اقْرَؤُوا.. يرحمكم الله

| |




تلك الأبواب المغلقة التي أمامنا، لن تُفتح إلا بمفتاح العلم والمعرفة.

المعرفة وعي، يقودنا إلى فهم أعمق للحياة والحضارات والأمم، والقراءة هنا هي الخطوة الأولى على طريق تحصيل العلم وإثراء العقل في مواجهة تراجعنا، الذي لا يخفى على أحد.

دعونا نقرأ، ونفهم، ونبحث، ونترجم، حتى نتقدم ونتطور ونواجه مشكلاتنا بنضج أكبر، وقدرة أكثر تأثيرًا على مجتمعاتنا وعالمنا.

فلنقرأ أكثر حتى نزداد نضجـًا وخبرة ومعرفة. وكما يقول الكاتب والناقد الكبير عباس محمود العقاد، فإن "التجارب لا تُقرأ في الكتب، ولكن الكتب تساعد على الانتفاع بالتجارب"[1].

اقرأ أي كتاب يوسع مداركك، ويمنحك نهجـًا في التفكير، ويثري خيالك، ويضيف إلى معلوماتك، فكل حرف نور، وكل كلمة قنطرة وجسر يصل بك إلى ضفة أخرى من هذا الكون الشاسع.

اقرأ، وستجد حتمـًا أن ذائقتك في القراءة – والكتابة- تتحسن وتنضج، مع تراكم القراءات والخبرات، وتعمق التأملات، وإمعان البصر، وتفتح البصيرة.

اقرأ، فالقارئ هو الصورة الأخرى للكاتب ومرآته، وهو القوة المؤثرة التي تبحث عن دروب جديدة للحياة.

إن فعل القراءة عمل إبداعي يوازي إبداع الكتابة نفسه.

هنا، يجب أن نضع تحت كلمة القراءة خطوطـًا كثيرة.. فالمطلوب هو القراءة الجادة من الكتب المفيدة؛ لأن المشكلة لا تتعلق فقط بفكرة: ماذا تقرأ؟، وإنما ترتبط أيضـًا بسؤال: كيف تقرأ؟

يجيب الناقد الإنجليزي هارولد بلوم عن السؤال مستعينـًا بمقولة للمفكر الشهير فرنسيس بيكون ينصح فيها قارئه: "اقرأ لا من أجل المعارضة والنقد، ولا من أجل الإيمان والتسليم، ولا من أجل السعي إلى الجدل والحوار، ولكن لكي تزن الأمور وتمعن النظر فيها".

ويضيف بلوم أننا نقرأ لتقوية النفس والتعرف على اهتماماتها الحقيقية، كما نقرأ لنطهر عقولنا من اللغو! نقرأ لا لنصلح جيراننا ولكن لنصلح أنفسنا في المقام الأول. نقرأ مرارًا وتكرارًا بحثـًا عن عقل أكثر أصالة وحكمة من عقولنا[2].

وكما قال عباس العقاد: "يقول لك المرشدون اقرأ ما ينفعك، ولكني أقول: انتفع بما تقرأ".

أن نقرأ، يعني ببساطة أن نصبح فاعلين في مجتمعاتنا، إيجابيين في مواقفنا، وحكماء في قراراتنا.

ترتبط المعرفة بالقوة. القوة في ملامسة الواقع واستشراف آفاق المستقبل؛ وهذا أمرٌ وثيق الصلة بالقراءة والاطلاع والنهل من المعارف بشتى ألوانها.

القراءة فريضة.

والقراءة أيضـًا محبة.

"هناك دائمـًا كتاب في موضع ما في الكائن البشري، أيـًا كانت الثقافة التي ينتمي إليها، وهذا الكتاب يفرض العاطفة على اللغة ويفرض على العاطفة أن تكون لغة". هذا ما يقوله رولان بارت في كتابه "شذرات من خطاب مُحبّ"[3]، قبل أن يضيف قائلاً: "الحُبُّ يأتي من الكتاب، والحُبُّ، قبل كلّ شيء، مكتوبٌ، وأنا لا أفعل غير إعادة كتابته، إلى ما لا نهاية: من دون كتاب يدلني، لا أعرف مَنْ أرغب فيه ولا أعرف ماذا أفعل، أصادف على الدوام (أي العاشق) كتابـًا (لغة، طرفة، انفعالاً) يجسد رغبتي".

اقْرَؤُوا ، يرحمكم الله.

طالعوا ما يمنحكم الفكر، والرؤية، وثراء الخيال، والقدرة على الفهم والتحليل، وامنحوا أنفسكم فرصة لإدراك العالم بصورةٍ تتجاوز ما تمنحه لكم وسائل التواصل الاجتماعي أو التقنيات الحديثة، فلا فيسبوك يبني ثقافة ولا تويتر يمنح علمـًا ولا واتساب يبني وطنـًا؛ استفيدوا من هذه الوسائل الحديثة، ولكن ضعوا كل شيء في موضعه الصحيح، حتى يكتمل البنيان وتنضج الرؤية لديكم ولدى من تتواصلون معه في الواقع أو العالم الافتراضي.

اقْرَؤُوا ، واكتبوا، وابحثوا في أمهات الكتب والمراجع الأساسية، ولا تغفلوا أحدث الدراسات والإصدارات، وناقشوها بعقول متفتحة وواعية تقبل تعدد الآراء وتحترم الاختلاف في الرأي، وخذوا منها ما ينهض بالأمة، ويسهم في التغيير والتطوير؛ لأننا ببساطة ندرك واقع الحال، ونعلم أنه لا خلاص لنا كأفراد وأمم إلا بالعلم والمعرفة، والعمل والأمل.

بالمعرفة والوعي نعرف طريقنا، ونحذر من الوقوع في أخطاء لا معنى لها، ونستوعب فقه الأولويات في بناء الأوطان، "فالاهتمام بغير إطفاء الحريق، والانصراف عنه إلى عمل آخر، ما هو إلا استحمار، وإن كان عملاً مقدسـًا أو غير مقدس"[4].

إن أول العلاج هو المواجهة مع النفس والوقائع، والقراءة الواعية مثل الكتابة الرصينة: سعيٌ إلى استنهاض الأمة، وتنبيه إلى العطب الذي أصاب كيان المجتمع والوطن، وعمل على رسم معالم طريق الإصلاح، وقرع لأجراس الوعي والمعرفة بما يهدد كياننا ووجودنا من مخاطر؛ لأنه لا سبيل لنا للخلاص إلا بحسن الفهم ودقة التخطيط وإخلاص العمل من أجل بناء الدولة الحديثة.. والاستعداد لدفع استحقاقاتها.

وأثمانُ تقدم الأوطان ثلاثة: المعرفة، والعمل، والديمقراطية.

لتكن قراءة الكتب إذن هي نقطة بداية على طريق الوعي بالحاضر وصناعة المستقبل.


هوامش
[1] عباس محمود العقاد، خلاصة اليومية والشذور، نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة، 1995، ص 12.
[2] هارولد بلوم، كيف نقرأ ولماذا، ترجمة: نسيم مجلي، المركز القومي للترجمة في مصر، القاهرة، 2010.
[3] رولان بارت، شذرات من خطاب مُحبّ، رجمة: علي نجيب إبراهيم، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، 2012.
[4] علي شريعتي، النباهة والاستحمار، ترجمة: هادي السيد ياسين، دراسة وتعليق: عبدالرزاق الجبران، دار الأمير للثقافة والعلوم، بيروت، 2007.


ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

9 التعليقات على "اقْرَؤُوا.. يرحمكم الله"

أكتب تعليقا