مباراة في التجني

| |





الحرائق غير الضرورية بين مصر والجزائر امتدت إلى المؤسسات التعليمية، حيث أكد وزير التعليم العالي الجزائري رشيد حراوبية أن الجزائر أعادت 1300 طالب جزائري من الذين كانوا يدرسون في معهد البحوث والدراسات العربية بالقاهرة إلى الجزائر ثانية، حيث تم إدماجهم في مختلف الجامعات الجزائرية، مضيفـًا أن أوضاع بقية الطلبة الجزائريين بمصر البالغ عددهم 600 طالب، قيد البحث والدراسة.
ونقلت صحيفة "الفجر" الجزائرية عن زير التعليم حراوبية قوله إن الجالية الجزائرية في مصر واجهت صعوبات عدة عقب الأزمة الكروية بين مصر والجزائر
[1].
وبدت ردود الفعل على المواجهة الكروية بين مصر والجزائر نوعـًا من الاختبار للنخبة الثقافية والفكرية والسياسية في مصر،‏
وقدرتها على التعامل مع حدث له أهميته الرياضية ولا شك، ولكنه ما لبث أن أصبح جزءًا من الشأن العام‏.
فقد رُوِّع قطاع لا بأس به من المثقفين العرب من رد فعل النخب المصرية على أحداث معركة المباراة الفاصلة بين المنتخبين المصري والجزائري، وموطن الدهشة قائم في إمكانية التورط النخبوي في "مشاعر جماعية محبطة ومهندسة سياسيـًا"، وهو تورط يحسبه كثيرون جزءًا من التماهي التاريخي لتلك النخب مع الروح الوطنية المصرية. على أن هناك من رأى أن تحليل ردود فعل تلك النخب يظهر انقسامـًا واضحـًا في كتلتها الحيوية، فعدد من المتماهين مع تلك الروح الشعبوية ينتمي إلى القطاع التقليدي من النخب المصرية التي ورثت من دون جهد مفهوم الريادة الستيني العتيق، فيما امتاز موقف أجيال لاحقة بالعقلانية الشديدة والتشكيك النقدي في رواية ما حدث
[2].
هذا الانقسام الداخلي أخذ يكبر، علمـًا بأن حجم معسكر الغاضبين كان أكبر بكثير، في ظل المساعي المحمومة في الإعلام وكواليس السياسة لإعادة رسم الخريطة العاطفية للمجتمع، وإثارة نزعة التفوق، وهي نزعة لها سحر شرس يولد شوفينية بغيضة وعنصرية تستدعي زعماء على مقاسها.
[3]
ووقعت بعض النخب في المحظور بفعل غضب تداخلت فيه الصور والأسماء.
ونشرت الصحافة الجزائرية صورة لمحتجين من المحامين المصريين وهم يحرقون نموذجـًا لعلم الجزائر أمام مقر نقابة المحامين المصريين في القاهرة، وكتبت عنوانـًا رئيسيـًا تقول كلماته "الجنون المصري يبلغ ذروته والنخبة تنزل إلى الحضيض.. محامو مصر يتحولون إلى "بلطجية" ويحرقون علم الجزائر"
[4].
وفي ظل احتشاد الجماهير في مصر خلف النظام في قضية"انتفاضة الجزائر"، ترجم فريقٌ من المحللين تلك المبايعة المجتمعية على أنها مؤشر على تحول هزيمة كروية إلى رصيد سياسي في معركة التوريث. ويؤكد هؤلاء أن جمال
مبارك يحاول تسويق نفسه من خلال محمد أبوتريكة ورفاقه، وأنه كان يأمل في أن يؤدي تأهل المنتخب إلى المونديال إلى دفع سيناريو التوريث خطوات إلى الأمام، فيما الناس لاهية عما يجري في وادي النيل ومنشغلة بما يدور على المستطيل الأخضر
[5].
وبينما أسرف كاتب جزائري في القول بأن مساعي منتخب مصر للتأهل إلى كأس العالم 2010 كانت "الواجهة الرياضية لدعاة التوريث"
[6]، وذكر ثان أن "المشروع السياسي المصري لتوريث الحكم الذي أسقطه الجزائريون في مياه النيل يبحث عرابه وحواريوه عن سترة إنقاذ ولم يجدوا إلا شماعة الجزائر ليختلقوا منها عدوًا خارجيـًا وهميـًا يوحدون به صفوفهم الداخلية"[7]، وأكد ثالث أن "كابوس المونديال يقطع الطريق أمام توريث جمال مبارك"[8]، يرى آخرون في القاهرة أن التوريث جرى استدعاؤه من جانب البعض لكي يتم حشره في المسألة كلها "حتى بدت قضية وجود مسابقة لكأس العالم‏، واشتراك مصر فيها‏،‏ ووصول مصر إلى ما وصلت إليه من اقتراب من النهائيات بالنصر على الجزائر في القاهرة‏،‏ وكأنه تم إعداده خصيصـًا لكي يقوم بتجهيز مسرح الوراثة السياسية في مصر‏.‏ والدليل المطروح هنا هو حضور السيد جمال مبارك أمين السياسات بالحزب الوطني لتدريب المنتخب ومبارياته سواء تلك التي تمت في القاهرة أو أم درمان‏"[9].
وفي سياق الأزمة، انزلق متعصبون في الجزائر إلى عبارات نابية وشعارات هابطة وشماتة سياسية، كالحديث عن فلسطين التي لم ينجح المصريون في تحريرها، ووضع نجمة داود شعار إسرائيل مكان النسر في العلم المصري[10]. ولعل من شاهدوا مباراة أم درمان الفاصلة، لاحظوا لافتة كبيرة رفعتها جماهير جزائرية مكتوبـًا عليها "افتحوا معبر رفح"، وذلك بجوار المقصورة مباشرة[11]. رئيس الوزراء الجزائري، أحمد أويحيى، أكد أن تجاهل الجزائر لبعض التصريحات - التي وصفها بالـ"غوغائية" - "كان أقوى من الرد عليها"، وقال "إن عظمة وقيمة الشعب الجزائري وحكمة سلطته هي التي جعلتنا لا نرد على التصريحات المصرية، وإن سكوتنا ليس منبثقـًا من أي إحراج أو أي حساب كان"[12].
وشهدت المكتبات الجزائرية صدور كتاب تحت عنوان "مصر التي أسقطتها كرة القدم" توقع مؤلفه الدكتور محمد لعقاب تراجع الدور المصري بعدما اطلع العالم العربي على وحشية الحرب الإعلامية المصرية على الجزائر ورموزها بحسب وصف المؤلف. وقال المؤلف محمد لعقاب، إن كتابه "مصر التي أسقطتها كرة القدم" هو عبارة عن متابعة صحفية، تؤرخ أزمة حقيقية، صدمت الكثير، لكنها كشفت الوجه الحقيقي لأمة وشعب. وتقوم فكرة الكتاب على مجموعة مقالات رياضية ذات طابع سياسي بالدرجة الأولى كون الحملة الإعلامية المصرية، حسب منظور الكاتب، تحمل أبعادًا سياسية محضة
[13].
وخاض الفريقان مباراة في التجني والتحامل.
هوامش

[1] فاطمة خليل، الجزائر تسحب طلابها من الجامعات المصرية، جريدة اليوم السابع"، القاهرة، 18 سبتمبر 2010.[2] هاني درويش، "غواية الجماهير" وموقف النخب المصرية من "معركة الجزائر"، جريدة "الحياة"، لندن، 6 ديسمبر 2009.[3] وائل عبدالفتاح، تغيير للخريطة العاطفية: من يضبط خروج المارد؟، جريدة "الأخبار"، بيروت، 27 نوفمبر 2009.[4]_ الجنون المصري يبلغ ذروته والنخبة تنزل إلى الحضيض.. محامو مصر يتحولون إلى "بلطجية" ويحرقون علم الجزائر، جريدة "الشروق"، الجزائر، 23 نوفمبر 2009، ص 1.[5] د. عمار علي حسن، جمال مبارك وأبوتريكة، جريدة "المصري اليوم"، القاهرة، 17 نوفمبر 2009.[6] محمد مسلم، قنبل موقوتة في طريق "نجوم" مصريين، جريدة "الشروق"، الجزائر، 20 نوفمبر 2009، ص 16.[7] علي فضيل، أسقطناه في النيل، جريدة "الشروق"، الجزائر، 21 نوفمبر 2009، ص 2.[8] مصطفى فرحات، كابوس المونديال يقطع الطريق أمام توريث جمال مبارك، جريدة "الشروق"، الجزائر، 21 نوفمبر 2009، ص8.[9] د. عبدالمنعم سعيد، لم تكن مباراة في كرة القدم؟!، مصدر سابق.[10] أحمد عبدالمعطي حجازي، نحن أيضا مسؤولون!، جريدة "الأهرام"، القاهرة، 2 ديسمبر 2009.[11] محمود مسلم، خطايا الإعلام، جريدة "المصري اليوم"، القاهرة، 21 نوفمبر 2009.[12] أبوالسعود محمد وعمرو بيومي والوكالات، رئيس وزراء الجزائر: الصمت على "الغوغائية" كان أقوى من الرد عليها.. وسنمنع "أوراسكوم" من تحويل أموالها خارج البلد، جريدة "المصري اليوم"، القاهرة، 5 ديسمبر 2009.[13] عيسى بازين، الجزائر تؤرخ أزمتها الرياضة مع مصر في كتاب، موقع "اليوم السابع" الإلكتروني، 13 يناير 2010.

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

0 التعليقات على "مباراة في التجني"

أكتب تعليقا