امتحان النجاسة

| |



دخلت كرة القدم المصرية أكثر من اختبار عنوانه الأبرز: الأخلاق
وبينما عاشت الجماهير المصرية ليلة حزينة بعد الهزيمة المريرة لمنتخب مصر أمام نظيره الأميركي بثلاثة أهداف نظيفة في ختام الدور الأول لكأس القارات 2009، كانت القنوات الفضائية في حرب طاحنة انقسمت فيها ما بين مهاجم ومدافع في قضية سرقة بعض اللاعبين المصريين واتهامهم من قبل صحف في جنوب إفريقيا بالاحتفال مع عاهرات بالفوز على منتخب إيطاليا.
بدأت سخونة الأحداث مع تفجير عمرو أديب في برنامجه "القاهرة اليوم" على قناة "أوربت" بترجمته لما نقلته صحف جنوب إفريقية، فرد محمد زيدان، لاعب بروسيا دورتموند والمنتخب المصري، في مداخلة هاتفية للدفاع عن نفسه باعتباره أحد المتهمين، رافضا ما ذكره أديب، وقال: إن منتخب مصر يضم لاعبين على قدر كبير من التدين، ويكفي أنه يضم شخصـًا مثل محمد أبو تريكة. وأضاف: من العيب أن ينساق الإعلام المصري وراء ما ذكرته الصحافة في جنوب إفريقيا على رغم نفي البعثة رسميـًا.
وعندما حاول أديب استفزازه بأسلوبه الساخر انفعل زيدان، وازدادت حدة المناقشات لتنتهي بإغلاق الأخير الهاتف في وجه أديب بعدما سخر منه بقوله قائلا: "أنا لا أعرف مع من أتحدث.. وهل أنت دكتور أم مهندس"؟! وبعد دقائق قليلة تدخل أحمد حسن، كابتن المنتخب، في مكالمة هاتفية للدفاع عن زملائه، وقال: من حق الإعلام أن ينتقد النواحي الفنية كما يشاء، ولكن ليس من حقه أن يخوض في أعراض اللاعبين، ويردد افتراءات لصحف تحاول تجميل صورة وطنها.
وأضاف أحمد حسن: إن لاعبي مصر شرفاء ويداومون على الصلاة. وقال إن أحد اللاعبين الذين تعرضوا للسرقة هو محمد أبو تريكة، فهل يجرؤ أحد على اتهامه؟ وطلب كابتن المنتخب اعتذارًا رسميـًا من البرنامج، فانفعل أديب مؤكدًا أنه لم يخطئ ومن يطلب اعتذارًا فليطلبه من صحف جنوب إفريقيا، و"بي بي سي" التي نقلت الخبر.

وأشار حسن إلى حالة الغضب داخل أتوبيس اللاعبين بمجرد وصول أنباء عن إذاعة الحلقة. وطالب أديب بعدم اللعب على مشاعر المصريين، فقال: أديب إذا كنتم 20 نفرًا فنحن هنا 80 مليونـًا نحترق. وطلب أبو تريكة الحديث فقال منفعلا: "اتقوا الله في هؤلاء اللاعبين ولا تخوضوا في أعراضهم، لأن اللاعبين لم يرتكبوا أي فعل مناف للأخلاق".
وهنا انتقل الحديث إلى حسن شحاتة دون سابق إنذار، فقال منفعلا: "إن الإعلام يحاول تضخيم الأمور، وإن الصحف في جنوب أفريقيا افترت على المنتخب المصري دفاعا عن سمعة بلادهم". ووجه سؤاله إلى عمرو أديب: "أنت ركبت الموجة، والناس دي محترمة عن أي حد فيكم، والكلام اللي انت بتقوله ده ما يصحش"، وأنهى مكالمته غاضبا: "طظ فيكم كرهتونا في الكرة، الله يخرب بيوتكم"، ورد أديب ببرود شديد: "عادي يا كابتن حسن وهي دي الناس اللي بتصلي".
وانتقل الحديث إلى برنامج "القارات كمان وكمان" من تقديم أحمد شوبير على قناة "الحياة" المصرية، فتحدث أحمد حسن قائلا: "ما قيل لا يصح أن يقال في حق المنتخب.. نحن نقبل النقد الفني من أي شخص لأنها في النهاية مباراة كرة قدم وخسرناها ونعترف أننا لم نكن في مستوانا الطبيعي، ولكن أن يتم التشهير بنا واتهامنا في سمعتنا، فهذا لا يجوز، كان من الأحرى بوسائل الإعلام المصرية مساندتنا في هذا الموقف ضد صحف جنوب إفريقية، ويجب أن نحصل على حقوقنا بعد الاتهامات التي تم توجيهها لنا".
وتدخل في الحوار محمد زيدان، مهاجم المنتخب، الذي قال منفعلا: "لن نتنازل عن تقديم بلاغ للنائب العام في مصر ضد هذا الإعلامي والقناة التي سمحت له بذلك، ونحن في منعطف خطير لأن الكثير من اللاعبين يصرون على إعلان الاعتزال الدولي، وعلى رأسهم أبو تريكة، وأن كل ما يقال محاولة من وسائل إعلام جنوب إفريقيا لعدم تشويه سمعة بلادهم، خصوصـًا أنهم مقبلون على تنظيم كأس العالم؛ لأن خبر سرقة متعلقات المنتخب المصري انتشر في أنحاء العالم كله، حتى أن أصدقائي في ألمانيا اتصلوا بي لمعرفة قيمة المسروقات التي بلغت 20 ألف دولار".

وعاد أحمد حسن للحديث مرة أخرى، وقال: "جميع وسائل الإعلام لها مراسلون يسكنون معنا في نفس الفندق بل وفي نفس الطابق، فهل يمكن أن يحدث ذلك دون أن يروه وينقلوه لوسائلهم الإعلامية، كما أن أعضاء الجهازين الفني والإداري يقطنون معنا في نفس الطابق، فكيف نحضر فتيات إلى الغرف"، ثم عاد زيدان وهاجم أحد الفنانين الذي رفض ذكر اسمه لاتهامه اللاعبين المصريين بأنهم مدانون في هذه القضية وضرورة الكشف عليهم عند العودة خوفا من نقل الأمراض إلى زوجاتهم المصريات.
وأكد محمد أبو تريكة، نجم المنتخب، أنه لن يتنازل عن حقه وحقوق زملائه من اللاعبين، وأنه سيعلن اعتزاله اللعب دوليا إذا كانت كرة القدم ستأتي عليه بمثل هذه الإهانة.

وقال أحمد فتحي: "كيف نفعل ذلك ونحن معروفون حول العالم بمنتخب الساجدين، فضلا عن أننا نقيم الصلاة سويـًا ونقيم الشعائر الدينية في جماعة مع أفراد الجهاز الفني".
وتدَّخل الفنان هاني شاكر، الذي هاجمه لاعبو المنتخب بسبب قوله مع عمرو أديب إنه من الضروري الكشف على اللاعبين لأن زوجاتهم مصريات لا ذنب لهن فيما حدث ونقل الأمراض لهن، وقال شاكر إنه فهم الموضوع بشكل خاطئ، وإن الجميع يعرف أن جنوب إفريقيا بلد تنتشر فيه الجريمة والسرقات، وإنه لم يكن يقصد توجيه أي تهمة أو إهانة للاعبين الذين رفعوا رؤوسنا أمام إيطاليا.
وشن رئيس اتحاد كرة القدم المصري سمير زاهر هجومـًا شرسـًا على عمرو أديب بسبب اتهاماته الباطلة للاعبي منتخب كرة القدم المصري، وقال إن حديث أديب في برنامجه تسبب في أزمة كبيرة وصدمة للاعبين أكثر من الهزيمة.
في السياق ذاته، أبدى حسن شحاتة، المدير الفني للمنتخب، استياءه من الاتهامات التي وجهها عمرو أديب، وقال إنه كان يتمنى أن يتم انتقاده فنيـًا وتحميله واللاعبين مسؤولية الهزيمة بدلا من الخوض في الأعراض واتهام اللاعبين بمثل هذه الأمور البعيدة كل البعد عن أخلاق وسلوكيات لاعبي المنتخب. ونفي شحاتة تمامـًا العلاقة بين حالة السرقة التي تعرض لها اللاعبون وما أثاره أديب في برنامجه، بدليل أن محمد أبو تريكة كان ضمن اللاعبين الذين تعرضوا للسرقة، وتساءل: "كيف نصدق هذا الاتهام في لاعب بأخلاق أبو تريكة؟".
وقد تسببت هذه الاتهامات بالفعل في أزمة كبيرة للاعبين مع زوجاتهم، حيث أحدثت بلبلة بين اللاعبين وأسرهم[1].

وفي ظل تصاعد وتيرة الهجوم عليه، تقدم عمرو أديب باعتذار عن قسوته في الهجوم على المنتخب المصري مستخدمـًا مصطلحات مثل "النجاسة والنجسين" دون التأكد من صحة ما أثارته إحدى صحف جنوب إفريقيا، حول اصطحاب لاعبي المنتخب لفتيات داخل غرفهم بالفندق، إلا أنه تمسك بحقه في نقل الأخبار للجمهور[2].
وقال عمرو أديب "أنا لم أقصد الإساءة لأحد من أعضاء بعثة مصر من لاعبين أو جهاز
 فني أو إداريين، فأنا أكن لهم كل تقدير واحترام"، موضحـًا: "أنا فقط نقلت ما نشر في
 وسائل الإعلام العربية والعالمية بصفة عامة وجنوب إفريقيا بصفة خاصة، عن حادث
 سرقة لاعبي منتخب مصر، حيث قالت وسائل الإعلام إن خمسة من لاعبي المنتخب
 تعرضوا للسرقة عن طريق (عاهرات) كُن معهم في غرف إقامتهم". وأضاف: "ومن
 يرد أن يتأكد من صدق كلامي عليه الاطلاع على وسائل الإعلام، وخاصة الجنوب
 إفريقية"، مشيرًا إلى أن "بي. بي. سي" تحدثت عن هذا الموضوع أيضـًا[3].

السقطة الأساسية هنا هي أن هيئة الإذاعة البريطانية نقلت الموضوع، لكنها لم تتبن
 الادعاءات، وهو الأمر الذي بدا لكثيرين أن عمرو أديب أقدم عليه تصريحـًا أو ضمنيـًا، حين تحدث عن رائحة النجاسة في المنتخب في أعقاب الهزيمة أمام المنتخب الأميركي

غير أن هذه الضجة هدأت تدريجيـًا، خصوصـًا بعد أن صدر بيان إعلامي عن لجنة التحقيقات في جنوب إفريقيا، بخصوص السرقة التي تعرض لها منتخب مصر لكرة القدم، خلال مشاركته في بطولة كأس القارات، جاء فيه أن التحقيقات انتهت إلى أن كاميرات المراقبة في فندق "بريتوريا وندررز"، مقر إقامة لاعبي المنتخب المصري خلال مشاركتهم في البطولة، لم تثبت دخول أي امرأة إلى غرف اللاعبين، باستثناء طاقم الفندق المسموح له بدخول الغرف، وأنه لا دليل على تناول أي كحوليات[4].

وهكذا تجاوز منتخب مصر هذه الفترة العصيبة، لكن المؤسف حقـًا أن من أطلقوا التهم جزافـًا أو أولئك الذين رددوها بفظاظة أقرب إلى الجهل، أفلتوا من الحساب والعقاب.

هوامش



[1] محيي وردة وكريم أبو حسين ومحمد يحيى، معركة في الفضائيات عقب "الهزيمة" حول اتهام اللاعبين بالسهر مع عاهرات، جريدة "المصري اليوم"، القاهرة، 23 يونيو 2009.
[2] علام عبد الغفار، اعتذار "أديب" للمنتخب.. والطاعون وشائعات حل البرلمان.. تسيطر على برامج الـ"توك شو"، جريدة "اليوم السابع"، القاهرة، 23 يونيو 2009.
[3] طارق صلاح، عمرو أديب: أنا ما جبتش حاجة من عندي.. ووسائل الإعلام قالت إن السرقة عن طريق "عاهرات"، جريدة "المصري اليوم"، القاهرة، 23 يونيو 2009.
[4] محمد طلعت الهواري، "المصري اليوم" تنشر النص الكامل لتقرير براءة منتخب مصر من تهمة "بنات الليل"، جريدة "المصري اليوم"، القاهرة، 1 يوليو 2009.

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

2 التعليقات على "امتحان النجاسة"

أكتب تعليقا