في حضرة "الكتاب الزئبق"..1-2

| |

في حضرة "الكتاب الزئبق".. (1-2)



في حضرة "الكتاب الزئبق".. (1-2)

"يوميات ساحر متقاعد" للكاتب المصري د. ياسر ثابت، كتاب كالزئبق. كل جملة فيه تحيلك إلى أخرى أقوى، والأقوى إلى ما هي أجزل، والأجزل إلى ثالثة أكثف. وكلها تأسرك في عمق المعنى، فتغرق في بحور الكنايات. فمثلاً تجد قصة متكاملة العناصر في سطرين. مشهد قصير بالألوان يلخص رواية مليئة بالتفاصيل في فقرة لا تتعدى أربعين كلمة. حكمة في عشر كلمات أو أقل. تحريك جميل لذات الحرف في كلمتين مختلفتين لتطّلِع على تناقض المعنى رغم مساحة التحريك المحدودة.. المحدودة جداً.
وهذا الكتاب يشبه كاتبه، وفيه يصف حاله فيقول: "يشبه الرجل الزئبق.. حال بين الصلابة والسيولة.. فلا هو هش قابل للكسر، ولا هو صلب يستعصي على الصهر.. ويستدرك: "أفضل ما في الزئبق أنه قد يساعد على استخلاص الذهب من خاماته.. وأسوأ ما فيه أنه يصعب الإمساك به". وهذا حال كتابه، الذي حاولت أن ألخصه، فكان كله. وهنا كله، لكن في بعضه. وإن تمكن أحدكم الإمساك به فلا يهديه لغيره.
يبدأ د. ثابت بأن يهدي كتابه "إلى المرأة التي تخاف على بياضها من حسد الثلوج"، ويقول لها: "ها أنا أدفن الضوء.. حياً". وفي المقدمة يطرح نفسه ببساطة: "هذا أنا: أنتم". وعما جاء بين دفتيه يقول: "الصفحات التالية ليست سوى شاهد ملك في قضية خاسرة، وربما كانت مرافعة في قاعة محكمة غادرها المتهمون وبقي القاضي يشكو وحدته داخل زنزانة تليق بمهابته". ويشبه قصصه التي يحكي عنها بـ"الخمر"، إذ "تتعتق حين تروى".
عناقيد الأمنيات..
وعنده "الكاتب الأصيل طينة من تذكارات شرسة، يتحدى ويتمرد، يرصد ويسجل حتى النهاية، وعندما تذهب إلى قبره لا بد أن ترى قدميه خارجتين منه. وهو أيضاً إنسان مستعد لأن يجرح قلبه حتى ينظم قصيدة عن جمال حبيبته". "والمدون ينزع قفازات يديه ليكتب بحبر أصابعه.. ليتحدى أكاذيب الإعلام الرسمي، ودعاية أصحاب الأقلام الخاضعة الخانعة، وسطحية المسلسلات التلفزيونية الرخيصة".
ويجيب د. ثابت عن السؤال المزمن الذي يطارد أي كاتب متمرس: لماذا نكتب؟ بالقول: "لقد علمتني الدفاتر التي أضعها تحت إبطي أن الكتابة درس في التنفس". "نحن نكتب لنقاوم الفناء الذي يطوق سراب صورنا مع أحبتنا – أو من كانوا كذلك – على جدران الذاكرة". ويضيف: "نحن نسطر تلك الذكريات حتى نؤكد لهم ولأنفسنا أننا شفينا من أوهامنا التي جعلتنا نظن أننا وجدنا أخيراً من نحبه إلى الأبد". وفي نظره: "الكتابة مغامرة شخصية بامتياز لكل من قرر أن يقطف عناقيد الأمنيات التي تتدلى فوق خاصرة المدينة". فـ"الكتابة مواجهة، ففي هذا العالم الفسيح لا مكان للهرب". بشرط أن تكون "كماتنا تشبهنا.. إلا إن ارتدينا الأقنعة".
الكتابة.. فعل الإنصات للذات والآخر..
يقول د. ثابت: "عندما نكتب فإننا نتنفس.. نستنشق هواء الحرية، فعل الإرادة". ولصديقه "الذي وقف على حافة اليأس من الكتابة وقرر أن ينتحر بالصمت"، يقول: "اكتب كي تبقى حياً ترزق.. اكتب حتى تضمد جراحك النازفة، أو تستأصل من جسد الشارع ما لا يلزم". ويستطرد: "الكتابة يا صديقي فعل إنصات للذات وللآخر، يمنحنا نوعاً من التواطؤ الخلاق بين الكاتب والمتلقي".
إذاً، "فلنكتب حتى تسقط الجدران ويتساقط المطر الناعم على أرضنا الطيبة فيروي عطشها إلى الحرية". "اسكب سطورك التي تقطر حرية في إناء العقل وفضاء الروح.. فكل حرف مغموس بحبر الصدق والإيمان، يبعدنا خطوة أخرى عن حالتنا المزرية كجمهورية موز، أو مملكة فساد أو إمارة لذة". "اكتب.. ففي كل ديانة كتاب مقدس.. وفي كل ثورة كلمات مقدسة". فـ"الأفكار لها أجنحة.. لا أحد يستطيع أن يمنعها من الطيران". كم أنه "لا شيء يموت.. فالأفكار تبقى وتزرع وردة في عقل قارئ واحد على الأقل.. وهذا يكفي ويزيد".
"الموسيقى وعي"..
ويصف د. ثابت الموسيقى بأنها "سر البهاء والأحزان النبيلة والمتعة التي تتغذى على رغيف الجسد". فهي "تنتشر في المكان، وتقتحم السماء، كأنها وباء من النشوة المتنقلة". "وهي القصيدة الوحيدة في العالم التي يمكن أن نقرأها من دون ترجمة.. هي تترجم نفسها ذاتياً للآخرين..". فـ"حين تتسلل الموسيقى إلى عقولنا وتغفو على راحات اليد مثل عصفور، نكتشف كم نحب هذا الكون.. نعشق هذا الحبيب.. نشكو هذا البعاد.. نطرب لهذا المغني..". و"ترحل بنا إلى جزر بعيدة.. وتقف بنا على أبواب الأزمنة.. تمنحنا معطف الدفء وفرو الطمأنينة.. تمارس فن الغواية. وتبكي مثل حورية تشتاق إلى الماء".
أيضاً، "هي الحب الذي يأتي من دون موعد.. وأسرع وسيلة لاستدعاء الذكريات التي نخبئها عن الآخرين وعن أنفسنا". "هي إذاً الحب المناسب.. في أي وقت.. والحزن اللائق.. في أي زمن". "نحب الموسيقى ونعرف مقامها: دائماً في القلب". حتى أن "الراكب الأخير لا يفعل شيئاً سوى أن يطقطق أصابعه، كأنما يبحث عن نغم شريد بين الأصابع". فـ"ما من موسيقى حقيقية إلا تلك التي تجعلنا نجس الزمن". ويخلص إلى أنه "لولا هيمنة العقل لحلت الموسيقى محل الفلسفة".
المرأة نص أدبي.. وأكثر
يرفض د. ثابت الوصف الشهير للنساء بـ"الجنس الناعم"، إذ إن "الرجل عادة هو الجنس الناعم.. فحين تحبه امرأة يذوب مثل قطعة سكر.. وحين تهجره حبيبة، يبكي مثل طفل.. وعندما تمتدحه أنثى يظهر الطاووس داخله وتطول قامته بضعة سنتيمترات". فالـ"عاشق يقبل المرأة التي تترك له باب أحلامها موارباً، والقبلة شجرة يشعلها عاشقان كي يستدفئا بها إلى الأبد".
"والمرأة لا تموت إلا حين يكف من تحبه عن حبها". وحين تكون "عيناها تمارسان لغة التحريض"، لتقول للرجل: "كن منفلت السهم، لأكون عصية الصيد"، تبدو "ابتسامته المنصوبة على وجهه فخ متيقظ، لاصطياد رعشة وجهها".
وعندما تقسو المرأة على الرجل، تتجلى حكمة تقول: "حين تهدي قلبك لامرأة فإنها قد تمضغه مع علكتها". والمرأة قد تخونك وإن كنت إلى جوارها. فهذه "فتاة تنظر بوله إلى المغني فوق خشبة المسرح.. نظرات تدل على أن الفتى الذي يرافقها إلى الحفل لا يعني لها شيئاً، وأنه مجرد بديل ناقص لمثالها الأعلى الحقيقي".
هذه قسوة ليست دائمة، فهناك "رجل يسأل المرأة التي أغمضت عينيها عما تفعله. يتجلى فجره في مرأتها، فتقول ببراءة: أحاول تخيل العالم في حال غيابك". ثم "تتركه في عطرها وتمضي، فيتساءل: كيف يمكنني تحمل رائحة البشر، بعد أن غمرني ذات صباح عطر الملائكة؟!".
تعود القسوة مرة أخرى حين "تقول له الفتاة العابثة: لعينيك أطلي أظافري، ولظهرك أطيلها". لكن "الأكيد أن النساء احتكرن الحنان كي نتكئ عليه حين نشعر بضعفنا أو تجرفنا القسوة". والأكيد أيضاً أنه "حين نحب تولد الحماقة". وهذا حال كل "عاشق فذ، وجلاد فظ".
يعود المشهد إلى جماليته من جديد فيقول د. ثابت في إحداهن: "بشرتها بياض يرتب فوضى الألوان، قبل أن يخرج ليتنزه في أحراش الرغبة". فهي "طاغية شقراء، تفرض بخناجر شهوتها حظر التجول، وتعلن حالة الطوارئ في شوارع الجسد"، الذي يصفه قائلاً: "جسم المرأة قيد، لكن روحها فضاء".
يراها في إحدى المرات "ترفع خصلة شعرها بصلوات أصابعها، فيسجد لها الهواء مغشياً عليه". ويتساءل: "ترى من يمشط شعرها في غياب الريح؟". و"حين نحب يجب أن تقاتل من أجل كنزك الأغلى. لا تنتظر أن تمطر الدنيا حباً.. عليك أن تكون صانع المطر".
و"في قاموس الحب لا توجد كلمة اسمها حقد.. إلا إذا كان الحب عملة زائفة ومزورة تسللت إلى الأسواق في غفلة من شرطة العشاق". فـ"في المادة الثالثة من دستور الحب، لا يجوز أن يخذل أحدكما الآخر.. وعلى المتضرر اللجوء إلى سلطة العقل لتقدير حجم الأضرار". ويظهر ذلك عادة بسبب الكذب الذي هو "عدو الحب.. وفي اللحظة التي تكذب فيها على من تحب، فإنك تدق مسماراً في نعش حبكما".
على أي حال، تبقى قراءة الرجل للمرأة مثل فهم كل منا لنص أدبي واحد بشكل مختلف، فـ"النساء مثل النصوص الأدبية، تُقرأ من كل الجهات".
موسى محمود الجمل
دبي
26 أكتوبر 2011

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

4 التعليقات على "في حضرة "الكتاب الزئبق"..1-2"

أكتب تعليقا