الكرة تحت أقدام الصالحين

| |


نأتي إلى فتاوى التحريم
تعتبر أشهر دراسة حديثة تعتمد عليها فتاوى تحريم كرة القدم هي بحث عبد الله النجدي المنشور في عام 2003 تحت عنوان "الكرة تحت أقدام الصالحين"، والمكوَّن من 36 صفحة، الذي يُحرِّم لعب كرة القدم إلا وفق ضوابط عجيبة.
تجاهد الفتوى لتحريم لعبة كرة القدم بأدلة وحجج تضغط على أن كرة القدم وقوانينها من أفكار الكفار ولا يجوز التشبه بهم على أساس قول الرسول الكريم "من تشبه بقوم فهو منهم"

وضع عبد الله النجدي 15  شرطـًا لممارسة رياضة كرة القدم أولها أن يكون اللعب بقصد تقوية البدن بنية الجهاد في سبيل الله أو الاستعداد له، وليس لضياع الوقت والفوز، ويجب أن تكون بدون الخطوط الأربعة مع عدم ذكر كلمات "فاول" و"بلنتي" و"كورنر"، وألا يكون عدد اللاعبين 11 شخصـًا، إما أن يزيد أو يقل، ويكون اللعب شوطـًا واحدًا أو ثلاثة حتى يختلفوا عن "الكفار"، وألا يلعبوا وقتـًا إضافيـًا، وأن يكون اللعب بدون حكم فلا داعي لوجوده، ويجب ألا يشاهدهم مجموعة من الناس أو الشباب أثناء اللعب، وإذا ما انتهت اللعبة فيجب ألا يتحدثوا عن لعبهم أو مهارة بعضهم، وإذا ما سجل أحدهم الكرة بين الحديد والخشب أي "هدف" فلا يفرحون ويجرون وراءه ويقبلونه ولا يجعلون ما يُسمى بالاحتياطي، أما إذا ما وقع أحد اللاعبين فيأخذ حقه الشرعي كما في القرآن، ويجب على زملائه أن يشهدوا أن الشخص الذي أوقعه تعمد كسره ليحصل على هذا الحق. وذكر أيضـًا أن اللعب يجب أن يكون بالملابس العادية لا بالفانلات المرقمة والبنطلونات الملونة؛ لأنها ليست من ملابس أهل الإسلام[1].
فتاوى تحريم كرة القدم قديمة، ومعظمها يدور حول تحريم كرة القدم لما يصاحبها من محرمات بحسب زعم "المحرِّمين"، إذ ورد في كتاب "الدرر السنية" تحريم كرة القدم لما فيها من مفاسد، منها التشبه واللهو الباطل والميسر وما شابه ذلك.
في السعودية، أباح علماء الدين لعب كرة القدم وفق ضوابط، منها عدم كشف العورة وألا تشغل الناس عن أداء الصلاة. وجاء في فتاوى الشيخ ناصر الحنيني أن "الدخول في الملعب لمشاهدة مباريات لكرة القدم إن كان لا يترتب عليه ترك واجب كالصلاة وليس فيه رؤية عورة، ولا يترتب عليه شحناء وعداوة، فلا شيء فيه، والأفضل ترك ذلك لأنه لهو، والغالب أن حضوره يجر إلى تفويت واجب وفعل محرم"[2].
ويشير الكاتب جميل الذيابي إلى قصة شخص تشادي أو مالي يُكنى "أبو عبد الله المكي" واسمه عبد الحميد تراوري، ألقت القبض عليه وزارة الداخلية السعودية عام 2003، أثناء مداهمة شقة الخالدية في مكة المكرمة. كان تراوري قبل اعتقاله يخطب في مساجد مكة ويحرّم علنـًا لعب كرة القدم لكونها صناعة غربية تلهي المسلم عن دينه[3].

وفي أبريل 2010 أفتى أستاذ الشريعة بجامعة الإمام بالرياض د. يوسف الأحمد بتحريم إرسال أطفال المسلمين للتدرب كرويـًا في نادي ريال مدريد الإسباني؛ لأنه يؤدي إلى "التغرير بالأطفال واستدراجهم للذهاب بهم إلى بلاد المشركين، وتسليمهم للكفار لتدريبهم، ولا يخفى الأثر الضار على دين وخلق الأطفال والمراهقين بسبب بقائهم في أيدي أعداء الإسلام لتدريبهم"[4].
لم تشتهر فتاوى تحرم الكرة في بعض البلاد الإسلامية، لكنّ خلافـًا طفا على السطح بين علماء مصريين وتونسيين حول السجود في الملعب بعد تسجيل الأهداف، إذ حرَّمه علماء تونسيون، وأباحه فقهاء مصريون لأنه شكرٌ لله، في حين يميل إلى تحريم هذا الأمر بعض علماء السعودية بوصفه "مسيئـًا للإسلام"، وهو ما ذهب إليه د. صالح بن مقبل العصيمي عضو الجمعية الفقهية السعودية، مشيرًا إلى أنها قد تلاقي تفسيرات خاطئة من الجماهير غير المسلمة. وبعد شهرين من الفتوى وجه مفتي السعودية ورئيس هيئة كبار العلماء عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ انتقادات لهذه الظاهرة، وقال: "إن سجود الشكر يكون حين يرى الإنسان نعمة الله عليه.. ولا أجد في ذلك منفعة ولا أرى أن هناك فائدة من ذلك، ومن يريد أن يذكر الله فليذكره في نفسه أفضل من هذا التصرف"[5].

وفي ماليزيا دعا علماء دين مسلمون إلى حظر ارتداء قمصان نادي مانشستر يونايتد الإنجليزي؛ لأنه يحمل شعار "الشياطين الحمر" كما يلقب النادي، بحسب ما نقلت صحيفة "لوموند" الفرنسية. وقال أحد علماء الدين الماليزيين في هذا الصدد: "إن الشيطان هو عدونا، وارتداء قميصه سيزيد من قدره".
من جهة ثانية، فإن قمصان منتخبات النرويج وصربيا وغيرها هي الأخرى محظورة في البلاد لأنها تحمل صليبـًا. ولنتذكر احتجاج فريق غلطة سراي التركي على اللعب مع انتر ميلانو الموسم الماضي لأن قميص الأخير يحوي شارة الصليب[6].
وأثار البعض قضية لعب مباريات أثناء الأعياد الدينية للمسلمين، فأبدى ناقد رياضي استغرابه من أنه "لا يزال المسلمون هم الوحيدون في العالم الذين لا يحترمون أعيادهم ولا يمانعون في لعب الكرة في العيد رغم أنه من المستحيل أن يقبل المسيحيون اللعب في عيد الميلاد ولا يقبل اليهود أبدا اللعب في أيام أعيادهم.. في عيد الميلاد لا مباريات للكرة.. لا منتخبات ولا أندية؛ لأن الكرة مهما كانت ليست أهم من الدين". ويدعو هذا الناقد إلى أن "تسارع الاتحادات الرياضية في شمال إفريقيا بمخاطبة الاتحاد الإفريقي وإعلامه بمواعيد الوقوف بعرفة وعيد الأضحى حتى يقوم الاتحاد الإفريقي بتعديل جداوله فلا يضطر أي منتخب أو ناد عربي للعب يوم عرفة أو يوم العيد"[7].
غير أننا عرفنا أيضًا كلمات الاحتفاء والاحتفال بكرة القدم ومناسباتها الكبرى، على لسان علماء دين ودعاة من الوزن الثقيل. وهناك علماء دين رأوا في الأحداث الكروية فرصة مهمة لاستنهاض الشعور الديني، والقول بأنها نصر على "الآخر".



وفي الذاكرة ما قاله د. يوسف القرضاوي رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، من أن فوز قطر بحق استضافة مونديال 2022 يعتبر أول نصر تحرزه دول مسلمة على الولايات المتحدة. ولم ينس الشيخ القرضاوي القول، في خطبة الجمعة بجامع عمر بن الخطاب في العاصمة القطرية الدوحة، بأن إصرار القطريين على النجاح والتفوق دفعه إلى أن يتسمر أمام التلفزيون مترقبـًا إعلان رئيس الفيفا، سيب بلاتر، فوز قطر بالتنظيم. ربما استبدت الحماسة بالقرضاوي، بسبب أن الخاسر في جولة الترشيحات كانت هي أميركا، ولذلك لم يوفر الشيخ "الأعداء" من سهامه، وصب هذا الفوز في مفرزة الصراع بين الإسلام والغرب[8]. وكان من رأي القرضاوي أن فوز قطر يعد صفعة على وجه الولايات المتحدة، ودلل باعتراض الرئيس الأميركي باراك أوباما على نتائج التصويت الحر، ووصف تصريحاته بأنها "بالغة السوء"[9].


الهوامش:


[1] __________، أشهر 6 فتاوى لعلماء الدين السعوديين حول "كرة القدم"، صحيفة نجران الإلكترونية، http://www.najran9.com/news-action-show-id-8560.htm ، 29 مايو 2010.
[2] _________، فتاوى إسلامية (4 / 572)،  فتاوى اللجنة الدائمة للإفتاء، الرياض.
[3] جميل الذيابي،  كرة القدم... حرام!، جريدة "الحياة"، لندن، 21 يونيو 2010.
[4] __________، أشهر 6 فتاوى لعلماء الدين السعوديين حول "كرة القدم"، مصدر سابق.
[5]  المصدر السابق.
[6] حسن زين الدين، كرة القدم مسرح للصراع الديني بين الشرق والغرب!، جريدة "الأخبار"، بيروت، 23 يوليو 2010.
[7] ياسر أيوب، منهج كرة القدم في موسم مدرسي جديد، جريدة "المصري اليوم"، القاهرة، 18 سبتمبر 2010.
[8]  مشاري الذايدي، كرة القدم.. وكرة الأرض، جريدة "الشرق الأوسط"، لندن، 7 ديسمبر 2010.
[9] سيد الخضر، القرضاوي: انتزاع قطر للمونديال أول نصر للمسلمين على أميركا، جريدة "دنيا الوطن"، الدوحة، 4 ديسمبر 2010.


ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

7 التعليقات على "الكرة تحت أقدام الصالحين"

أكتب تعليقا