ليلة الرعب في السودان

| |




وكأن كل ما حدث قبل مباراة أم درمان وأثناءهاوبعدها لم يكن كافيـًا

 فقد خرجت علينا صحف ومواقع صحفيةإلكترونية بعناوين من قبيل "السفارة الجزائرية تحت الحصار ودعوات لإبادةالجزائريين في مصر"، "الهزيمة أفقدت المصريين توازنهم العقلي.. الشعبالجزائري يتعرض لحملة شتم وتشويه غير مسبوقة"، "تصريح رسمي يتحدث عنتلفيق وإشاعات وتضليل إعلامي.. الأمن السوداني يفضح أكاذيب المصريين بوقوع مذابح"،"الرئيس حسني مبارك هدد بتدخل عسكري في السودان"[1].
 واختارت صحف ومواقع إلكترونية أخرى عناوين منطراز "عنتر يحيى يغتال أحلام المصريين ويصعد بالجزائر إلىالمونديال" و"الجزائر تصرع الفراعنة بهدف وتتأهل إلى المونديال"،وأخرى بمانشيتات مثل "الله أكبر... ظهر الحق وزهق الباطل" (منالصحافة الجزائرية المحتفيةبفوز منتخبها) و"تفاصيلالحرب الجزائرية على مصر" و"قدر الله.. وما شاء فعل" (من الصحافة المصرية المنددة بعنف بعض المتعصبين الجزائريينوالحزينة على خروجالمنتخب)[2].


وظهرت يوم الجمعة الموافق 20 نوفمبر صحيفة يومية مصريةيتصدرها عنوان بالخط الأحمر العريض "رعب في السودان" ويحتوي على صورة فوتوغرافية ملونة كبيرة لنساء مضمدات الرؤوس،وشرطي يحمل سكينـًا ذات نصلطويل، وتحت الصورة قال الشرحالتوضيحي، إن السكين الطويلة استخدمها مشجع جزائري ضد مشجع مصري[3].
حملات الكراهية المتبادلة بين المصريينوالجزائريين امتدت إلى المواقع الإلكترونية التفاعلية مثل "يوتيوب"و"فيسبوك"، وامتلأت تلك المواقع بأعداد متزايدة من التعليقات والرسومالكاريكاتيرية والمواد الفيلمية والغنائية (خاصة أغاني الراب) التي تبادل فيهاالمصريون والجزائريون الإهانات واللعنات بأقذع الألفاظ .وشهدت مواقع مثل "يوتيوب" نشر مقاطع منأفلام أجنبية مشهورة تمت دبلجتها بحيث تروي قصة تسيئ للمنتخب المنافس، ليسفقط على مستوى التاريخ الرياضي، ولكن أيضـًا على المستوى السياسي، ليرد الجانبالآخر بالأسلوب ذاته[4].
ونلفت الانتباه إلى أن مستخدمي هذه الوسائطالحديثة، هم بوجه عام في البلدين من المتميزين اجتماعيـًا واقتصاديـًا، ما ينفيصفة الفقر المادي عن جموع الغوغاء في تلك الأزمة.
وبحسب تقرير لمراسل محطة "سي إنإن" الإخبارية الأميركية، فإن "المشكلة الأساسية على ما يبدو لا علاقةلها بكرة القدم أو الجزائر، بل بوجوداستياء عميق بين المصريين،الفقراء والأغنياء على السواء، ضد النظام المصري الاستبداديوالكهل، الذي ينظر إليه كثيرون على أنه أكثر اهتمامـًا بالحفاظ على نفسه ووجوده والإثراء الذاتي أكثر من اهتمامه بتوفير الرفاهالعام".


وشعر البعض بالقلق حين عقد الرئيس السابق مبارك اجتماع "مجلس أمنقومي" ضم رئيس الحكومة وعددا من الوزراء ورئيس المخابرات العامة ورئيس أركانحرب القوات المسلحة وقيادات سياسية أخرى، فيما استدعت مصر سفيرها لدى الجزائر عبدالعزيزسيف النصر للتشاور[5].ولم تمانع الدولة من قيام مظاهرة أمام سفارة الجزائر. ولولا السرعة التي تدخل بهاالأمن لتحولت المظاهرة التي تجمعت أمام سفارة الجزائر إلى كارثة مروعة إذا شاركفيها عاطلون ولصوص، والتحول لنهب المتاجر والمنازل وتدميرها، ومع ذلك تم تحطيمواجهات أربعة محال[6]ومحطة بنزين وتعرضت 15 سيارة خاصة وتابعة للشرطة لخسائر وتلفيات[7]، وأصيب35 ضابطـًا وجنديـًا[8]،إضافة إلى إصابة عدد من المتظاهرين بجروح، على الرغم من إغلاق الأمن حي الزمالك[9]، واعتقال20 شخصـًا[10].
وعلقت الصحافة الجزائرية على ذلك التطور بعناوين صارخة، مثل: "تسللواعلى متن زورق لمقر إقامة السفير وحاولوا حرقها: مصريون يقتحمون إقامة حجار،يهاجمون السفارة ويحرقون العلم الوطني"[11]. ورأى محمديعقوبي أن ما يتعرض له السفير الجزائري في القاهرة "دليل قاطع على أن مرارةالهزيمة في أم درمان أفقدت المصريين إعلامـًا وسياسيين أعصابهم"[12].
عززت تلك التطوراتالمؤسفة من رؤية الذين روَّجوا لنظرية مفادها أن الدولة المصرية‏ بدأت تدفع الثمن،بعد أن كانت قد "ركبت الموجة‏" وتعمدت غض الطرف عن المشاحنات الإعلاميةبين مصر والجزائر التي سبقت مباراتي القاهرة وأم درمان،‏ لتبدو انتصارات الفريقالقومي وكأنها من إنجازات النظام والحزب الحاكم‏.‏
وما بين حرب التعصب والاتهامات المتبادلة،فاجأ مجلس الوزراء في مصر كثيرين بتفاصيل محاولة لم تكتمل للابتعاد بالمباراةالفاصلة عن المحيط العربي والإفريقي، حين قال د. مجدي راضي، المتحدث باسم مجلسالوزراء، إن مصر طلبت إقامة المباراة في دولة أوروبية بدلا من إفريقيا، أو دونجمهور في إفريقيا، وتم اختيار قبرص، إلا أن رئيس الاتحاد الإفريقي عيسى حياتو"رفض الطلب المصري"، وقال إنه لا يمكن إقامة مباراة فاصلة على أرض غيرإفريقية، فيما رفضت الجزائر أن تكون المباراة دون جمهور[13].
ونزع أحمد ماهر وزير الخارجية المصري سابقـًاعباءة الردود الدبلوماسية، حين رأى أن "أحداث مباراة القاهرة كشفت تعصبالمشجعين الجزائريين، أي أن الأزمة بدأت من القاهرة وليس من الخرطوم، فلماذا لمنهتم بها إلا بعد أحداث الخرطوم؟.. وهو ما يعكس تخبطـًا وعدم تنسيق بين الأجهزةالمصرية في مواجهة الأزمة"[14].
لماذا مصر مرتبكة كما لم تكن من قبل؟
سؤال بدا منطقيـًا، وجاءت إحدى إجاباتهشديدة البساطة: لأنها راهنت بكثير مما تملك على "جلد منفوخ على خواء"،تتقاذفه أقدام "لاعبين"[15].
ويبدو أن النظام لم يستطع اقتناص فرحة الفوز،فقررت بعض أجنحته استثمار لحظةالاكتئاب والهزيمة. الملايين فيمصر شعروا بالخيبة، غالبـًا ليس بسبب هزيمة المنتخب الكروي فقط، بللتوقف الكرنفال والبهجة وفرصة الحرية المختلسة من أيام الملل والرتابةواليأس.ومن المؤسف حقـًا أن الجانبالمصري لم يكن مستعدًا بشكل كاف لتأمين المشجعين وسلامة تنقلهم في أم درمان، علىرغم تحذيرات السفير المصري في السودان عفيفي عبدالوهاب للحكومة المصرية[16]،وانصب الاهتمام على نقل محاسيب وقيادات الحزب الوطني و133 فنانـًا وفنانة[17]وبعض الإعلاميين، على اعتبار أن الأمر يحتاج إلى "زفة" إعلامية وسياسية(لأننا اعتبرنا الفوز في الجيب)، يحتفل فيها قيادات الحزب الحاكم الذين ذهبوا إلىالخرطوم مع "نجوم المجتمع" من مشاهدي كرة القدم بالنصر الذي لم يأت[18].
لقد سافر سياسيون وإعلاميون وفنانونوبرلمانيون ورجال أعمال إلى الخرطوم، لا لمشاهدة مباراة فاصلة قد تنتهي بفوز أوخسارة، وإنما لمجرد أن يكونوا جزءًا من صورة النهاية السعيدة ولحظة تحقيق حلمالمونديال[19].فلما ضاع الحلم، كانت الفاجعة كبيرة على هؤلاء الذين ضاعت منهم لحظة الاحتفال.
وفي ذلك يقول وائل عبدالفتاح: "الكرنفالانتهى مبكرًا، وهذا سر الصدمة لدى قطاعات عريضة من شعبلا يعرف الفرح العام وحريته مقيدة بآلاف الممنوعات. كان هناك من يخطّط لسرقة الكرنفال وتحويله إلى سرادق انتخابي. ومن يريدتحويله إلى "معركة مصير" فيلحظات حساسة داخل أروقة السلطة.وهذا سر التوسع في إرسال الوفود الرسمية (نواب وحاشية الحزبالوطني) وطبّالي المعارك الانتخابية، لا الجمهور المحترف في كرة القدم أو حتى الجمهور المشتاق إلى البهجة. الغالبية كانت منجمهور المواكب الرسمية"[20].


وبما أننا كما ذكرالناقد الرياضي د. علاء صادق "لم نكن فاعلين ولو في الضرب"، ولم نعملعلى تخريب المصالح والمنشآت الجزائرية في مصر (وهو أمر محمود)، فإنه كان مأمولاًأن نكون فاعلين في السلم، أي الإدارة الرياضية والإعلامية والسياسية، ولكننا فشلنافيها جميعـًا بامتياز، إذ تفرغ البعض لحملة ردح عشوائية أساءت لكرامة مصر قبل أنتسيء لكرامة الجزائر.
"وفشلت كتائب الشتائم المصرية في تحديد خصم محدد، كالقول مثلاً إنه الإعلامالجزائري أو صحيفة "الشروق" البذيئة لمواجهتها، ولا هدف واضحـًا يتمالعمل من أجل تحقيقه كإيقاف اعتداءات بعض الجزائريين على المصريين في الجزائر، بدلاًمن شتم كل الجزائريين"[21].
ووصل الأمر إلىإلغاء التاريخ، وعقاب الجزائر بنكهة محلية.. أو قل: كوميدية!
فقد بحث أعضاءالمجلس المحلي بالجيزة عن وسيلة يردون بها على أحداث أم درمان، وتنبهوا إلى وجوداسم "الجزائر" على أحد الشوارع الرئيسية بالمهندسين، فطالبوا برفعهواستبداله باسم "حسن شحاتة" المدير الفني للمنتخب. ودعا بعض الشباب علىموقع "فيسبوك" إلى تغيير اسم ميدان الجزائر بالمعادي إلى شارع"عماد متعب" أو "حسن شحاتة" أو "14 نوفمبر"[22]. وفيمحافظة الوادي الجديد جنوب غرب مصر، وافق المجلس المحلي للمحافظة على طلبأهالي قرية الجزائر بتحويل اسم القرية إلى "مبارك المصريين". ووفقا لماذكرته صحيفة "الأهرام" فإن طلب أهالي القرية جاء "تأكيدًا لحرصهمعلى قوميتهم"[23]!



هوامش

[1] _________، السفارةالجزائرية تحت الحصار ودعوات لإبادة الجزائريين في مصر، جريدة "الشروق"،الجزائر، 20 نوفمبر 2009، ص 1.
[2] د. عمرو حمزاوي، بعدالحدث.. أنت دائمـًا أذكى، جريدة "الشروق"، القاهرة، 22 نوفمبر 2009.
[3] بن ويديمان، الفساد والتوزيع غير العادل للثروةوراء حمى الكرة المجنونة في القاهرة، موقع "سي إن إن" بالعربية،http://arabic.cnn.com/2009/middle_east/11/24/football.fever_cairo/index.html، 23 ديسمبر 2009.
[4] توفيق أحمد، حمىكرة القدم تعم القاهرة قبل مباراة مصر والجزائر، موقع "بي بي سي"العربي، http://www.bbc.co.uk/arabic/sports/2009/11/091113_aq_egyptalgeriamatch_tc2.shtml، 13 نوفمبر 2009.
[5] جمعة حمد الله وشريف إبراهيموهشام عمر، مبارك يعقد "مجلس أمن قومي" لمناقشة "الاعتداءاتالجزائرية" على المصريين، جريدة "المصرياليوم"، القاهرة، 20 نوفمبر 2009.
[6]   Sheera Frenkel, Egypt erupts inanti-Algeria riots after World Cup football defeat,  TheTimeshttp://www.timesonline.co.uk/tol/news/world/middle_east/article6926078.ece, Cairo, November 21, 2009.
[7] وكالة الأنباء الفرنسية، جرح 35 من عناصر الشرطةفي مظاهرة أمام السفارة الجزائرية في القاهرة، جريدة "الشروق"،القاهرة، 20 نوفمبر 2009.
[8] __________، يوم الغضب: مظاهرات حاشدة تطالببـ"رد الاعتبار" وطرد السفير الجزائري، جريدة "المصرياليوم"، القاهرة، 21 نوفمبر 2009.
[9] د. محمد أبو الغار، الاستبداد وكرة القدم، جريدة"المصري اليوم"، القاهرة، 29 نوفمبر 2009.
[10] AssociatedPress, Egyptian Soccer Fans Riot AgainstAlgeria, NewYork Times,http://www.nytimes.com/aponline/2009/11/20/world/AP-ML-Egypt-Algeria-Soccer-Row.html?scp=7, November 20, 2009.
[11] ____________، تسللوا على متن زورق لمقر إقامة السفير وحاولوا حرقها:مصريون يقتحمون إقامة حجار، يهاجمون السفارة ويحرقون العلم الوطني، جريدة "الشروق"، القاهرة، 21 نوفمبر 2009، ص 1.
[12] محمد يعقوبي، شاهد علىشهامة حجار وخساسة الإعلام المصري، جريدة "الشروق"، الجزائر، 21 نوفمبر2009، ص 4.
[13] خليفة جاب اللهومحمد عبدالعاطي ومحمد المهدي وشيماء عادل، مجلس الوزراء يكشف: مصر طلبت إقامةالمباراة الفاصلة في قبرص أو دون جمهور، مصدر سابق.
[14] محمود جاويش، أحمدماهر: أؤيد مساعي الصلح بين مصر والجزائر "لكن اللي غلط لازم يتحاسب"، جريدة "المصري اليوم"، القاهرة، 5ديسمبر 2009.
[15] ياسر عبدالعزيز، مصر مرتبكة، جريدة "المصرياليوم"، القاهرة، 22 نوفمبر 2009.
[16] رانيا بدوي، السفيرالمصري في السودان يفجر مفاجآت صادمة في حوار لـ"المصرياليوم":  أبلغنا القاهرة بتحركاتالجزائريين وشراء الأسلحة قبل المباراة بثلاثة أيام، جريدة "المصرياليوم"، القاهرة، 26 نوفمبر 2009. 
[17] RamadanBelmary; translator Sonia Farid, Egypt &Algeria soccer spat reaches Arab League, op. cit.
[18] د.عمرو الشوبكي، ما هو أبعد من مباراة كرة، جريدة "المصري اليوم"،القاهرة، 4 ديسمبر 2009.
[19] ياسر أيوب، عدى النهار.. والمغربية جاية،جريدة "المصري اليوم"، القاهرة، 20 نوفمبر 2009.
[20] وائل عبدالفتاح، أمراءالانتقام، مصدر سابق.
[21]د. عمرو الشوبكي، ما هو أبعد من مباراة كرة، مصدرسابق.
[22] منى ياسين وحنانشمردل، مطالبات برفع اسم الجزائر من على شارع بـ"الجيزة" وميدانبالمعادي..واستبدالهما بـ"حسن شحاتة"و"متعب"، جريدة"المصري اليوم"، القاهرة، 21 نوفمبر 2009.
[23] وكالة الأنباء الألمانية "د. ب. أ"،تغيير اسم قرية "الجزائر" بجنوب مصر إلى "مبارك المصريين"،جريدة "الرياض"، الرياض، 30 نوفمبر 2009.

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

7 التعليقات على "ليلة الرعب في السودان"

أكتب تعليقا