الصورة إن حكت (4): انتهى الدرس

| |






الصورة: محتجون يتظاهرون في 14 يناير 2011 ضد الرئيس التونسي زين
 العابدين بن علي، قبل ساعات من مغادرته البلاد وتنحيه عن السلطة بعد حكم دام
 23 عامـًا

 
تصوير: زهرة بن سمرة/ رويترز


Photographer: REUTERS/Zohra Bensemra





كانت الطائرة تعلو وتعلو، و"السيد الرئيس" يهبط ويهبط إلى هاوية سحيقة

والقاع فقط جهاته بلا سقوط!

كانت الطائرة الرئاسية التي تتسلل خفية إلى الأجواء، كأنها تحاول الفرار إلى السماء، على موعد مع نوع غير مألوف من التسول

فوق الجزر، والمدن القصية، التي تفوح منها رائحة "نعم"، كانت الطائرة تحلق، وتستجدي الإذن بالهبوط

والرد؟

"لا صارمة"، أو "نعم مُوَقَّتة".. ما دام الأمر متعلقـًا بالتزود بالوقود، من أجل رحيل آخر.. واستجداء جديد

العالقون في تابوت يكفي كل الموتى ويسبح في الهواء الشحيح، كانوا مجرد فارين إلى خنادقِ المنفى مع أول صافرةِ إنذار، بعد أن سقطت دولة البصاصين مثل قلعة من رمال

كانت السماء للشعب لغة، ولأعوان "الباي الأخير" ضجة أحرف كلمةٍ واحدة: الخزي

لعلهم حين حلقت بهم الطائرة فوق سماء العاصمة نظروا من النوافذ إلى الدخان الكثيف الذي يغلف المدينة

حريق كامن في الصدور منذ سنين

أهوال يناير.. وشمسٌ تنقذ الأرواحَ من مافيا الأبناء والأعمام والأخوال، والبطانة، وأذناب العائلات الفاسدة

الطرابلسي والماطري وشيبوب.. سلالة بلا مزايا ولا بريق، أعماها الاستقواء بالسلطة المتوحشة، فانتفعت من وهم حُكم "أبدي"، إلى أن لاحقتها اللعنات حتى النهاية

جنرال الهروب، على ساحل المنفى، لم يعد لديه من يكاتبه

والشارع على مسافةِ خَمسِ خُطواتٍ من الحرية والانعتاق

خطوة، قطعها المهمشون الذين مر على جسدهم الأصهار والمواكبُ الفخيمة

وثانية، مشاها الثائرون أمام مبنى الداخلية المقيت، الذي أورثَ الأرضَ تعاسة وطوفانـًا من الدّم

وثالثة، سارها اكتمال الحشد في قلب العاصمة، وسط دمع ينتظر في المحاجر

ورابعة، بدأها من كانوا جاهزين لاستقبال طلقة، وكلهم شغف بأن يلف جسدهم علم الوطن

وخامسة، كانت من نصيب مُلهمٍ شربَ نخبَ احتراقه، حتى ثملت الطرقاتُ والأحزانُ في المُقل

المنسحقون استفاقوا تحت شمس ألقتهم يومـًا في لظاها

الجموع الهادرة، موجة خرجت لتصقل الصخر وتجرب لونها

غضب الشعب الذي عاش تحت قدم الخوف والتخويف زمنـًا طويلا، يواجه جنون حاكم ينزع إلى الانتقام، ويجد لذته في الإقصاء

"السيد الرئيس"، المستبد، كسوط يلوح للقادمين: هل سرنا في عهدكِ/عهركِ من قبرٍ إلى قبرِ؟

رصاصك الذي حصد الأبرياء وقصف الأقلام وقطف الرؤوس بعيون دامعة من الغبطة، علَّمنا أنه حين تطلقُ السلطة النارَ على جماهيرها يكون النظام قد أدرك أنه يخوض معركته الأخيرة

هتاف الحناجر من بركان يثور، قال كلمته: الشعب أراد الحياة.. فهرب "صاحب الفخامة" وأطلق ساقيه للريح!

الشرارة التي واجهت الشراهة، انطلقت من سيدي بو زيد، وشملت كل من هدهم الفقر ونهشهم الخوف ردحـًا من الزمن، انقلبت ذات جُمعةٍ إلى فرح أشبه بالبكاء

بكاء، لا يماثل دموعـًا محتملة انحدرت من عيني الضِّلِّيل على الكتف العاري لعزيزته التي ذهبت يومـًا إلى الكراهية ولم تعد

كانت الظلمات تؤكد اختفاء "السيدة الأولى"، واختباء مصففة الشعر التي تتغندر بوصفها "سيدة الجمهورية الضرورية"

لعل "حاكمة قرطاج" تندب حظها العاثر، وتثرثر مع أشباحها، متناسية كم كتفـًا تسلّقتْ، وكم تدلل جسدها مثل عشبة شاردة، حتى تصل!

المرأة التي تعشق الملابس الباذخة وجولات التسوق والتدخل في الاستثمارات والتعيينات الحكومية، تطيلُ التحديق في الفراغ الهائل المُحيط بها، وتهاجمها نوبات الصداع كلما تذكرت هتافات المحتجين: "يا ليلى يا حجامة، ردي فلوس اليتامى"

ها هي الخليلة التي جاءت في غفلة من التاريخ، لتظهر علنـًا كزوجة شرعية مصحوبة بهالة كأنما هي "سلامبو"، سليلة المجد الفينيقي، تتساءل - في ارتباك لص جشع- ساعة الرحيل: ماذا سنأخذ معنا وماذا سنترك خلفنا؟

مخلوقان يبدوان خائري القوى.. وحيدين بالاختيار والاضطرار، حين يلتقي طَرَفُ البداية بعجز النهاية

لكن الجلاد الذي يغالطُ الشيب بصبغة مستوردة، ليس سوى خليط من بابا عسكري، وممثل كوميدي

نام طويلا على حرير التقارير التي تستقر في وداعة في الأدراج، وسط تطمينات المستشارين وتحية الجنرالات التي تفوح منها رائحة الولاء القاطع، وترويض الدستور الذي أصبح موظفـًا يدمن الانحناء

يا سيد الانقلاب، كم من مرة كممت الأفواه وفقأت الأعين، وأصدرت التعليمات بأن تفتح وَقَبَات البندقية هوة بين الموت والحياة؟!

والأوامر.. أورام في جسد الطاغية

أيها "الشاه" الذي تتفصدُ منه دائمـًا حباتُ عرق لامعة، لماذا "جميع القيم مهدرة، لكن الأمن مستتب"؟!

قيامة الأحرار حانت، بعد أن استقر في يقينهم مقولة نجيب محفوظ: "عاقبة الجبن أوخم من عاقبة السلامة"

هل هناك شارع عربي؟

أبو القاسم الشابي يجيب بثقة: نعم.. شارع يجترح في كل لحظة معجزة

قالها تاركـًا ساعده الأيمن ينزف بسلام

هي الحرية الحمراء.. التي تبدأ من تونس الخضراء

طاغية آخر سقط من التاريخ، بعد أن أطفأ الأنوار وراح

"فهمتُكم جميعـًا"، قال "السيد الرئيس" في فصاحة متأخرة، وفي دمه رائحة الجنازات، ليستجدي وقتـًا إضافيـًا

لا، أيها الرجل الذي لا تشمله المغفرة.. أنت لم تفهم، وربما أدركت الحقيقة متأخرا

"هذا التغيير استجابة لمطالبكم التي تفاعلت معها"، قالها بوجهه المتجهم وهو يغترف كلماته من جوفه بصعوبة بالغة

"لا رئاسة مدى الحياة"، رددها بصوت مرتعد وهو يجثو على ركبتيه في هوان مصطنعـًا العجز.. حيلة لم تنطل على شعب رد بعنفوان: بل لنا الحياة

"أمهلوني ثلاث سنوات إضافية"، يقولها بائع المسكنات، لكن الوقت يخون الحاكم

"اهدأوا"، يتوسل المسخ الذي ظهر خلال لحظة شكسبيرية في مأساة احتضار البورقيبيّة، وعلى جبينه قرحٌ دائم، مثل أفعى شربت سمها

أسرابُ النفاق تتساءل في الصحف اليائسة والقنوات البائسة: أليس من حق الرئيس أن يبتهل؟

لم يصدقه أو يصدقهم أحد.. كان الكل يعرف أن المخالب مخفيةٌ تحت قفازيّ الرجل الذي سقط بعض قناعه أرضـًا، مثل رماد هش لسيجارة

لم يصدقه الشارع، الذي يحفظُ وصايا التاريخ، وبطش الهرم الأمني، وحكايات بحر لا يتوقف عن لفظ جثث الحالمين بالهجرة إلى الشاطئ

وكذَّبه البسطاء الذين يتندرون عما جرى، حين مر الاستعراض العسكري أمام منصة مقاعدها خالية.. لكن المقاعد التي أدمنت المسؤولين الحكوميين، أخذت تصفق بحماس!

وسخر من أفكاره المغشوشة ووعوده الزائفة بالبرد والسلام، من ذاقوا ويلات نظامه المسرف في إهلاك الحرث والنسل

يا نجم نشرات الأخبار، أين ذهب أصحابُ المباخر الذين كانوا يمطرونك صباح مساء بالإشادات والقصائد والورد؟!

تتفتح غرزات الخيبة في جسد شعب عاش في قرارة الجحيم وداهمته كل أشكال القلق

شعب، ليله أسف، ونهاره لهف،

شعب، غذاؤه محن، وعشاؤه شجن، وزيتونه فتن

شعب، سره علن، وخوفه وطن

إناء القهر لم يعد يتحمل المزيد، ولم يبق أمامهم رشادٌ أو غواية

ها هو طائر الحرية يعلو فوق قلوبهم يوم حُمَّ القضاءُ

ارتفع الأذان: حي على الكرامة.. حي على التغيير

الأغاني التي طفحت، وترهات جوقة النخب المدجنة، التي تتغنى بمناقب "السيد الرئيس"، زادتهم عطشـًا إلى العدل

حين يتكوم البرق في لجة الظلام، تنحني الأسئلة

تنمية؟ بل تعمية

زين؟ بل شين

حقيقة أنجبت من الاحتياج احتجاجـًا على "المحتل الوطني"، في سوسة وصفاقس وقفصة والقصرين والكاف وقابس

ينهض رجال التضحية ونساء التمنيات، والأطفال الذين نسوا أن يكبروا

يتابعون نمو الحرية كأنها ابنة في طريقها إلى الحياة

كلهم تحدوا قناصة الجنرال بصدورهم العارية، وبدّلوا آنية أرواحهم بأخرى خالدة

يطعمون الموت أجسادهم، وتبقى أرواحهم كسرة نور نقتاتُ منها للآتي

بهم، تونس تزداد اخضرارا، وسط محيط رمادي كذئب أغبر

وجه جديد لتونس.. يؤنس ويضيء الطريق

عاطل شاخت أيامه، يقول لعدسات المصورين: كبرت في وقت الفراغ، ونما الذل في ضلوعي كالديون، وهوى القمع فوق صدري بحذائه العسكري الثقيل

يخوض في حسابات الفلسفة: "عندي ستة وعشرون عامـًا، لكنني عشتُ مع الأسى ثلاث دقائق في كل دقيقة مهدرة.. فكم يكون عمري الآن؟!"

والسخط ينتظر الشرارة

يحرق محمد البو عزيزي بجسده العفيف قش النظام، لتستقيم الصورة المائلة في الإطار

هدير عربة الخضار لم يبلغ أسماع الطاغية، إلا بعد أن أصم أذنيه عن أنين شعبه

بائع خضراوات أسقط الطاغية وزوجته ابنة بائع الخضراوات

شاحنة النفايات مرت مسرعة، لتتسخ معها السترة البيضاء لصاحب الهيبة والهيلمان

الأمن الرئاسي يحرس العتمة الموحشة، والوشاةٌ يقايضون الهارب بالندم

وحدها قبور الضحايا، تخفي تحتها حكايات آسرة!

أبو القاسم الشابي يواسي الريح قائلا: لسنا عابرين، هم الذين عبروا وانتهوا

أيها الباذرون القمح.. موسم الأمطار يُولد، فاتقدوا، ثم اتحدوا، وانضجوا

الآن نتأهل لنبل الحياة

يهتف الشاعر بملامح وجه شديدة الوضوح، كأن نحاتـًا مرهفـًا حددها من مادة ثمينة: سنذهب إلى أنقاض الأحياء المهدمة والأرض المعشوشبة، بحثـًا عن غدنا.. ببندقية؟!

كلا.. بل بوردة في يد وقبضة تحد في اليد الأخرى سيبقى لأثرها صدى يتردد عبر العصور

جوهر درس التغيير ثابت

المهم أن يريد الشعب.. والباقي تفاصيل:

إذا الشّعْبُ يَوْمَـًا أرَادَ الْحَيَـاةَ فَلا بُدَّ أنْ يَسْتَجِيبَ القَـدَر


وَلا بُـدَّ لِلَّيـْلِ أنْ يَنْجَلِــي وَلا بُدَّ للقَيْدِ أَنْ يَـنْكَسِـر


وَمَنْ لَمْ يُعَانِقْهُ شَوْقُ الْحَيَـاةِ تَبَخَّـرَ في جَوِّهَـا وَانْدَثَـر


فَوَيْلٌ لِمَنْ لَمْ تَشُقْـهُ الْحَيَاةُ مِنْ صَفْعَـةِ العَـدَم المُنْتَصِر

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

16 التعليقات على "الصورة إن حكت (4): انتهى الدرس"

أكتب تعليقا