني.

دائمـًا للإثم جماله!

ها أنا أرفع خصلات شعركِ بخفة، وأنتِ بيادر قمح تطوق عُنق الحقل بِطَوق مَرمَر.

ها أنت تهاتفينني وتقولين: نبرة صوتكِ ساحرة في الحزن والتعب.

فهل كان حُبُّنا افتراضيـًا؟ 

هل تبعثر الحُلم، حتى طمسه غبار الواقع والطبائع؟

هل كانت مشاعرنا ورسائلنا مجرد مغامرة تنتهي باعتذارٍ مهذب ووداعٍ مبتور؟

لا أحد يناولني سُلّمـًا من خيال، كي أطاول سماءكِ وأقتنص إجاباتٍ مقنعة.

ما عدتُ أثبتُ في مكان.

أسافرُ مع غرباء إلى مدن غريبة، يُقال إنها تفوح سعادة، علَّني أجد صفحة جديدة، وأنا الذي لم أطو صفحتنا الأولى. ثمة دائمـًا عزاء في السفر مع إنسانٍ لا يعرف عنك شيئـًا.

أنكر الزّوالَ واليأس، وأبحث عن نجمةِ وجهك وأنتِ تنطقين باسمي.

أما حروفُ اسمكِ الأربعة فهي كتابي الأثير.

لم يبق مني سوى رجلٍ تصطف في وجهه التجاعيد، يَجرُّ انكساراته، في بيوتٍ تتداعى من طول الانتظار. أطالع ساعةً جدارية لها مظهرٌ حزين، وأكتب بأبجدية الآلهة لكِ وعنكِ، وأهنئكِ كل عامٍ في عيد ميلادكِ برسائل حُبٍّ لن تصل.

سأترك هنا زفرة أسى وأنتِ تمنحين الباب لحظة إغلاقه صريرًا يشبه أنين طاحونةٍ في ريفٍ منسي، تاركة قلب رجلٍ  مهشمٍ، مثل سياج عصيٍ على الالتئام.

أستلقي على شرفة الصمتِ والرقادِ المضطرب، وأستذكر ندمـًا مفرطـًا في إنسانيّته.

يا سيدة الشمس،

ما زلتُ أحِبُّكِ، فاغفري لي جنوني.




ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

5 التعليقات على "إثمنا الجميل"

أكتب تعليقا