غبار الغضب

| |



في حرب داحس والغبراء الجديدة، أفلح مشعلو الفتن والحرائق في بث روح العصبية والكراهية والجاهلية بين الشعبين المصري والجزائري، وانساق وراءها الجميع كبارًا وصغارًا، ولا ندري إلى أي مدى وفي أي اتجاه كان يمكن أن تصل الأزمة لو أن هناك حدودًا مشتركة بين البلدين بعد أن بلغت الفتنة مداها وتداخل فيها الرياضي بالسياسي والدبلوماسي[1].

ووصل الأمر إلى حد اتهام صحيفة "النهار" الجزائرية عمرو موسى، أيام كان وزيرًا لخارجية مصر، بالتورط عام 1991 في التعاون مع الأميركيين بالتجسس على البرنامج النووي الجزائري.

"ما قالته جريدة "النهار" الجزائرية تجن ضد مصر وعمرو موسى".

 كان هذا هو رد المبعوث السابق للأمين العام للأمم المتحدة ووزير الخارجية الجزائري الأسبق الأخضر الإبراهيمي، لافتـًا إلى أن هناك من يتلاعب بعلاقات مصر والجزائر، قائلاً: "لا أعتقد أن ما قالته صحيفة جزائرية واحدة يمثل رأي المواطن الجزائري"، واصفـًا المزاعم السابقة بأنها "تجن" ضد مصر وموسى"[2].

لن نتحدث عما جرى قبل مباراة 14 نوفمبر في القاهرة، والتراشق الإعلامي بين الجانبين المصري والجزائري بلغة أقل ما يقال عنها إنها مسفة، ولا ما جرى في اللقاء الحاسم بين منتخبي مصر والجزائر في أم درمان. وإنما نتساءل: ماذا فعلت قمة السلطة التنفيذية، وما الذي انتهت إليه السلطات التشريعية (مجلس الشعب)، وكيف تصرف اتحاد الكرة طوال شهور الأزمة سواء في تصريحاته ودفوعه أمام الفيفا؟

تساؤلات مشرعة على كل الاحتمالات؛ لأننا  أول من نبدأ القصص وأول من لا ينهي قصة واحدة.. ولو كنا نرغب في الاستفادة، فإن أفضل الدروس والفوائد تأتي من دراسة الأزمات والكوارث[3].

المؤسف حقـًا أن نار الفتنة التهمت الجسور بين البلدين، وامتدت إلى عدد من أصحاب الأقلام التي تتسم عادة بالحكمة والتعقل. وهكذا قرأنا مقالات معيبة كتبتها أقلام مصرية وجزائرية محترمة، كان ينبغي لها أصلا أن تساهم في تهدئة موجة الغضب وفي الدعوة إلى التآخي والتعقّل.

ومن هؤلاء حالتا الكاتب والروائي د. يوسف زيدان، والروائي د. علاء الأسواني.

عقب أحداث مباراة أم درمان بين منتخبي مصر والجزائر، كتب د. يوسف زيدان مقالاً يحمل عنوان "ذكريات جزائرية"، قال في سطوره الأولى إنه "من غير اللائق الكلام عن (الرؤية الصوفية للعالم) في عالم تضطرب فيه بواطنُ المصريين، وتضطرم قلوبهم التهابـًا وغضبـًا، بسبب اللقاءات الكروية البائسة التي جرت مؤخرًا مع ذلك البلد المسمى الجزائر". سرد د. زيدان في مقاله ذكريات سلبية عن زيارة له للجزائر ومعرفة له بطلاب ودارسين جزائريين في مصر، قبل أن يقول عن الجزائر إنها "بلد يعتصره البؤس. فلماذا لم تعرف حكومتنا أن البؤس يغوص في نفوس الجزائريين، بعدما قاموا بعد المباراة الأولى بالهجوم على المصريين في بلادهم وفي فرنسا وفي بلدان غير ذلك"[4].

وانهال الكاتب على الجزائر بالهجوم القاسي، فقال: "لقد نسينا ونسي الجزائريون أن مصر هي التي أنفقت من أموالها كي تجعلهم عربـًا، وأغدق جمال عبدالناصر عليهم وأوفد لبلادهم المدرسين المصريين كي يضعوا على ألسنتهم اللفظ العربي الذي أنستهم إياه فرنسا (الحرة) فلا هم ظلوا من بعد ذلك عربـًا ولا هم صاروا فرنسيين".

وفي المقال الشهير، يقول الكاتب ومحقق التراث: "ولو لم يكن المصريون مصابين بداء النسيان وبالميل للطيبة التي هي (الهوان) في كثير من الأحيان، لما جرؤ الجزائريون على أفعالهم القبيحة ضد المصريين في فرنسا والجزائر بعد المباراة الأولى، ولما دخلوا المباراة الثانية يحملون تحت إبطهم السكاكين.

"سكاكين.. في مباراة كرة قدم! لست كما قلتُ من مشجعي كرة القدم، ولا أهتم بها إلا قليلاً. لكني أعرف أن حملة السكاكين قومٌ مجرمون، ولم يكن من الصائب أصلاً أن نلاعب المجرمين، فالمجرمون ليس لهم إلا العقاب.. عقاب اللاعب الذي فقأ عين الطبيب، وعقاب البدو الصحراويين الذين صارت لهم بلد، فظنوا أنفسهم مثل المصريين وتخيَّلوا أن كل البلدان مثل كل البلدان.. وعقاب حكومة ركيكة تدير أمور بلدها كما تدير الرقيعات الرقيعات.

"لا يستغربن أحدٌ تشبيهي لأفعال الحكومة الجزائرية بالرقاعة، فأنا أميل لتسمية الأشياء بأسمائها، ولولا بقية من حياء لصرَّحت باللفظة التي يجب أن نصف بها أفعالهم. وإلا، فما هذا الفعل الحكومي الجزائري الذي حدا بهم إلى فرض ضرائب غير منطقية على رجل الأعمال المصري، نجيب ساويرس، لصالح شركتين أخريين تعملان هناك في سوق الموبايلات.. وما تلك التلويحات الجزائرية بمسألة توريث الحكم في مصر، وكأنهم أعرف بنا منا.. وما هذا النكران لبلد كان بالأمس القريب يطعمهم من جوع ويؤمنهم من خوف ويخرجهم من جهل.. وما هذا العنف من كيان ضعيف؟ أليست هذه كلها من صفات الرقيعات، بل رقيعات الدرجة الدنيا".

ثم يختم يوسف زيدان مقاله برأي أقرب إلى التشنج والغضب الذي يئد الحكمة في مهدها، فيقول: "ولابد لنا أن نعي جيدًا، أن (الجزائر) لا يصح أصلا أن تكون خصمـًا لمصر، ولا كفوًا لها.. وأن نعي جيدًا، أن قطع العلائق مع الجزائر لن يضير مصر لا على المدى القريب ولا البعيد، وقطع النظر عن وجود هذا الامتداد القاحل في قلوب أهلها، سوف يضيف لنا أمرًا عزيزًا فقدناه.. أمرًا اسمه الكرامة التي أُهدرت بغير سبب ولا غاية إلا هوى الحكام وأحلام السياسيين في كل العصور".

غير أن الحقائق تبقى بعد أن يزول غبار الغضب.



 إذ إنه بعد أكثر من شهر، كتب د. يوسف زيدان مقالة أخرى، اعتذر فيها لصديقه الروائي الجزائري واسيني الأعرج، وربما لجموع الجزائريين، ممن آلمتهم مقالته السابقة، قائلاً إنه في المقالة الأولى "غلبني حالُ الغضب ودهمني حكمُ الوقت. فقد هالني ما جرى بسبب مباراة كرة القدم، على قلة اهتمامي بهذه الكرة، وآلمني ما انتهى إليه المآل من خلط وتخليط وإهانات متبادلة، فثارت غَيرْتي على مصر، وعزَّ عليَّ أن تصير هدفـًا لألسنة الصغار"[5].

في تلك الفترة، كتب سليمان جودة قائلاً: "حين كتب الدكتور يوسف زيدان، قبل شهر من الآن، عن أحداث مباراة مصر والجزائر، كان يكتب وقتها بقلبه، لا بعقله، وكان وجدانه، وهو يكتب في لحظتها، ضاغطـًا، وكان وعيه، وهو يكتب في لحظتها أيضـًا غائبـًا! ولم يكن هذا هو يوسف زيدان، الذي عرفناه من قبل، كاتبـًا مستنيرًا يرفض أن تسيطر عليه لحظة الغضب، فتذهب به إلى حيث تشاء.. وليس إلى حيث يشاء هو!

"ومن حُسن الحظ، حظه وحظنا، أنه قد أدرك سريعـًا، معنى ما جرى به قلمه، ثم عواقبه، فلم يجد أدنى حرج في أن يكتب في "المصري اليوم"، أمس الأول، معتذرًا ومعترفـًا، ومقرًا بأنه أخطأ، وأنه كان قد استسلم، ساعتها، لانفعال ما كان له أبدًا، أن يستسلم لاندفاعاته، مهما كان سوء الظرف، ومهما كانت سوداوية الأحوال، ومهما كان هتاف الغوغاء من حوله، في أيام المباراة"[6].

أما د. علاء الأسواني فقد كتب قائلاً: "خلال الأحداث المؤسفة التي جرت مؤخرًا بين مصر والجزائر بسبب مباراة كرة القدم.. وبغض النظر عن الحرب الإعلامية المنحطة المتبادلة بين البلدين، أحس المصريون بأن ما حدث في أم درمان أكبر بكثير من شغب الملاعب، لقد تورط النظام الجزائري في جريمة منظمة استعملت فيها طائرات حربية لجلب البلطجية الذين اعتدوا على كرامة وأعراض المصريين.. أحس المصريون بالغضب لكن بعض الكتاب والمثقفين، كعادتهم، لم يفهموا إحساس المصريين بالإهانة وتعالوا عليهم واتهموهم بالغوغائية".

ويمضي د. الأسواني في مقاله قائلاً: "في الأسبوع الماضي أصدرت المناضلة الجزائرية الشهيرة جميلة بوحريد بيانـًا أعلنت فيه أنها تعاني من ضائقة مالية وتحتاج إلى نفقات لعلاجها من أمراض الشيخوخة.. وتم فتح باب التبرع من أجل جميلة بوحريد فبلغت تبرعات المصريين كما نشرت جريدة "اليوم السابع" 80 ألف جنيه في يومين اثنين.. وهكذا يثبت المصريون مرة أخرى حسهم الحضاري الرفيع.. فهم يطلبون اعتذارًا رسميـًا من النظام الجزائري على الجرائم التي ارتكبها في حق المصريين لكنهم في نفس الوقت يفهمون جيدًا الفرق بين النظام الجزائري والشعب الجزائري، ويفهمون أيضـًا الفرق بين بلطجية الجزائر وأبطالها وشهدائها.. وبالرغم من إحساسهم بالإهانة مما فعله بلطجية الجزائر، فإنهم يعتبرون أن من واجبهم المساهمة بقدر المستطاع في علاج مناضلة عظيمة طالما أحبوها واعتبروها نموذجـًا للشرف والشجاعة"[7].

لم يكن زيدان والأسواني الوحيدين اللذين انساقا وراء الغضب الجماهيري. الكاتب صلاح عيسي كتب بدوره مقالاً يشايع فيه مشاعر الإعلام الكاذب والنخبة الفاسدة، ويطلب من المصريين أن يرفعوا رؤوسهم في مواجهة الجزائر، وبالمثل كتب د. خالد منتصر وعلاء صادق وإسعاد يونس وغيرهم، ممن كنا ننتظر منهم الترفع عن الانزلاق في المسخرة الإعلامية الكاذبة، ولكنهم انزلقوا في دفاع عاطفي غير موضوعي عن كرامة مصر وعظمتها وحضارتها وتاريخها.. وحقوقها.
هوامش


[1]  عادل السنهوري، هل انتهت حرب داحس والغبراء، جريدة "المصري اليوم"، القاهرة، 20 نوفمبر 2009.
[2] آمال رسلان، الأخضر الإبراهيمي ينفي تجسس مصر على الجزائر، موقع "اليوم السابع" الإلكتروني، 9 مايو 2010.
[3]  حسن المستكاوي، اللي فات مات!، جريدة "الشروق"، القاهرة، 5 يناير 2010.
[4]  د. يوسف زيدان، ذكريات جزائرية، جريدة "المصري اليوم"، القاهرة، 25 نوفمبر 2009.
[5]  د. يوسف زيدان، بين سُباعيتين: رسالةُ حُب واعتذار للروائي الجزائري واسيني الأعرج، جريدة "المصري اليوم"، القاهرة، 30 ديسمبر 2009.
[6]  سليمان جودة، الذين لا تأخذهم العزة بالإثم، جريدة "المصري اليوم"، القاهرة، 1 يناير 2010.
[7]  د. علاء الأسواني، متى نتعلم من الشعب؟!، جريدة "الشروق"، القاهرة، 22 ديسمبر 2009.

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

0 التعليقات على "غبار الغضب"

أكتب تعليقا