الحقونا

| |


أصابت موقعة أم درمان كثيرين بالعمى الكروي والسياسي

وبينما كان الجزائريون يقيمون احتفالاتبتأهل منتخب بلادهم لكأس العالم في جنوب إفريقيا، كانت الفضائيات المصرية مشحونة بالغضب لشهاداتشخصية لمشجعين مصريين تحدثت عن تعرضهم للضرب والتهديد بالأسلحة البيضاء على يدمشجعي الجزائر.

"الحقونا... إحنا بنموت"!

هكذا تحشرج صوت المطرب محمد فؤاد في صرخةاستغاثة من أم درمان[1].


 مبالغةحوّلت المشاعر بالخسارة المصرية أمام الجزائر في مباراة كرة القدم، إلى سخط وصل بأحمد موسى، أحدمقدمي برنامج "القاهرة اليوم" على قناة "أوربت"، إلى أن يصرخ:"أرجو تدخل سريع، ولادنا في السودان بيموتوا من الجمهور الجزائري"و"الجزائريين بيقتلوا في مصريين في الخرطوم ما كفاهموش اللي حصل فيالجزائر" و"أرجوكم، وإلا نناشد جمهورنا يقتل الجزائريين الموجودين فيمصر"[2].

لاحقـًا نشرتصحيفة جزائرية تفاصيل ما وصفته بأنه "شريط فيديو يكشف المؤامرة المصرية تحتعنوان "هكذا تآمر محمد فؤاد وعمرو أديب في مسرحية "النجدة إنابنموت"[3]،والذي كشف عن تسجيل ظهر على موقع "يوتيوب"[4] يبين أن الفنانالمذكور كان يستنجد بمقدمي البرنامج وهو جالس على كرسي "في مكان آمن"وسط مشجعين مصريين. وبعد تلك الواقعة بنحو 16 شهرًا، قال محمد فؤاد في مداخلةهاتفية مع أحد البرامج التليفزيونية إنه اقتنع بعد ثورة 25 يناير في مصر بأن ماحدث في أم درمان كانت تقوده أصابع خارجية وليست جزائرية[5].

 وظهر كثير من المذيعين والضيوف وكأنهم غيرقادرين على السيطرة على ألسنتهم، فانطلقت الاتهامات العشوائية والسباب في كلاتجاه، وكأن الموضوع صار مزادًا علنيـًا يكسب فيه من يصرخ بصوتأعلى ويستخدم أكثر العبارات حدة وإثارة‏.‏ وتوالت المزايدات، فطالب البعض بمقاطعةالجزائر على الصعيد الفني والاقتصادي والسياسي، أو باحتجاز كل الجزائريينفي مصر ومنعهم من مغادرة البلاد‏.‏ وحاول كل واحد أن يخطو خطوة أبعد من الآخرينليظهر أنه لا يقل وطنية عن غيره‏[6].‏

تواردت الأنباء في الإذاعات والفضائيات مع استغاثاتتتحدث عن حالة فوضى شاملة وهجمات مشجّعين جزائريين أولا بالحجارة لتكسيرالحافلات، ثم بالأسلحة البيضاء. الهجوم أثار الفزع الكبير، خصوصـًا في صفوفإعلاميين وفنانين وفنانات تم نقلهم إلى السودان، بعد أن أفهموهم أنهم ذاهبون إلىمهمة قومية هي الأهم في التاريخ المصري الحديث.

كانت مواجهة فريدة بين مشجعين لا يمثلانفي الغالب الأعم الشعبين الجزائري والمصري على النحو الأمثل. فالجزائريون في لقاءأم درمان كانوا في أغلبهم من العناصر غير المتعلمة وربما الفئات التي لا تتبع سلوكـًامتحضرًا، لكنها في النهاية لا تمثل الشعب الجزائري كله. والمصريون الذين ذهبوا إلىهناك كانوا في معظمهم رجال أعمال وفنانين وصحفيين وقيادات وعناصر تابعة للحزبالوطني، وبالتالي لم يكن الصدام بين مجتمعيّن فقط، بل بين فئتين من فئات كل شعبتختلفان في السلوك والرؤية[7].

الطريف أن جريدة "الأهرام ويكلي" أشارت إلىذلك لاحقـًا في سياق حديثها عن أن جمهور المباراة من الجانب المصري لم يكونوامشجعي كرة قدم "حقيقيين"، وإنما كانوا في الأساس مجموعة من أهل الفنوالإعلام وأعضاء في الحزب الوطني الديمقراطي الحاكم، بالإضافة إلى عدد من الشبانالأثرياء القادرين على تحمل ثمن تذاكر الطائرة. في المقابل، غاب عن مقاعد المشجعينالمصريين أفراد الجمهور "الحقيقي" الذين اعتادوا شراء تذاكر الدرجةالثالثة وأرخص فئات تذاكر المباريات، ممن يستطيعون التشجيع  والهتاف دون خوف من مشجعي الفريق المنافس،ويملكون القدرة على الدفاع عن أنفسهم ضد أي اعتداءات قد يقوم بها مشجعون جزائريون[8].

عقب مباراة أم درمان، تكهرب الجو وزادتالمخاوف في ظل حديث البعض عن احتمال انشغال قوى الأمن السودانية سواء في الملعب أو بمرافقة البعثةالرسمية (المنتخب الكروي، إضافة إلى علاء وجمال نجليّ رئيس مصر حينذاك حسني مبارك،اللذين عادا على متن طائرة رجل الأعمال محمد أبو العينين). السفير المصري فيالخرطوم نفى علمه بسقوط قتيل مصري، ولا حتى بهجمات "بلطجية نزلوا الخرطوم واشتروا الخناجروالسكاكين والسيوف"، كما قال وزير الإعلام حينذاك أنس الفقي، في مداخلة متكررة مع إذاعات وفضائيات،مشيرًا إلى جهود حكومية لإنقاذ المختبئين في بيوت الخرطوم ومطاعمها[9].

 فيليلة الهستيريا، دارت آلة الإعلام بشكل محموم، فيما دعت البرامجالمصرية وأبرزها "القاهرة اليوم" الذي يقدمه عمرو أديب على قناة"أوربت" و"دائرة الضوء" الذي يقدمه إبراهيم حجازي على"النيل للرياضة" إلى كف الحديث عن الوحدة العربيةومراجعة المواقف المصرية نحو تلك الحوادث التي تصدر من العرب.

فجأة انهال الحديث بالهجوم على العروبة كمالو كانت هي المسؤول عن إهانة "الفراعنة"، وحشر وصف الشقيقة الكبرى كمالو كان واجب الأشقاء الصغار منحها ما تحلم به. وطال الانتماء العربي نقد وتجريحقاسيان من قبل أطراف عدة، إذ ببساطة مدهشة أبدى البعض استخفافـًابذلك الانتماء ونفورًا منه، وأبدوا استعدادا للاستقالة منه. وقد استهجنه واستنكره علاء مبارك، حين قال في تعليقه الذيأعيد بثه أكثر من مرة إنالعروبة لم يعد لها معنى، كمانشر على لسان وزير التنمية الاقتصادية السابق محمد عثمان قوله أماممؤتمر التنمية في 24 نوفمبر 2009 إن مصر قوية بعروبتها أو بغيرها، وهي لا تقبل أن يكون الانتماء العربي عبئـًا عليها[10].وتخلل الخطاب العام المصري، كلام صاخب، معظمه سطحي، عن عظمة الحضارة المصريةالقديمة، ليكتشف البعض فجأة أنهم ليسوا "عربـًا"، بل "فراعنة"[11].

"أنا لا أنتمي لآبار "النفطوالصديد"، ولا لثقافة "الإرهاب المسلح"!

هكذا صرخت كاتبة صحفية مصرية في مقال لها،قبل أن تحرض المصريين على مواجهة "العصابات المنظمة" التي "يسمونهادولاً"، قائلة إننا "لن نخسر كثيرًا إذا اعترفنا بأن ما يُسمى:"أمة عربية واحدة" مجرد كابوس نتمسك به[12]!

وذهب أحد الكُتاب إلى ما هو أبعد من ذلك حينهاجم "دراويش العروبة" و"خرافة القومية العربية"، "فنحن،المصريين، لسنا أمة لقيطة حتى ننتحل هويات جيران لا يحترموننا، بل تحكمهم"عقدة الدونية" تجاهنا"، وقال إنه لو خاض منتخب مصر لقاء مع منتخبإسرائيل على استاد تل أبيب، "فإن المشجعين الإسرائيليين لن يكونوا أكثرعدوانية ووقاحة من سلوك مشجعي الجزائر"[13].



في المقابل، اختارت صحيفة جزائرية إصابة أكثرمن عصفور بحجر إساءة واحد عبر عنوان "هدف عنتر يحيى مزق شباك آل مبارك ولوبيالتطبيع مع إسرائيل"[14]،وتساءل الكاتب الصحفي الجزائري رشيد ولد بو سيافة قائلا: "ماذا فعل أنصارنافي السودان حتى أصبحت الجزائر أسوأ من إسرائيل في نظر الإعلام الرسميالمصري؟" قبل أن يقول "اسمعوها منا بالفم المليان، إن زمن الريادةالمصرية للعرب ولّى منذ أن زال الرئيس الراحل أنور السادات إسرائيل ووقع معهامعاهدة كامب ديفيد، ولا يمكن أن نرى في مصر التي يرفرف بها العلم الإسرائيلي قدوةلنا"[15].

ومع قرع طبول الأزمة، فوجئنا بمذيع رياضيمصري في قناة فضائية يصف سفير الجزائر في القاهرة بأنه حقير[16]،فيما طالب آخرون - في انفعال زائد بما جرى، يفوق القدرة على رؤية حقائق الأمور- السفير الجزائري بالعودة لبلده، في حين أنهلا يملك التحرك إلا بتوجيه من دولته أو من الدولة المضيفة[17].ولم يكن طرد السفير ليغير شيئـًا من واقع المصريين في الخارج عمومـًا، وليس فيالجزائر وحدها، كما أن استدعاء سفير مصر من هناك للتشاور لم يكن يومـًا الحل لجوهرالمشكلة، ولكنه تعاملٌ مع السطح فيها!

ولاحظ البعض أن جناحـًا في دوائر السلطةوصنع القرار في البلدين يشجع حملات الكراهية التي وصلت إلى مستويات خطيرة[18]. وضخَّم بعضالسياسيين أعمال الشغب (المرفوضة) ليكسبوا أرضـًا لدى الشارع الكروي المتعصب والمنفعل. وفيمصر كشف عن جانب من هذه التغذية الرسمية لوحش الأزمة شخصٌ بوزن السفير المصري فيالسودان، حين تحدث عن عدم السماح لوزير الخارجية حينذاك أحمد أبو الغيط بإجراءمداخلة تليفونية في التليفزيون الرسمي للرد على ما قيل في أحد البرامج، وما حدثمعه شخصيـًا من قطع كلامه بعد دقيقة واحدة في برنامج وعدم الرد على طلبه عملمداخلة لتوضيح الموقف في برنامج آخر[19].


وصب وزيرالإعلام حينذاك أنس الفقي مزيدًا من الزيت على النار حين قال بعد الأزمة "بلاعروبة بلا بتاع"، فضلاً عن قيامه في اجتماع لإحدى لجان مجلس الشعب بغمزالأمين العام لجامعة الدول العربية حينذاك عمرو موسى بطريقة غير مباشرة بقوله"إننا أمام صمت مدهش ومثير من جامعة الدول العربية على هذه الأحداث"[20]، مع أن الجامعةالعربية حاولت تطويق الأزمة وقدمت مقترحين واضحين "يتعلق الأول بالوقف الفوريللحملة الإعلامية في وسائل إعلام البلدين، بينما يتعلق المقترح الآخر بمنع النخبةمن حضور المباريات المقبلة"[21].


هوامش




[1]_____________،الأمن يفرق تظاهرة أمام سفارة الجزائر.. ووقفة احتجاجية تحمل شعار "كرامة المصريأولا"، جريدة "المصري اليوم"، القاهرة، 20 نوفمبر 2009.


[2] ________________، نائب رئيس تحرير الأهرام يدعوإلى قتل الجزائريين في القاهرة، جريدة "الشروق"، الجزائر، 22 نوفمبر2009، ص 13.


[3] سامر رياض، هكذا تآمر محمد فؤاد وعمرو أديب فيمسرحية "النجدة إحنا بنموت"، جريدة "الشروق"، الجزائر، 25نوفمبر 2009، ص 3.


[4] ______________، عاجل: محمد فؤاد فضيحة منالعيار الثقيل.. مباراة الجزائر، http://www.youtube.com/watch?v=H2liF63R5D8


[5] أحمد سعيد، فؤاد: أبوس رجل كل واحد في التحريرلإنهاء الاعتصام، موقع"اليوم السابع" الإلكتروني، 6 فبراير 2011.


[6] شريف الشوباشي، إعادة نظر فيالإعلام، مصدر سابق.


[7] د. حمدي صالح، الأزمة وصوت العقل، مصدر سابق.


[8] Dena Rashed, "Ready, steady,defend", Al-Ahramweekly,http://weekly.ahram.org.eg/2009/974/fe1.htm, Cairo, November 26,2009.


[9] وائل عبدالفتاح، ليلةالهروب من الخرطوم: حين تقود الغوغاء الشعوب، مصدر سابق.


[10] فهمي هويدي، بعد صدمة الخرطوم: الخطايا العشر،مصدر سابق.


[11] د. عمرو الزنط، عن الهوية المصرية، جريدة"المصري اليوم"، القاهرة، 28 نوفمبر 2009.


[12] سحر الجعارة، تسقط العروبة، جريدة "المصرياليوم"، القاهرة،20 نوفمبر 2009.


[13] نبيل شرف الدين، وقائعمباراة مصر وإسرائيل، جريدة "المصرياليوم"، القاهرة، 23نوفمبر 2009.


[14] وهيبة سليماني، هدف عنتر يحيى مزق شباك آل مباركولوبي التطبيع مع إسرائيل،جريدة "الشروق"، الجزائر، 25 نوفمبر 2009، ص 6.


[15] رشيد ولد بوسيافة، احترمواأنفسكم، جريدة "الشروق"، الجزائر، 20 نوفمبر 2009، ص 3.


[16] أسامة هيكل، مذيع أم مثير، مصدر سابق.


[17] د. محمد محمود الإمام، الحمقى يتسيدون، جريدة"الشروق"، القاهرة، 2 ديسمبر 2009.


[18] Shenker, Jack, More to Egypt riotsthan football, TheGuardian,http://www.guardian.co.uk/commentisfree/2009/nov/25/egypt-riots-football-world-cup, London. November 25, 2009.


[19]رانيا بدوي، السفير المصري في السودان يفجر مفاجآتصادمة في حوار لـ"المصري اليوم": أبلغنا القاهرة بتحركات الجزائريين وشراءالأسلحة قبل المباراة بثلاثة أيام، مصدر سابق. 


[20] حسنين كروم، حركةلمنع التطبيع مع الجزائر ومقاطعة عمرو موسى، جريدة "المصرياليوم"، القاهرة، 9 ديسمبر 2009.


[21] رمضان بلعمري، اقتراحعربي بمنع حضور السياسيين والفنانين مباريات الجزائر ومصر، مصدر سابق.

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

2 التعليقات على "الحقونا"

أكتب تعليقا