مراهقة إعلامية

| |




فجأة، أقيمت سوق حرة للكلام المفتوحوالمزايدات بين مصر والجزائر.

وخرج كثير من البرامج المسائية والبرامجالرياضية المصرية في المحطات الفضائية المصرية والتليفزيون المصري من نطاق الإعلامالمحترف إلى دائرة السباب والردح، ووقعت في أخطاء مهنية أخرجتها عن السياق المهني،وفتحت فترات بثها للسب، ومنحت الحرية للجمهور كي يتواصل ويشتم، كما استضافتالفنانين والصحفيين والمطربين الشعبيين، الذين قالوا إنهم تعرضوا للمهانة بعدالمباراة كي يستفيضوا في شرح ما تعرضوا له في السودان على أيدي مشجعين جزائريين[1].

وانخرط مذيعون وكتاب وصحفيون في البلدين في تراشقاتٍ صبتفي أسئلة عن مدى تفوق وأفضلية هذا البلد أو ذاك أو هذا الشعب أو ذاك.

مهاترات، تساءل معها كاتبٌ مصري "هلنضعها على بند البلاهة الكروية التي تصيب الناس أحيانـًا الهلوسة أم نأخذها بجدية علىأنها تعبر عن العجز في تحديد علاقة صحية بين الجماعة الوطنية المصرية وغيرها منالجماعات؟"[2].

"الزلنطحية قادمون"!

هكذا صرخ الكاتب أسامة غريب، بعد أن قال"الدكتور" مصطفى عبده عن شهداء الجزائر إنهم "مليون لقيط"،وطالب أهل الجزائر بأن يلموا بناتهم العاهرات من الشانزليزيه[3].

وتابع الجمهور "أصواتـًا عبر فضائيات"المراهقة الاعلامية" أو‏ "فضائيات الجزم"‏ تطالب بانسحاب مصرمن بطولة الأمم الإفريقية في أنغولا إذا تصادف لقاؤها الجزائر في الأدوارالنهائية، بل إن هناك من طالب بإرسال فتوات وبلطجية وما شابه إلى الجزائر لمواجهةجماهيرها على الأراضي الأنغولية بالقوة لو لزم الأمر"[4]‏!‏

وفي صبيحة اليوم التالي للقاء القاهرةالذي فاز فيها منتخب مصر على نظيره الجزائري بهدفين نظيفين، لم يصدق البعض عينيهوهو يطالع صحيفة مصرية رياضية وضعت عنوانـًا هابطـًا بعد أن رسمت اللاعبينالجزائريين في صورة نساء "يا خضرة قولي الحق اتكيفتي ولا لأ" في إيحاءجنسي قبيح، وتضيف: "لقد أطلق المصريون من خلال معركتهم مع البربر الجزائريينصيحة الحرب على كل من تسول له نفسه المساس بمرمانا"[5].

ويروي د. إبراهيم السايح في جريدة"الدستور" المصرية، نماذج مزعجة لإساءات  زخرت بها صحيفة "عيون الليل" في تلكالفترة، ومنها تصوير رئيس الجزائر في شكل كلب، ودولة الجزائر في شكل امرأة عاهرةتفتح رجليها وقطار عليه علم مصر يستعد لاختراقها. وجريدة مصرية رياضية قالت عنالشعب الجزائري إن "البربر لا ينفع معهم إلا الضرب بالجزمة"!، وجريدةمصرية أخرى صوَّرت حسن شحاتة عريسـًا ومدرب الجزائر عروسـًا وكتبت تقول"الليلة ليلتك يا خضرة".. هذا بالإضافة إلى تلال أخرى من التجاوزاتالشفوية والتحريرية عجت بها كل وسائل الإعلام المصري قبل وبعد المباراتين اللتينلعبهما الفريقان المصري والجزائري[6]!



احتقان وتجاوزات توضح إلى أي حد إعلام"الرسالة" غائب.. ربما لأن إعلام التسالي غالب!

على المستوى الحكومي، أقر الدكتور مفيدشهاب وزير الشؤون القانونية والمجالس النيابية حينذاك، بأن الإعلام المصريوالجزائري خاصة القنوات الخاصة المصرية، لعب دورًا سيئا في زيادة التوتر بشأن هذه الأحداث[7]. وحامت وزارة الخارجية حولالفكرة نفسها، حين أصدرت في 19 نوفمبر 2009 بيانـًا حملت فيه ما وصفتهبـ"الإعلام المأجور" مسؤولية الأحداث المؤسفة التي أعقبت مباراة منتخبيمصر والجزائر لكرة القدم في الخرطوم، و"إخراج الرياضة في العالم العربي عنالروح الرياضية إلى روح النرجسية"، لكن الوزارة عادت وسحبت البيان بعد نحوساعتين ليخرج بعد ذلك حاملاً اسم إدارة الإعلام والدبلوماسية العامة بها[8].

وإذا كان البيان لم يوضح، بشكل صريح، منالمقصود بهذا الوصف، وهل هو الإعلام المصري أم الجزائري، فإنه تضمن في إحدى فقراتهاتهامـًا لـ"أجهزة إعلامية، هنا وهناك، بأن التهييج والإثارة هاجسها، ولغةالشحن الإعلامي المريض دينها"، بأنها "تبث سمـًا زعافـًا وتفوح منهرائحة الكراهية".

وبحسب الكاتب الصحفي علي السيد، فقد ارتكب الإعلام المصري سبع خطايا فيتلك الأزمة.

"الأولى أنه انجر خلف صحف صفراء لم يكن أحد يسمع عنها، ولم تكن ذاتقيمة في الجزائر، فضلاً عن أن أغلبها معاد للعرب والعروبة وبعضها موال لجهاتأجنبية تعمل ضد مصالح الجزائر نفسها وفي المقدمة تأتي الشروق والخبر والفجر.

"ثانيا تحدث الإعلام المصري للداخل وزاد من احتقانه وأدخله في حالةشحن معنوي وتركه دون أن يقول له ما الحل وكيف يثأر لكرامته المهدرة وماذا يفعل معمن أهانوه بطريقة غير مسبوقة، وفقا للشحن الإعلامي، وفي المقدمة تصريح وزيرالإعلام وقت الأحداث والذي أشعرنا أننا على شفا حرب.

"ثالثـًا لم يدرك إعلامنا أن من يتابعه في العالم العربي لايتابع الإعلام الجزائري نهائيـًا، بل لا أحد يعرف شيئـًا عن التليفزيون الجزائريوبالتالي تعامل "المشاهد العربي" مع إعلامنا باعتباره إعلام شتام وسبابيبث الحقد والكراهية ويحرق الأعلام، ويصرخ ويبكي من هزيمة في مباراة كرة قدم،بينما الصورة الأخرى لا أحد يراها لأنها هناك في الجزائر حيث لا صحافة يمكن أنتقرأ ولا تليفزيون يمكن أن يشاهد خارج حدود الجزائر.

"رابعـًا نقل وربما لأول مرة مفردات لا تقال في أسوأ الحالات وتركالحبل على الغارب لبعض أهل الفن والرياضة يستخدمون ألفاظـًا لم نسمع بها من قبل فيوسائل الإعلام، بل إن المهنية الحقة تحتم الابتعاد عن هذه الألفاظ في أي موقف.

"خامسـًا أظهر للناس أن المشجعين الجزائريين ارتكبوا جرائم ووقعوافي خطايا كبيرة يمكن أن تحرمها من دخول كأس العالم، بينما الواقع يقول إننا لانمتلك أي دليل إدانة يمكن أن نقدمه للفيفا.

"سادسـًا كانت وسائل الإعلام المرافقة للمنتخب تتابع النجوم ولمتركز ولو للحظة على ما يفعله جمهور الجزائر. سابعـًا اهتم بشكوى الفنانين ولم يضعفي حساباته ما جرى للجمهور المصري في السودان خارج الملعب"[9].



لقد تسببت تصريحات عدد من السياسيينوالإعلاميين في إشعال الأزمة مع الجزائر، وحاول كثيرون ركوب الموجة لتتفجرالأوضاع، ثم عندما غيَّرت الدولة اتجاهها وسارت نحو التهدئة عاد الجميع إلىالهدوء، ولكن بعد فوات الأوان. كما يتحمل الإعلام المصري جزءًا لا يستهان به منالأزمة، فقد تسبب في شرخ كبير بين مصر والجزائر وتعامل مع الموقف بعاطفية وناقشالموضوع بسطحية شديدة، ولم يكلف نفسه تحري الدقة وشن هجومـًا شرسـًا على كل ما هوجزائري بعد مكالمة من علاء مبارك، النجل الأكبر للرئيس المصري السابق، لأحدالبرامج الرياضية، فظن الجميع أن الهجوم على الجزائر هو ما تريده الدولة. وبعدفترة عندما هدأت الأمور حاول الإعلام التراجع عن موقعه، لكن فشل في ذلك وفشل فيإقناع الجميع بالتهدئة[10].

ومع ذلك فإننا لن نجاوز الحقيقة إن نحنقلنا إن الإعلام الذي نظم حفلات للصراخ ورواية حكايات الإهانة، ليس الوحيد الذييتعين إلقاء اللوم عليه في تلك الأزمة. لقد رأى كثيرون في الإعلام أداة التحريضوالتضليل والتصعيد المتدني في مصر والجزائر، ونسوا عن غفلة أو عمد أن الإعلام هوقمة الجبل الذي يخفي في أعماقه وتلافيفه الأسباب الحقيقية للأزمة[11]. نعم، الإعلاممسؤول جزئيا، لكن الأخطر هو المخزون من الصراعات الاجتماعية، والقهر الاستبدادي،وتراكم الإحباطات النفسية، وتدني لغة الحوار، وهزيمة الروح الرياضية. وحين أمرالرئيسان المصري والجزائري بوقف حملات الإساءة في وسائل الإعلام في البلدين، بناءعلى وساطة من الرئيس السوداني عمر البشير والزعيم الليبي معمر القذافي[12]، صمتت المدافعفجأة كأن شيئـًا لم يكن. والشاهد أن هذه التحولات قد تشير في جزء منها إلى أنالنظام وجد في التفوق الكروي النسبي الذي أحرزته مصر على مدى السنوات الأخيرة"مطية طائعة لتخدير الجموع المحبطة، وتعويضـًا سهلا عن إجهاض الأحلامالحقيقية في الحرية وتداول السلطة ومقاومة الفساد وتحقيق الإنجاز"[13].

إن ارتباك السياسة الإعلامية هو الوجهالمقابل لإخفاق السياسة الخارجية وانحسار التأثير الثقافي، فلا يمكن لواقع بائس أنيعكس نفسه في مرآة الإعلام صورة زاهية.

وإذا كنا ندين أكاذيب رددتها صحف جزائريةفقدت مصداقيتها وهبطت في لغتها لتصنع مجدها على حساب الحقيقة والعلاقات بين شعبينشقيقين بينهما تاريخ كبير وأواصر لا تزول بسهولة، فإننا مطالبون في الوقت نفسهبإدانة أداء رياضيين – وآخرين من الدخلاء غير المؤهلين- ممن اقتحموا الفضائيات فيمصر مسنودين بأموال ونفوذ المستثمرين، لكنهم لم يكونوا على مستوى المهمة، فشتمواوأساؤوا، وتحدثوا عن الجزائريات في فرنسا والغرب بما لا يليق.

وبأسلوب مجاراة القطيع، وقع البعض في مصرفي فخ الانجرار وراء من وُصِفوا بأنهم "كتيبة من الجهلة" تجعلنا "نخسركل يوم المزيد من سمعتنا المهنية والقومية"[14].

هوامش

[1] أسامة هيكل، مذيع أم مثير، مصدر سابق.
[2]سامر سليمان، الحركةالديمقراطية الصاعدة والوطنية المصرية - إعادة بناء مفهوم الجماعة الوطنيةبعيدًا عن بيشوي والعوا ومتعصبي الكرة، مجلة "البوصلة" الإلكترونية، http://elbosla.org/?p=1374،أكتوبر 2010.
[3] أسامة غريب، الزلنطحيةقادمون، جريدة "المصري اليوم"، القاهرة، 3 ديسمبر 2009.
[4] عماد عريان، الجزائرـ فوبيا‏..!‏، جريدة "الأهرام"، القاهرة، 2 ديسمبر 2009.
[5] د. عمرو الشوبكي، الكرة وصفر الإعلام العربي ، جريدة"المصري اليوم"، القاهرة، 19 نوفمبر 2009.
[6] د.إبراهيم السايح، الله يرحمك يا شيخ كشك، جريدة "الدستور"، القاهرة،28 نوفمبر 2009.
[7] أمل الحناوي، شهاب يعلن قطع العلاقات الرياضيةمع الجزائر، مصدر سابق.
[8] شريف عاشور، "الخارجية" تصدر بيانـًايحمّل "الإعلام المأجور" مسؤولية أحداث المباراة.. ثم تسحبهوتنسبه لإدارة الإعلام، جريدة "المصري اليوم"، القاهرة، 20 نوفمبر 2009.
[9] علي السيد، خطايا الإعلام، جريدة "المصرياليوم"، القاهرة، 22 ديسمبر 2009.
[10] أسامة دعبس، المنتخب الوطني ضحية خلط السياسة بالرياضة.. وإعلامفشل فيالتعامل مع الأزمة، جريدة "الدستور"، القاهرة، 15 مارس 2010.
[11] د. عواطف عبدالرحمن، تجليات وتداعيات ما بعد الأزمة،جريدة "المصري اليوم"، القاهرة، 13 ديسمبر 2009.
[12] DinaEzzat, Dangerousgames, Al-Ahram Weekly, http://weekly.ahram.org.eg/2009/976/eg1.htm,December 10,  2009,
[13] ياسر عبدالعزيز، مصر مرتبكة، مصدر سابق.
[14] عمادالدين حسين، لجنة تحقيق، جريدة"الشروق"، القاهرة، 25 نوفمبر 2009.

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

0 التعليقات على "مراهقة إعلامية"

أكتب تعليقا