قانون محاكمة الوزراء (4): الانفجار

| |




شهدت مصر دعوات متكررة إلى إصدار قانون جديد لمحاكمة الوزراء، خاصة أن مجلس الشعب لم يكن قادرًا على محاسبة الفاسدين منهم، بل إنه بدا في بعض الأحيان شريكـًا وداعمـًا لهم في سياساتهم وتصرفاتهم، ومتسترًا على فسادهم. إلا أن هذا المطلب لم يكن يلقى أي استجابة في ظل النظام السابق، الذي حرص على أن يحمي بعضه بعضـًا، "لارتباطهم جميعـًا بحلقة جهنمية لا يدخلها إلا فاسد يعرف لغة الفساد ويتقنها"[1].

إن صمت الحكومة والأجهزة المعنية عن فساد هذا الوزير أو ذاك، ومحاولة فرض ستار من التكتم والسرية حول قضايا وتهم تمس سمعة وعمل الشخصية العامة، ليس في مصلحة أحد، وإنما هو سكوت يدخل في باب التواطؤ - والمصيبة ألا تكون الحكومة تعرف أن السكوت عن الخطأ.. خطيئة- يؤدي إلى تفاقم الأمور وتزايد الشائعات وارتباك وتناقض الأقاويل، الأمر الذي يهز الثقة ويفقد المصداقية في كل شيء وأي شيء.

شيء جميل أن يقال إنه لا تستر على فساد، وهي نغمة سمعناها مرارًا وتكرارًا طوال عقود مضت، وإن أجهزة الدولة تحارب الفساد بكل صوره وأشكاله أيـًا كان مرتكبه وبغض النظر عن موقعه "فلا حماية لأحد من المساءلة، وسوف يطبق القانون على الجميع" وفق ما ذكره النائب العام السابق المستشار ماهر عبد الواحد. وإذا كنا نؤيد هذا، فإن الأهم من ذلك هو سرعة المساءلة وحسم القضايا، وإعداد الاتهامات لمحاكمات عادلة، والشفافية التامة في القضايا بعيدًا عن قيود حظر النشر التي تصب المزيد من الزيت فوق النار، وتؤدي إلى تطاير رذاذ الاتهامات وعلامات الاستفهام، لتسود الفوضى.

وإذا كان من رأي البعض الكشف الدقيق والشامل عن المراكز المالية للوزراء والمسؤولين وتحديد حجم نشاطهم وممتلكاتهم وأرصدتهم، فإن تقارير الجهات الإدارية المختلفة يمكن أن تشكل رقيبـًا واضحـًا ومحايدًا على أي مخالفات قد تقع أو أخطبوط فساد يتحرك في دوائر النفوذ[2].
 

وفي ظل غياب قانون محاكمة الوزراء، كان الإعلام - الخاص أو الحزبي- يحاول فضح فساد هذا الوزير أو ذاك، وأجهزة رقابية تقدم معلومات وأدلة على هذا الفساد، والنظام لا يرد والحكومة لا ترد، حتى يصاب الناس بالإحباط[3]. ونتيجة معادلة الحكومة التي تتألف بمنطق الشلة، غياب أو تغييب محاسبة الوزير وهو في السلطة. وربما هذا هو السبب في شعور عدد كبير من الوزراء بالرعب من مجرد التفكير في ترك المنصب المرموق؛ لأنه في رأيهم قد يكون بداية الطريق إلى المحاكمة مع رفع غطاء الحصانة المفترضة وسقوط شبكة الحماية
وإذا كان الدستور المصري قد حظر على الوزراء (في المادة 158 ) التعامل بالبيع أو الشراء أو الإيجار مع أموال الدولة فإنه لم يجرم تلك المعاملات.. ولكن التجريم أورده قانون العقوبات، في المادة 115، التي اعتبرت أن التربح من الوظيفة العامة جناية يمكن أن تصل فيها العقوبة إلى الأشغال الشاقة المؤبدة، وهي عقوبة مغلظة كما يقول القانونيون. ويلاحظ فيها أن النص حرص على أن يشمل التجريم ليس التربح فقط، وإنما مجرد السعي إليه أو محاولة بلوغه، حتى وإن لم تنجح تلك المحاولة.

كما أنه نص على أن يشمل التجريم أيضـًا التربح للنفس أو للغير، كأن يكون تربح المسؤول من وظيفته لحساب أحد من أبنائه أو أقاربه، الأمر الذي يعني أن المشروع تبنى موقفـًا حازمـًا من مسألة استغلال نفوذ كبار المسؤولين. بالتالي فإن ما حدث من فساد أو تربح لصالح أولئك المسؤولين، لم يتم التسامح معه أو غض الطرف عنه بسبب وجود ثغرة في التشريع. وإنما المشكلة الحقيقية كانت في تجاهل تطبيق التشريع. وهو ما يسري على قانون "من أين لك هذا" القائم بالفعل والمعطل تقنينه فيما يتعلق بكبار المسؤولين[4].

ويتعين القول إن النص على تجريم التربح من الوظيفة في قانون العقوبات لا يعني أنه أصبح ممكنـًا محاسبة الوزراء على ما يقترفونه من تجاوزات في هذا الصدد، لسبب جوهري هو أن الوزراء محصنون ضد المحاكمة وهم في مناصبهم. بمعنى أن القانون لا يجيز محاكمتهم أمام المحاكم العادية بسبب تلك الحصانة. وفي الوقت ذاته ثمة استحالة عملية في محاكمتهم طبقـًا لقانون محاكمة الوزراء.



ومن المعلوم أن قانون محاكمة الوزراء عندما صدر عام 1958 كان يستجيب لنوعية معينة من الجرائم التي قد يرتكبها الوزراء حينذاك. غير أن العالم تغيَّر وأساليب الفساد والتربح أيضـًا. وفي أعقاب ثورة يناير، أحيل عدد من الوزراء إلى محكمة الجنايات، بينهم زهير جرانة وزير السياحة السابق، الذي اتُهِمَ في أكثر من قضية، بينها اتهامه ورجل الأعمال هشام الحاذق، بالتربح وإهدار المال العام، في شأن واقعة تخصيص جرانة لمساحة 5 ملايين متر مربع من الأراضي في العين السخنة لصالح رجل الأعمال الحاذق بسعر دولار واحد للمتر، وبالأمر المباشر بما يمثل مخالفة للقواعد القانونية المنظمة لتخصيص أراضي الدولة[5].



وأحيل وزير الإسكان السابق أحمد المغربي إلى المحاكمة بتهمة تخصيص عدد من أراضي هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة لصالح شركة "بالم هيلز" للتعمير التي يساهم فيها[6]. ووجِهَت إلى أنس الفقي، وزير الإعلام السابق، ويوسف بطرس غالي، وزير المالية السابق، تهمة الموافقة على تخصيص 36 مليون جنيه من أموال الدولة للفقي، لإنفاقها على الدعاية لانتخابات مجلسي الشعب والشورى وإنجازات الحكومة والحزب الوطني[7].



أضف إلى ذلك، أحيل وزراء إلى محكمة الجنايات بتهم أخرى، كما هي الحال في قضية وزير الداخلية الأسبق حبيب العادلي، الذي يواجه تهمـًا خطيرة مع مساعديه اللواءات عدلي فايد، مدير قطاع الأمن العام، وإسماعيل الشاعر، مدير أمن القاهرة، وحسن عبد الرحمن، رئيس جهاز مباحث أمن الدولة، وأحمد رمزي، مدير قطاع الأمن المركزي، السابقون، وعدد من الضباط، وأفراد الشرطة. وتتعلق تلك التهم بالاشتراك في قتل ما لا يقل عن 265 شخصـًا عمدًا، وإصابة أكثر من 4 آلاف آخرين، وطاعة الوزير الأسبق وإصدار أوامر بقتل المتظاهرين[8].

دعونا نقرأ معـًا المادة رقم (5) في قانون محاكمة الوزراء عام 1958 والتي تحدد الأعمال التي تستوجب محاكمة الوزير. تقول المادة رقم (5) ما نصه:

"مع عدم الإخلال بالعقوبات المقررة في القوانين الأخرى يعاقب الوزراء بالعقوبات المنصوص عليها في هذا القانون إذا ارتكبوا في تأدية وظائفهم جريمة من الجرائم الآتية:

 (1) الخيانة العظمى. وتعتبر خيانة عظمى كل جريمة تمس سلامة الدولة أو أمنها الخارجي أو الداخلي أو نظام الحكم الجمهوري ويكون منصوصـًا عليها في القوانين المصرية أو السورية ومحددًا لها في أي من هذه القوانين عقوبات الإعدام أو الأشغال الشاقة المؤبدة أو المؤقتة أو الاعتقال المؤبد أو المؤقت.

(2)  مخالفة الأحكام الأساسية التي يقوم عليها الدستور.

 (3) التصرف أو الفعل الذي من شأنه التأثير بالزيادة أو النقصان في أثمان البضائع أو العقارات أو أسعار أوراق الحكومة المالية أو الأوراق المالية المقيدة بالبورصة أو القابلة للتداول في الأسواق بقصد الحصول على فائدة شخصية أو للغير.

(4)  استغلال النفوذ ولو بطريق الإيهام للحصول على فائدة أو ميزة ذاتية لنفسه أو لغيره من أية سلطة عامة أو أية هيئة أو شركة أو مؤسسة.

(5)  المخالفة العمدية للقوانين أو اللوائح التي يترتب عليها ضياع حق من الحقوق المالية للدولة أو أحد الأشخاص الاعتبارية العامة الأخرى.

 (6) العمل أو التصرف الذي يقصد منه التأثير في القضاة أو أية هيئة خولها القانون اختصاصها في القضاء أو الإفتاء في الشؤون القانونية.

 (7) التدخل في عملية الانتخاب أو الاستفتاء أو إجراءاتهما بقصد التأثير في نتيجة أي منهما سواء كان ذلك بإصدار أوامر أو تعليمات مخالفة للقانون إلى الموظفين المختصين أو باتخاذ تدابير غير مشروعة".

والآن، لا يرى كثيرون غضاضة في توسيع مفهوم التربح وتعارض المصالح بحيث يشمل أيضـًا المكاسب السياسية وليس المادية فحسب. وهنا يحذر أحدهم من أنه "حين يكون أحد رجال الأعمال رئيسـًا للجنة الخطة والموازنة بمجلس الشعب، وحين يكون رجال الأعمال هم رؤساء لجنة الصناعة، أو الضابط السابق رئيسـًا للجنة الأمن القومي وزميل له من رجال الشرطة رئيسـًا للجنة الشؤون العربية. وحين يكون صاحب شركة المقاولات رئيسـًا للجنة الإسكان، فتضارب المصالح يصبح صارخـًا في هذه الحالات"[9].

على أن قانون محاكمة الوزراء (لسنة 1958) أهمل موضوعـًا شديد الأهمية فيما يتصل بوظيفة الوزير، وهو موضوع الراتب والامتيازات والمخصصات التي يحصل عليها من يرتدي شارة الوزارة.

والمسألة هنا لا تتعلق بالراتب الذي يحصل عليه الوزير، وإنما بشبهة ملايين أخرى تتدفق على جيب الوزير عبر ما يسمى بالصناديق الخاصة، كما أشار ذات مرة د. حمدي عبدالعظيم، الرئيس السابق لأكاديمية السادات للعلوم الإدارية. وهي صناديق موجودة في كل وزارة، وكذلك في العديد من المؤسسات الأخرى كالجامعات وغيرها. وتضم ما يتم جمعه من أموال من الشركات والمؤسسات التابعة للوزارة (الممتلكات العامة)، بالإضافة إلى حصيلة الغرامات والرسوم التي تفرضها الوزارة على المتعاملين معها وخلافه. ويقدر دخل هذه الصناديق بالمليارات سنويـًا، ومن حق الوزير أن يحصل على نسبة 0,5% من دخل هذه الصناديق، وتدر عليه هذه النسبة ملايين الجنيهات التي تدخل جيبه بصورة قانونية[10]!

ويتعين هنا القول إنه حين ارتأت دول كثيرة أخرى - مثل ألمانيا حين عزلت وحاكمت مستشارها التاريخي هلموت كول، أو الولايات المتحدة حين حاكمت رئيسها بيل كلينتون لكذبه وحنثه اليمين بشأن علاقته مع المتدربة في البيت الأبيض مونيكا لوينسكي- أن تتصدى للفساد في صفوف الكبار، لم تشعر بخوف أو قلق أو رعب على سمعتها أو اسمها، ولم يقل أحد أن سمعة ألمانيا قد تأثرت بمحاكمة المستشار كول أو أن كرامة الولايات المتحدة قد أضيرت من جراء محاكمة مجلس الشيوخ الأمريكي لكلينتون؛ لأن الدول أكبر من الأشخاص.

وفي كل الأحوال، فإن العلانية والشفافية والمصارحة تجعل كل شيء معروفـًا بدون حساسيات أو حسابات معقدة، خاصة أن الأيام تكشف ما يدور في الكواليس، والمعلومات المتأخرة تزيد الأمور سوءًا، تماما مثل الاتهامات التي تأتي بعد فترة طويلة من التجميد في "فريزر" الحكومة!

وفي زمن مضى، قال رئيس اللجنة التشريعية في مجلس الشعب سابقـًا المستشار محمد موسى إن الوزير إذا أخطأ لا بد من إحالته إلى المحاكمة فورًا، ولكن غالبـًا ما يتأخر الكشف عن وقائع وشبهات الفساد الوزاري إلى ما بعد ترك الوزير منصبه، وهو لم يعتبر ذلك تسترًا على الفساد. ومن الواضح أن هذا التبرير يصعب هضمه؛ إذ إن تأخير كشف وقائع الفساد يعد – شئنا أم أبينا- أو في أقل الأحوال سكوتـًا على استشراء هذا الفساد، الذي ينخر كالسوس في عظام الوطن.

نعم، لقد حان الوقت لتحديد أولويات العمل والبناء، حتى لا ننصرف عن المتون نحو الهوامش، ونبتعد عن المضمون في اتجاه الشكل، ونترك الشأن الوطني العام لصالح الضيق الخاص. فأما البناء فهو يتعلق ببناء المواطن وترسيخ مفهوم المواطنة، وقيم العمل والإنتاج والديمقراطية والنزاهة. وأما العمل، فهو يشمل مجموعة أسس وقوانين ننطلق منها بثقة ووعي نحو مصر المستقبل.

ومن المأمول أن يكون قانون محاكمة الوزراء حاضرًا في الأذهان، لسد فراغ تشريعي قائم، وصونـًا لحقوق الوطن ومصالح العامة.

 فلنراقب، ونحاسب، ونحاكم الوزراء والمسؤولين إن لزم الأمر، حتى يعرف كل وزير ومسؤول أهمية الرقابة والمحاسبة، ونضمن الشفافية والنزاهة في كل خطوة نخطوها وكل إجراء نتخذه. ويتعين أن نشير في هذا  السياق إلى أن غياب المحاسبة والمساءلة والعدالة كان من أبرز أسباب ثورة 25 يناير التي غيَّرت وجه مصر، وكشفت جرائم الوزراء ورجال الأعمال وقيادات الأمن.
حاسبوهم.. يرحمكم الله!


هوامش


[1] أسامة هيكل، لم يشبعوا.. ولم تنخفض كروشهم، جريدة "المصري اليوم"، القاهرة، 26 فبراير 2011.
[2] ياسر ثابت، محاكمة كبار المسؤولين في الوقت الضائع، مصدر سابق.
[3] وائل عبد الفتاح، تمرد عشوائي، جريدة "الأخبار"، بيروت، 21 يونيو 2008.
[4] فهمي هويدي، النزاهة لا تستحضر بقانون، جريدة "الشروق"، القاهرة، 22 يوليو 2010.
[5] إحالة زهير جرانة للجنايات بتهمة التربح وإهدار المال العام، جريدة "الشروق"، القاهرة، 15 مارس 2011.
[6] محمود المملوك ومحمود سعد الدين، ننشر أمر إحالة "الأموال العامة" في قضية المغربي..الوزير السابق خصص أراضي "المجتمعات العمرانية" لصالح "بالم هيلز" التي يساهم فيها .. وتقاعس عن سحب أرض "أخبار اليوم" رغم مرور 9 سنوات على عدم استغلالها، جريدة "اليوم السابع"، القاهرة، 7 مارس 2011.
[7] النائب العام يحيل الفقي وغالي للمحاكمة الجنائية بتهمة الإضرار بالمال العام، جريدة "الشروق"، القاهرة، 23 مارس 2011.
[8] أحمد شلبي، إحالة "العادلي" و"الـ 4 الكبار" في "الداخلية" إلى "الجنايات" خلال ساعات بتهمة قتل المتظاهرين، جريدة "المصري اليوم"، القاهرة، 23 مارس 2011.
[9] المصدر السابق.
[10] محمود خليل، وزراء في الجبس، جريدة "المصري اليوم"، القاهرة، 23 نوفمبر 2008.

 

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

4 التعليقات على "قانون محاكمة الوزراء (4): الانفجار"

أكتب تعليقا