عشتُ.. تقريبـًا

| |





إلى ابنتي إسراء، التي أهدتني جزءا من تاريخي الضائع

 


الآن يكتملُ الزمان، فأصبحُ جزءًا من الماضي

أنتزعُ الأيامَ إلى الأبد، كنشيد قديم في فم الريح

أروي عن حياتي، فقط لأكتشف حقيقة الشيب الذي اعتراني

منذ طفولتي أدركتُ انهمار الساعات

كان الزمنُ يتبرأ من الكائن على حسابي

مع تباشير فجر له رائحة طفل وليد، في تلك المدينة النائمة على ضفاف نهر الراين، الذي يعرفُ انتخابَ الجَمَالِ من القبح، لم أكن في حاجة إلى أحد

بللٌ خفيفٌ يلمسُ الطرقاتِ، وأنا في الرحم الأمومي آمنٌ ومختبىء

المخاض دفقة من الضياء، وحصة من الألم

الولادة ويل، لكنها عنوان الوجود

النداء العاتي يمزق سكون المجرة

هلاّ جاهرت باندهاشك أيها الملاك!

وحين أخرجُ إلى العالم، كائنا جديدا، أطفئ ظمأ الساعات وأقتنصُ الرذاذَ من آخر سحابة عابرة

كم أود أن أكون حرًا، طليقـًا كطائرة ورقية أفلتت من خيوطها، قلبه يمشي على أوتار الماء الرخوة، لكن متعته في الفضاء!

والمواليد من برج البراءة، إلى أن يثبت العكس



أمي، تلك الحانية كغابة مغمورة بالنور، تُحكم الأقمطة حول الجسد الصغير

تنسج لي ثوبـًا خالصـًا شديد النعومة، لا يجرحني فيه أثرُ خياطة

أرى في حضنها خارطة للروح، ودربـًا للطمأنينة

والرجل، كما يقول ابن عربي في "فصوص الحكم": "مُدرج بين ذات ظهر عنها وبين امرأة ظهرت عنه، فهو بين مؤنثين"

صوتها يأخذُكَ لمعانقةِ الملائِكة، وأنت تكبرُ في الخفاء

رضيع، يفطمونه برفق عن مذاق الأرجوان، فتمتلئ شفتاه بكلمات أكثر خصوبة

طفل، يتكىء على إفريز السماء مع كل خصلتي شعر أهملتهما الريح على كتف متجردة

صبي، ينام ووجهه إلى النجوم، بسذاجة من يجهل ألغاز الحياة، هذه القطة السائبة.. يحزر بعض معالمها، ويفكك بعض رموزها، لكنها تبقى غامضة مثل غابة يتأرجح فيها القلق

فتى، خفيف الوثب، يمشط الريح ويفرق الهواء الساكن، ويترك الأحلام على حافة النافذة، ويعزف على الخشب السميك في البيت البعيد حفنة ذكريات. يفرح بالانتصارات الصغيرة، وتستيقظُ في أوردتِه النظراتُ المرتبكة، واللمسات الحائرة، والأفكار العفوية الصاخبة

شاب، يقطف مواسم الشهقة الشاردة، ويروض الممانعة الخفيفة للفتيات اللاتي تعاكس الحفر اللئيمة أحذيتهن، والنساء الخبيرات في سحق أعقاب السجائر بكعوبهن العالية

رجل، يهوى تعليم الأعناق الاستدارة، والسيقان الموسيقى، والخصور التثني.. لكنه لا يشتهي النساء ذوات الفساتين الزائفة، الشبيهات بعلب الألوان، ويفضل عليهن الجميلات اللاتي لا يلجمهن الحذر، والقيثارة التي تهبه لحنها، والكتب التي ينام بنفسج حروفها في حقول الذاكرة

يهوى النساء اللاتي لا يتبدد أريجهن، وينضجن بين يديه كعناقيد زاخرة بالعنب، لكن لا شيء يفوق "الفتوحات المكية" و"مئة عام من العزلة"، و"فاوست"، ولا قبلة ألذ من إيقاع "البوليرو"، و"الفصول الأربعة"، و"السيمفونية الخامسة"

كهل، يتنفس قسوة المدن ويحرق يديه بلهب الكتابة: قهوة البقاء. لا يعبأ بالخصلة التي انفصلت عن الجبين، ويكسر جرة الأسرار على وسائد الغبار، ويدق على شاطئ الذاكرة أشرعة وعبارات لا تغري أحدًا

وزمن، يلعبُ معه الحزن

لعبة تجد فيها نفسك محاصرًا بمجموعة من أفراس النهر الجائعة

حياة تشبه حلمـًا واحدًا طويلا، مع فترات استراحة

نصف فناء، يرضع من ثدي حياتنا حتى نجف

وفصول متيبسة: صيف يسكن بيت الوهم، وشتاء يقطع حبله السُرّي مع الحقيقة، وخريف يرتدي معطف الغموض، وربيع سقطَ من شرفته العالية



نواصلُ النمو صامتين، وعالقين بين الطيران والسقوط



وحده عاشَ في طمأنينته، مُلوِّحـًا بالوداع في كل خطوة


كذبت الأغنيات عليه، وهو كذَبَ على النساء اللواتي علقن بماء القصيدة، وعلى قلبه الذي أصبح ظلا لا يُدميه المشي الطويل


يحتفي بالجُرح الذي تغازله المعرفة، والمنفى في الليالي المشوهة التي تختفي فيها الخطوطُ على راحة الكف


فقط في قلبِ أحبتِهِ، سيكبرُ بسرعةٍ مُفرطة


وحين يسأله الأصدقاء عن طفولته، يجيب ساخرًا: بُعثتُ شابـًا في الثلاثين


لا يوجد ما يشي بعمره، فما زال في هذه السن ينظر إلى العالم بعينيّ من جاءه للتو


والنظرة فتيل


اجتاز زمنَ القوائم السوداء، والإقصاء، ولم يتُب يومـًا عن الجرأة والمجازفة في بلاد كانت السماء فيها قريبة إلى درجةِ أن الناس كانوا يمشون منحنين


في زمن الحذلقة الماكرة، قرأ على الناس صفحاتٍ من كتابِ الوعي، محذرًا من أن الحكمة لا تعني قبول الذل، والبؤس لا يبرر الفساد، والسلبية لا تفضي إلى السلامة


لم يسلم من قلمه رجالُ الأمن المسعورون الذين يتآخون مع الهاوية وينتقمون من أنفسهم في الآخرين ليسطروا تاريخَ الضغينة، ولا الجنرالات الذين أدمنوا الاسترخاء فلم يعودوا يريقون من الدم إلا ما يسببه جرحٌ أثناء الحلاقة


استلَّ قلمه ليواجه أنظمة ظامئة إلى الهيمنة وتهدي شعوبها بدلَ الوردةِ مقصلة، حتى سقطت الدول العاجزة في اللحظة المناسبة كقلعة من رمل جاف


وبخوذة محكمة، واجه أنقاضَ المتلونين الذين يشكرون الهلاك، والمنافقين الآيلين للسقوط، وخريجي مدرسة ضِعاف النفوس الذين يرضون لخيباتهم أن تتكرر


لم يتبع أثرَ أودسيوس في رحلة النبيذ والضياع


مقاتلٌ، تستعر في مَراجله نارٌ قديمة


مُرتبٌ لدرجة مقيتة. يرتبُ حتى انحيازَ عينيه وعاداتِ أصابعه


مهذبٌ، يطرقُ بابَ الثلاجة مستئذنـًا قبل أن يفتحها


ساحرٌ خانته خفةُ يده، لكنه منذورٌ للانجذابِ ونظراتِ الاستحسان المتمهلة


هادئ كجُرح ملتئم، مهما تدفقت ينابيعُ دمه


سعيدٌ، حتى وإن امتلأ بتعاسةٍ لا تُوصف


عاشقٌ، يدركُ أن الموضعَ الذي يغطيه بحنان يتعذر على المحو، كأنه حدائق مَسقيّة بانتظام


سيخونُه القلب يومـًا، لتُسلم النبضاتُ حِدَّتَها، ويخذله الخيال


اليوم سيتكلمُ كعرافٍ أعمى: لن يكون موتي الأليفُ سوى أبديتي، وولادتي الأخيرة


بالمناسبة، لم أعد بريئـًا


ألم يرسخوا في أذهاننا أن السوء يربضُ في نهاية حياتنا، لا في بدايتها؟


كأنه صحراء تسخر من الخرائط. يبحثُ عن دروبٍ جديدة وسماء لا تُمس، وشلالاتٍ لا يقفزُ فوقها أحد


تفرُّ المياه خوفـًا من أبواق السفن في اندفاعها الأخير، ولا يبقى ساكنـًا سوى حصى الأعماق


سيمسي الرحيلُ يومـًا جارَ الحبِ والعاداتِ الوفية


بألفِ لون يتلألأ الموت، ليقول كلٌ منا في النهاية: لقد عشتُ.. تقريبـًا!



ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

23 التعليقات على "عشتُ.. تقريبـًا"

أكتب تعليقا