كرة الندم

| |





 
في ختام هذا الملف، نحن مطالبون بقراءة أعمق لجذور الأزمة الكروية بين مصر والجزائر.
ففي العقود الثلاثة الأخيرة، لم تبذل مصر مساعي كافية لإعادة بناء صورة مصر لدى الجزائريين، وتحولت الملاعب الرياضية إلى ساحة للتعبير عن السخط الجزائري على مصر، فكأن الرياضة تعكس صورة مصر لدى الجزائريين. على الطرف الآخر لم يبذل الجزائريون جهدًا كافيـًا لتحسين صورة الجزائر في مصر، وبات الجانبان المصري والجزائري في حاجة ماسة لإعادة بناء صورة الآخر لدى الطرف الآخر[1]، سياسيـًا واقتصاديـًا وثقافيـًا، كي لا تكون الرياضة منصة للاحتقان وسببـًا في سوء الفهم.
لقد جاءت فضيحة تناول نخب الأنظمة والإعلام في مصر والجزائر لفتنة المونديال لتؤكد عجزها الذي تعاني منه جماهير الشعبين وتفاقم مشكلاتها. لقد انتهى مونديال جنوب إفريقيا، وشارك فيه من شارك، وفاز فيه من فاز.. غير أننا مصريين وجزائريين خرجنا من "حرب الانتقام" - التي قادها أمراء حرب وأصحاب مصالح- خاسرين ومهزومين، ولم نمنح أنفسنا فرصة كي ننضم إلى عنبر العقلاء، في أزمة تدحرجت فيها عقول الحشود الغاضبة في البلدين، تمامـًا مثل كرة القدم.
ويبدو أن الغالبية العظمى من السلوكيات الأخلاقية للبشر يمارسها الإنسان بعيدًا عن رادار الضمير، تمامـًا كما كما فعل الغوغاء والمهيجون لهم حين تجاهلوا ضمائرهم أو تحايلوا عليها بالكذب والتهييج والوطنية الزائفة وتنكروا للأخلاق وأساءوا إلى مصر والجزائر على حد سواء[2].
ولعل ما يدعونا إلى الأسى أنه لم يتم تشكيل لجنة تقصي حقائق مستقلة في مصر أو الجزائر، تحقق في كل ما حدث، وتقدم تقريرًا، وتوصيات ملزمة، حتى لا يتكرر الأمر مرة أخرى. والأسوأ أن أحدًا لم يتجشم عناء تمييز سقف أو حدود للعيب، ليس في الرياضة وحدها، وإنما في كل "فنون" السياسة والأمن والبيزنس والإعلام، التي باتت موضوعة كلها في خدمة الرياضة. والأكيد أن "هناك ثقافة عامة تحتاج إلى مراجعة، لتعيد الرياضة إلى الرياضة، لتتوقف عن إفلات العقل للملاعب وجعلها متنفسات لاحتقانات سياسية واجتماعية واقتصادية يعجز أهل السياسة عن مداواتها والتعامل معها بالوسائل الصحيحة فيلجؤون إلى الخدع الكروية"[3].
لقد تحولت الأحداث المحيطة بمباراتي مصر والجزائر - في القاهرة وأم درمان- إلى عار حقيقي يلاحق الطرفين، وأي محاولة لتبرئة المصريين أو إظهار الجزائريين كضحايا هي محاولة تضليل وتدليس، فالطرفان، المصري والجزائري، تورطا في تقديم صورة مشوهة وتعليقات إعلامية فجة ومسيئة، نفخت الكير وأظهرت جهلاً ثقافيـًا وسياسيـًا فاضحـًا، وكذلك مسؤولو الدولتين في كرة القدم الذين شاركوا في صناعة الفضيحة[4].
الطرفان في نظرنا مذنبان، وهو أمر مفهوم - وإن يكن غير مقبول- في ظل التهييج الإعلامي، وأعمار المتعاركين وظروفهم الاقتصادية والاجتماعية.. ولكن كان من المأمول أن تكون القيادة السياسية والإعلامية والفكرية في البلدين أفضل وأعقل وأنضج مما شهدنا جميعـًا. "فمن الحماقة أن يأتي الأب والأم فيشتركان في عراك مع أب أو أم الولد الآخر، ويتبادلان السباب مثلما تبادله أولادهم، فتنقلب المعركة من شجار بين صبيين غريرين إلى معركة بين دولتين المفروض أنهما شبتا عن الطوق، وتعرفان ما يمكن أن يترتب على عراكهما من خسارة فادحة للجميع، الصغار والكبار"[5].
لقد تطلب الأمر عامـًا كاملاً حتى يخرج رئيس الاتحاد المصري لكرة القدم سمير زاهر، ويقر بالخطأ الذي وقعنا فيه. فقد أبدى زاهر ندمه على عدم التعامل مع الأزمة بين مصر والجزائر بالشكل المناسب، موضحـًا أنه كان من الضروري أن ينهي الأزمة في القاهرة وعدم تصعيد الأمور. وفي لقاء تليفزيوني مع مجدي عبدالغني في برنامج "السادسة مساء" على قناة "مودرن سبورت"، قال زاهر إنه كان يتعين عليه أن يستغل الصداقة الكبيرة التي كانت تجمعه بمحمد روراوة رئيس الاتحاد الجزائري لكرة القدم لإنهاء الأزمة[6].
أما تبرير زاهر لما جرى فقد صعق كثيرين، حين قال إن الأزمة مع الجزائر لم يتم إدارتها بالشكل المطلوب بسبب أنها لم تمر على الكرة المصرية من قبل ولم يمتلكوا الخبرة لإدارتها.

 
الدوحة، بدت أرضـًا محايدة للصلح الكروي بين مصر والجزائر.
ففي 15 ديسمبر 2010 تم الصلح بين زاهر وروراوة، برعاية محمد بن همام رئيس الاتحاد الآسيوي، عضو اللجنة التنفيذية في الفيفا، والشيخ حمد بن خليفة، رئيس الاتحاد القطري لكرة القدم[7]. وبينما رحب سمير زاهر بإقامة مباراة ودية بين منتخبي البلدين تتويجـًا للمصالحة، ركزت الصحف الجزائرية على تصريحات محمد روراوة بعد جلسة المصالحة مع زاهر، والتي أكد فيها أن الشعب الجزائري لم ولن يتسامح مع من سب شهداء الجزائر. وقال روراوة في تصريحات له "إن الوقت حان لطي صفحة الماضي والخلافات بين الشعبين والهيئات الكروية في البلدين؛ لأن الجزائر ومصر مجبرتان على التباري بينهما في المنافسات القارية والإقليمية سواء بين الأمم أو الأندية"، وأضاف أن "الهيئة الكروية الجزائرية تتحمل كامل مسؤولياتها وربما لم تحسن التعامل مع القضية، لكن الأكيد أن الوقت حان لوضع حد للحقد الذي ميز العلاقات بين الجانبين والظروف تفرض علينا وضع كل تلك الحساسيات جانبـًا والتحلي بالروح العالية التي ينبغي أن تكون السيدة في الميدان الرياضي؛ لأن كرة القدم تبقى لعبة لا أكثر ولا أقل"[8].
غير أن روراوة شدد على أن "باب الصلح يبقى وسيظل مغلقـًا في وجه كل من شتم وأهان شهداءنا، فهؤلاء الشهداء هم رموز الجزائر وذخرها والمساس بهم هو مساس بسمعة بلادنا وبتاريخها العظيم والمجيد".
ونشرت صحيفة "الشروق" استطلاعـًا لآراء عدد من القيادات السياسية، شددت في مقدمته على ضرورة اعتذار الجانب المصري "عن شتم الشهداء وحرق العلم الجزائري"[9].
ذيول الأزمة بقيت قائمة أو نائمة تحت الرماد، لدرجة أن وزارة الخارجية المصرية تحدثت عن جولة لوزير الخارجية محمد عمرو تشمل الجزائر في منتصف نوفمبر 2012، أي بعد ثلاث سنوات من "موقعة أم درمان"، وذلك لإعادة العلاقات الطبيعية بين البلدين، خاصة بعد انفراج الأزمة المصرية - الجزائرية "التي افتعلها النظام المصري المخلوع"[10] - على حد تعبير صحيفة "الحدث" الجزائرية. وأوردت الصحيفة على صدر صفحتها الأولى، أن "موقعة أم درمان السودانية الشهيرة التي افتعلها نظام مبارك جاءت لتغطية فشل مخطط توريث الحكم في مصر، وأضافت أن مبارك وابنه سخّرا ترسانتهما الإعلامية لمهاجمة الجزائر وإحداث أزمة دبلوماسية كبيرة - على حد وصفها[11].
في تلك الأزمة، التي نرجو أن تسقط من ذاكرة الشعبين سريعـًا، تحولت كرة القدم إلى كرة الندم!
لقد صارت "الأقدام" صاحبة قرار في تحديد العلاقات بين الدول العربية، وبالذات بين دولتين، مثل مصر والجزائر، ربطهما النضال المشترك، وتاريخ قديم من المودة والمؤازرة، ووشائج قوية من الدين واللغة والحضارة والمصالح المشتركة. اكتسبت "الأقدام" هيبة لم تكن لها في أي يوم، وصار لها شأن في تحديد السياسات، بعدما اكتسبت تأثيرًا غير مسبوق على "الرؤوس". صار بإمكان "كرة" تاهت عن "المرمى" أن تشعل حربـًا بين العرب والعرب، كأنما لا تكفيهم الحروب والصراعات في المنطقة[12].
ويبقى السؤال: أمن أجل "ركلة" يسقط المقدس من العلاقات بين الأخوة، وتكاد تدوسه الأقدام؟! وإلى متى تلتهم ماكينة السياسة الشرسة متعة كرة القدم، وتسرق منها الإثارة والمتعة وتحوّلها إلى شيء بليد وتافه لا يستحق سوى الرثاء؟!
هوامش




[1]  د. خالد عزب، العداء الجزائري لمصر، جريدة "المصري اليوم"، القاهرة، 23 نوفمبر 2010.


[2]  جميل مطر، أخلاقيات اللعب عند الكلاب، جريدة "الشروق"، القاهرة، 1 ديسمبر 2009.


[3]  عبدالوهاب بدرخان، الكرة "بتتكلم عربي"، مصدر سابق.


[4]  إبراهيم عيسى، مباراة بين سجناء مصر والجزائر، مصدر سابق.


[5]  د. جلال أمين، الصغار والكبار.. في معركة الجزائر، جريدة "الشروق"، القاهرة، 25 نوفمبر 2009.


[6]  زاهر: ندمت على عدم التعامل مع أزمة الجزائر بالشكل المناسب، جريدة "الشروق"، القاهرة، 24 نوفمبر 2010.


[7] إسلام صادق ومحمد يحيى، "زاهر" يقترح إقامة مباراة ودية مع الجزائر.. و"روراوة": تم إجبارنا على الصلح لكننا لن نتسامح، جريدة "المصري اليوم"، القاهرة، 17 ديسمبر 2010.


[8] م. ياسين، روراوة للشروق: مجبرون على التعامل مع المصريين لكن الجزائر لن تسامح شاتمي الشهداء، جريدة "الشروق"، الجزائر، 15 ديسمبر 2010.


[9] بلقاسم عجاج، "اقطعوا رؤوس الفتنة.. ثم لنتحدث عن المصالحة"، جريدة "الشروق"، الجزائر، 17 ديسمبر 2010.


[10]جمعة حمدالله وسارة نور الدين، وزير الخارجية يزور الجزائر.. والصحف المحلية: إنهاء لـ"أزمة مبارك المفتعلة"، جريدة "المصري اليوم"، القاهرة، 10 نوفمبر، 2011.


[11]  المصدر نفسه.


[12] طلال سلمان، حروب كثيرة بالطائرات والأقدام.. خارج فلسطين وعليها، جريدة "الشروق"، القاهرة، 25 نوفمبر 2009.

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

0 التعليقات على "كرة الندم"

أكتب تعليقا