القدس العربي.. عن قصة الثروة في مصر

| |

قصة الثروة في مصر لياسر ثابت: من حسن طوبار إلى أحمد عز
2012-08-05


القاهرة ـ 'القدس العربي': 'قصة الثروة في مصر' هو آخر إصدارات الباحث والكاتب الصحافي المصري د. ياسر ثابت، يرصد الكتاب الذي يقع في 482 صفحة أسرار الثروة في مصر على مدى فترة زمنية تمتد من نهايات القرن الثامن عشر حتى وقتنا الحاضر، ويقدم مرجعاً موثقاً لا غنى عنه لكل من يهتم بتاريخ مصر المعاصر.
في مقدمة كتابه الصادر عن دار ميريت في القاهرة يقول د. ياسر ثابت:
'عن ستة حروف يتحدث هذا الكتاب : الثروة.
هذه الحروف الستة حكمت مصر، وحرَّكت الأحداث مثل مسرح العرائس، وأقامت نهار المحروسة، ولم تقعد ليلها حتى الآن. لم تكن الثروة في مصر ترفـاً، بل طرفـاً في كل شيء: الحروب والمقاومة، الصناعة والزراعة، التحالف والصراع، الفرد والعائلة'.
بداية، يشير المؤلف إلى أن الأغنياء الحقيقيين في مصر أشباح بلا أسماء، وبعض الأغنياء البارزين واجهات لآخرين، أو أن أرقام ثرواتهم مكذوبة. كما يوضح أن معظم الأغنياء المصريين، أو من أصول مصرية، حققوا أموالهم في أسواق غير منتجة أو بأسلوب اقتناص الريع، وتداول الأصول المعروضة بدلاً من الإنتاج. والظاهرة المقلقة في تقدير مؤلف الكتب هي تعاظم الثروات الفردية من دون أن يضطلع كثير من أصحابها بمسؤولية اجتماعية ودور ملموس في العمل الخيري لصالح المجتمع.
يقول د. ياسر ثابت: 'تحدثت مصر عن أول مليونير إبان الحملة الفرنسية - الشيخ حسن طوبار- ثم شهدت أول ملياردير في عهد مبارك'. ثم أوضح أن طوبار كان واسع الثروة والنفوذ محبوباً من سكان إقليمه، وكان في حالة من الرواج كفيلة بأن تقعِده عن اتخاذ موقف يمكن أن يهدد ثروته، لكنه فضَّل عز مقاومة المحتل الفرنسى على ذل العيش في بحبوحة تحت حكم المحتل، حيث قدر أحد جنرالات الحملة الفرنسية ثروة الشيخ طوبار 'بأنها في حدود خمسة ملايين فرنك سخرها كلها لمقاومة الفرنسيين منذ بداية الحملة تقريباً'.
وانتقل المؤلف إلى 'نفيسة البيضاء' التي كانت تعرف بأم المماليك، ورغم أنها كانت جارية شركسية حين جلبت إلى مصر فإنها كانت أغنى أغنياء مصر، وأنشأت سبيلاً مشهورة حملت اسمها.
وتحدث المؤلف عن محمد علي 'الاحتكار والاحتقار'، حيث تعامل الوالي الجديد مع مصر كلها على أنها أملاكه، فقد اعتصر الفلاحين اعتصاراً، وكان عقاب التأخير في توريد المحاصيل للحكومة يصل أحياناً إلى الإعدام، إلا أن اهتمام محمد على بماله وأملاكه - التي اتسعت لتشمل أرض مصر- لم يكن بالنسبة للمصريين شراً مطلقاً، كما لم يكن خيراً مطلقاً (كما يقول الكاتب) فقد كان همه أن ينشىء في مصر جيشاً وصناعة وتعليماً وغيرها من أسباب الحضارة والمجد، حيث شق الترع، وأنشأ الجسور والقناطر والسدود وأوفد عدداً من الطلاب المصريين إلى الخارج لدراسة فن الزراعة وغيره من العلوم المختلفة.'
على مهل كانت الثروة في مصر تشق مجرى جديداً في الوطن، لم يكن التحول في ليلة وضحاها، وإنما امتد لعقود طويلة، لكنه شهد أبرز محطاته في عصرين: محمد علي وإسماعيل'، هكذا يقول الكاتب في بداية فصل بعنوان 'ظهور الأفندية وصعود الشوام' الذي يتطرق فيه إلى أن محمد علي وضع البذور التاريخية للرأسمالية المصرية بتشكيله طبقة من كبار الملاك لتكون عوناً له في حكمه، إلى أن جاء عصر إسماعيل الذي 'ولد فيه أشهر رجال المال والأعمال في ذلك الزمان'، وفي مقدمتهم اليهود الذين كانوا 'يبحثون عن المال فوق الأرض وتحتها أيضاً'، فقد أسس اليهودي إميل عدس الشركة المصرية للبترول في بداية عشرينيات القرن العشرين، كما احتكر إيزاك ناكامولي تجارة الورق في مصر، واحتكر اليهود معظم مجالات التجارة والصناعة إلى جانب العقارات والأراضي الزراعية، واستطاعوا تحقيق مكاسب اقتصادية كبيرة بلغت ذروتها في الفترة من عام 1940 حتى عام 1946.
ويستعرض الكاتب تاريخ ثروة اليهود في مصر حتى خروجهم منها، وانتقل الكاتب إلى الجالية اليونانية، ومنهم كوتسيكا الذي أنشأ مصنعاً للكحول في منطقة طره، والذي كانت ثروته (قبل بزوغ القرن العشرين) تقدر بأربعة ملايين جنيه، ويضيف أن قوائم الأغنياء في مطلع القرن العشرين شهدت أسماء مصريين مثل أحمد المنشاوي باشا، وهو من أعيان الغربية، وقدرت ثروته بنحو مليوني جنيه، وكان الحس الوطني واضحاً في أعمال الخير لديه. ومن أثرياء مطلع القرن العشرين يذكر المؤلف فخري بك عبد النور وعمر سلطان وإدريس بك راغب والأمير عزيز حسن حفيد الخديوي إسماعيل ومؤسس نادي السيارات، يضاف إليهم البارون البلجيكي إدوارد لويس جوزيف إمبان مؤسس ضاحية مصر الجديدة.
أما أول قائمة مرتبة للأغنياء المصريين فقد ظهرت بعد تأسيس بنك مصر عام 1920 وكان ترتيبها كالتالي: الأمير عمر طوسون، الأمير أحمد سيف الدين، الأمير يوسف كمال، الشواربي باشا، البدراوي باشا، علي شعراوي باشا، علي فهمي المهندس، ميشال سرسق، حبيب باشا سكاكيني، ميرزا، محمود سليمان باشا، محمود خليل باشا، الذين روى الكاتب قصة كل منهم بالتفصيل.
يقول الكاتب 'في عام 1950 كان أحمد عبود باشا ومحمد أحمد فرغلي باشا، بالإضافة إلى الأمير محمد عبد المنعم، يتصدرون قوائم الأغنياء، مع وجود آل البدراوي وآل سراج الدين'، ثم أشار إلى قيام الثورة وصدور قرارات يوليو الاشتراكية. وفي ظل سيطرة العسكر وانحسار مفهوم التعددية السياسية والفكرية، تهاوت طبقات واحتكارات طبقية ترمز إلى القوى الرأسمالية القديمة، وإن كانت قوى أخرى قد بدأت تظهر بالتدريج من التكنوقراط والسياسيين والعسكريين السابقين الذين أصبحوا قادة القطاع العام الذي ورث الرأسمالية المصرية والأجنبية في مصر على حد سواء.
وأفرد المؤلف فصلاً في كتابه بعنوان 'ثروات الرؤساء.. فتش عن الأنجال' تناول فيه رؤساء مصر بعد الثورة، بدءاً بمحمد نجيب الذي مات وحيداً ولم يعش أحد من أبنائه حياة كريمة، ثم جمال عبد الناصر الذي قال مقربون منه 'إنه ألزم نفسه بألا يملك أرضاً أو عقاراً، وكان رأيه أن الحاكم في مصر لا يجوز له أن يمتلك لأنه بذلك يفقد قدرته على التعبير عن مصالح الأغلبية، ويجد نفسه يعبر عن مصالح الأقلية'.
أما أنور السادات فقد خصص له عبد الناصر بيتاً يطل على النيل كان في السابق ملكاً للمليونير اليهودي ليون كاسترو. وبعد وفاة السادات قالت زوجته السيدة جيهان: 'لا أخجل من أن أقول إن ابني وزوج ابنتي كانا يساعدانني وخرجت للعمل.. وأنا لم أطلب شيئاً من أحد'.
أما حسني مبارك رابع رؤساء مصر، فقد رفض فتحي سرور رئيس مجلس الشعب المنحل البيان العاجل الذي قدمه سعد عبود 2006 حول الذمة المالية لمبارك، في حين أثيرت أقاويل كثيرة وتفاصيل مثيرة عن ثروته وثروات نجليه علاء وجمال داخل مصر وخارجها.
يقول المؤلف إنه وسط أحاديث متضاربة عن ثروة جمال مبارك، تحدث الرئيس السابق مبارك مرة وحيدة عن ثروة ابنيه علاء وجمال. ففي حوار على صفحات العدد رقم 3598 من مجلة 'المصور' مع مكرم محمد أحمد عام 1993، قال مبارك 'ليس لدي أبناء يعملون بالبيزنس، لدي ابن يعمل في لندن والآخر عنده قطعة أرض يزرعها ويعمل في بعض الأنشطة البسيطة التي لا علاقة لها بأي مسؤول أو أي دائرة حكومية وهذا أمر يصل من جانبي إلى نطاق التحريم'.
وفي الحديث الصحافي نفسه، نقرأ تفاصيل مهمة عن قضية ثروة الابن الأصغر للرئيس مبارك.
وختم المؤلف كتابه عن الثروة في مصر بالحديث عن فئة رجال الأعمال الذين فتح لهم مبارك باب امتلاك أراضي مصر واحتكار ثرواتها، من عينة حسين سالم وأحمد عز وهشام طلعت مصطفى، كما يتناول بتفصيل موثق أسرار أغنياء مصر مثل آل ساويرس، ومحمد شفيق جبر، وغيرهما الكثير.
عن 'امبراطور الحديد' أحمد عز، يقول ياسر ثابت: ' كان رجل الأعمال محمد فريد خميس بوابة عز للدخول في عالم البيزنس قبل أن يصبح أحد كبار رجاله، حيث قدمه خميس لرجال الأعمال بدءا من منتصف التسعينيات وكان متحمسا له وأولاه رعاية خاصة نبعت من حبه للدفع بالقيادات الشابة. واصطحبه محمد فريد خميس معه إلى منتدى دافوس الذي عقد في الأردن عام 1995 والذي حمل عنوان منتدى الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. وفي العام الثاني جاء منتدى دافوس إلى القاهرة في 1996 وقدمه فريد خميس مرة ثانية إلى المنتدى بعد الاستقرار على تقديم سيناريو يستعرض الوضع السياسي والاقتصادي لمصر أمام الحضور، وتم اختيار أربع شخصيات للحوار في هذا الموضوع، كان بينهم عز وجمال مبارك .
منذ ذلك التاريخ، حرص عز على تقوية علاقته بجمال مبارك، وكان طبيعيـاً أن يكون من أوائل المساهمين عام 1998 في جمعية جيل المستقبل والتي بدأ بها جمال مبارك رحلة صعوده السياسي، ولم يفارقه عز بعد ذلك في أي محطة منها. من 1998 حتى 2000 جنى أحمد عز ثمار استثماراته وعلاقته وأصبح وكيلاً لاتحاد الصناعات.
بدأ عز مرحلة التزاوج مع السياسة عام 2000 عندما رشح نفسه لعضوية مجلس الشعب عن دائرة منوف مستنداً على أصوات عمال مصانعه بمدينة السادات، وفي فبراير 2002 ظهر عز قويـاً في الحزب الوطني وأصبح عضواً في الأمانة العامة للحزب الوطني ضمن الموجة الأولى لانخراط رجال الأعمال الجدد في مجال العمل السياسي، وبعدها أصبح رئيسـاً للجنة الخطة والموازنة في مجلس الشعب.
في سبتمبر 2002 انعقد المؤتمر العام للحزب وأصبح عز عضواً في أمانة السياسات، ولم يكن مجرد عضو عادي بل كان من المسيطرين والمحركين الأساسيين، كما قال د. أسامة الغزالي حرب بعد خروجه من الحزب. في عام 2003 سافر أحمد عز مع جمال مبارك إلى الولايات المتحدة، وفي عام 2004 حصل على منصب أمين العضوية وهو أخطر منصب داخل الحزب الوطني، وكان يشغله قبله سياسي مخضرم عابر للعصور هو كمال الشاذلي.
في عام 2005 قام عز بتمويل حملة الرئيس مبارك الانتخابية، وحصل بعد ذلك على منصب أمين التنظيم والذي كان أيضـاً يشغله كمال الشاذلي.
ويرى د. ياسر ثابت ما حدث في مصر في العقود الأخيرة يدفع إلى إعادة التفكير في تلك المقولة، حيث إن أصحاب الثروات أصبحوا يسعون إلى الحصول على مناصب سياسية مهمة، مستغلين في ذلك ثرواتهم الطائلة، للوصول إلى مقاعد البرلمان، وبعدها بدأوا يظهرون في مقدمة صفوف القوى والنخب الحاكمة، ليصبح 'زيت السلطة في دقيق رجال الأعمال'.

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

0 التعليقات على "القدس العربي.. عن قصة الثروة في مصر"

أكتب تعليقا