غبار المعركة

| |



كادت الأزمة الكروية بين مصر والجزائر تندلع مجددًا، هذه المرة في البرازيل.
إذ إنه عقب إطلاق صافرة النهاية في نهائي بطولة العالم العسكرية في البرازيل بين مصر والجزائر، فوجئ الجميع عقب انتهاء المباراة وفوز الجزائر بالبطولة بـاللاعب عبدالملك يندفع في غضب معتديـًا على لاعبٍ جزائري، لتقع معركة مؤسفة أعادت إلى الأذهان ذكرى معركة أم درمان بوقائعها الحزينة والموجعة.
ولعله من سوء حظ أحمد عيد عبدالملك أنه لم يجد هذه المرة إعلامـًا كرويـًا مصريـًا فاقدًا للعقل والحكمة يحترف صناعة الكراهية والتعصب تحت دعاوى الانتماء والوطنية. ولكنه قد يكون في المقابل من حسن حظ هذا اللاعب أنه قام بذلك وهو لاعب منتخب مصر العسكري في زمن يحكم فيه مصر المجلس العسكري.. هنا تسكت الصحافة "ويتظاهر نجوم شاشات الكرة بأنهم لم يروا ما جرى في البرازيل احترامـًا للاعب عسكري في منتخب عسكري في بلد يحكمه الآن مجلس عسكري"[1].
يبقى أنه تصرفٌ أعاد فتح جروح كروية مصرية جزائرية تمنينا وتصورنا في البلدين أنها أوشكت على الشفاء.
ويبدو أن غبار "المعركة" غير الضرورية أنتج حروبـًا ثقافية لا فائز فيها.
إذ أدى الأداء الغوغائي في الإعلام إلى تصحر العلاقات بين مصر والجزائر، وامتد التصحر ليشمل مؤسسات اقتصادية، قبل أن يمتد إلى علاقات فنية وثقافية. وبعد رفض الجزائر شراء مسلسلات مصرية، حان دور الكتب[2]. وجاءت عريضة أدباء الجزائر الذين يطلبون عودة مصر إلى معرض الكتاب (28 أكتوبر - 6 نوفمبر 2010) لتفتح الباب مرة أخرى للجدل واللغط الدائر حول قرار إدارة الصالون الجزائري الدولي للكتاب بعدم السماح بعرض الكتب المصرية داخل المعرض، وإصدار تعليمات لكل اتحادات الكتاب ودور النشر العربية - التي تمت دعوتها للمشاركة في المعرض - بمنع عرض الكتب المصرية في أي جناح عرض داخل المعرض.
وانتقد موقعو العريضة - التي اقترحها أحمد بن سعادة- قرار المنع الذي وقف وراءه رئيس المعرض الدولي للكتاب في الجزائر إسماعيل أمزيان. وأوضحت العريضة أن موقعيها يرون أن مبادرة معاقبة الأدب المصري والقراء الجزائريين الأحادية الجانب عبثية في حين يستمر لاعبو كرة القدم بممارسة هذه الرياضة مع الفرق المصرية بعد أن تسببت في كل هذه الفضيحة[3].
وإزاء هذه الضغوط، عدل أمزيان عن موقفه ليؤكد "أنه تقرر بالتشاور مع المصريين تخصيص" 100 متر مربع من أجنحة العرض لدور النشر المصرية، ومنها مكتبة الإسكندرية. وقد استفادت 70 دار نشر مصرية من ألف متر مربع في المعارض السابقة من مساحة المعرض الإجمالية التي تبلغ 8 آلاف متر مربع. غير أن أمزيان برر منح مساحة محدودة لدور النشر المصرية بالقول إن هذا القرار قد اتخذ "لتجنب حصول أي حادث" خلال هذا الحدث الثقافي الذي يستقبل 150 ألف زائر يوميـًا[4].
إنها كرة القدم إذن، انتقلت إلى معارض الكتب جاعلة من القراء العرب جمهورًا مقسومـًا على نفسه، جمهورًا يصفق ويتحمس، وجمهورًا يغضب ويشتم ويخرّب... وكان ينقص عالم الكتاب العربي، الحافل بالأزمات والشجون أن تتسلل إليه كرة القدم، حاملة معها أحقادًا وكراهيات وعداوات[5].
اللافت أن الأزمة التي يحاول البلدان احتواء آثارها وذيولها، لم تمر بدون تحليلات سياسية في القاهرة رأت "أن النظام السياسي في الجزائر التقط هذه الأزمة مع مصر منذ اللحظة الأولى، وقام بتوظيفها للتغطية على التسويات والتوازنات والترتيبات التي يقوم بها حاليـًا، لكن غاب عن باله أنها مجرد عمليات لإطالة عمر نظام تهرأ من الداخل ولم تعد تجدي معه رياضة أو سباحة أو سياسة.. أو مسرح العرائس كله"[6].
كما وَّجه فريق من المتابعين إلى د. السعيد بوتفليقة، شقيق الرئيس الجزائري، اتهامـًا بأنه أحد من أسباب الأزمة، وحملَّته مصادر مصرية وجزائرية عدة المسؤولية عن تصعيد الاعتداءات على المصالح والرعايا المصريين بالجزائر[7]، والمشجعين الذين رافقوا المنتخب المصري في مباراة أم درمان بالسودان، فيما اتهمت صحيفة "الجزائر تايمز" السعيد بوتفليقة بالتدخل في شؤون المنتخب الجزائري لكرة القدم ومحاولة فرض توجيهات بعينها على الجهاز الفني، ما كاد يدفع مدرب الفريق رابح سعدان للاستقالة. واعتبرت مصادر جزائرية أن دور السعيد في تصعيد الأزمة مع مصر انعكاس للصراع على خلافة الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة بين عدد من السياسيين، في مقدمتهم شقيقه، والوزير الأول (رئيس الوزراء) أحمد أو يحيى، والممثل الشخصي لرئيس الدولة عبدالعزيز بلخادم، مشددة على أن الرئيس يسعى بكل طاقته إلى ترجيح كفة شقيقه لوراثة حكمه.
صحيفة مصرية قالت في تقرير لها إن السعيد هو الذي قاد عمليات التحريض ضد القاهرة والمصالح المصرية في بلاده، عبر جريدة "الشروق" التي يعد أحد الممولين الرئيسيين لها، وذلك بعملية شحن منظمة للمشجعين الجزائريين، لتحقيق ما يعتقد أنه نصر كبير يرفع من أسهمه في الصراع على السلطة السياسية، وترويج تصريحات متناقضة بشأن وجود قتلى جزائريين في مصر، بالإضافة إلى عقده اجتماعـًا حضره قادة من الجيش الجزائري والمخابرات وعدد من الوزراء، لإعداد خطة شاملة لمباراة الخرطوم"[8].
وعلى خلفية هذه الاتهامات، تقدم د. جمال أبوضيف، أستاذ القانون الجنائي، ببلاغ إلى النائب العام المصري المستشار عبدالمجيد محمود في 25 نوفمبر 2009، ضد الدكتور السعيد بوتفليقة، واتهمه بالمسؤولية عن "كل أحداث الشغب والإرهاب التي وقعت للجمهور المصري عقب انتهاء المباراة الفاصلة في الخرطوم".
هوامش


[1] ياسر أيوب، الجزائر من جديد، جريدة "المصري اليوم"، القاهرة، 26 يوليو 2011.
[2] كمال رمزي، تصحر، جريدة "الشروق"، القاهرة، 9 أكتوبر 2010.
[3] سامح سامي، مصر والجزائر.. فتنة كروية أنتجت حروبا ثقافية، جريدة "الشروق"، القاهرة، 1 سبتمبر 2010.
[4] محمد منصور، كتب مصر تشارك في الجزائر ومحظورة في الكويت، جريدة "الشروق"، القاهرة، 26 سبتمبر 2010.
[5] عبده وازن، الكتاب في ملعب الكرة، جريدة "الحياة"، لندن، 6 سبتمبر 2010.
[6] د. سعيد اللاوندي، لهذه الأسباب لن يعتذر بوتفليقة، جريدة "المصري اليوم"، القاهرة، 3 ديسمبر 2009.
[7] مظاهرات "الغضب" تتواصل: المحامون يحرقون علم الجزائر.. وتعليمات بـ"التهدئة" في مجلس الشعب، جريدة "المصري اليوم"، القاهرة، 22 نوفمبر  2009.
[8]  عمر الهادي، أشقاء "بوتفليقة".. "السعيد" قاد حملة التصعيد ضد مصر.. ووفاة "مصطفى" تسهم في تهدئة الأجواء، جريدة "المصري اليوم"، القاهرة، 5 يوليو 2010.

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

0 التعليقات على "غبار المعركة"

أكتب تعليقا