دمعة حبر

| |



هذه الرسالة التي بلا اسم ولا عنوان، وُجِدَت مطوية بعناية في إحدى المجلات التي تنام على طاولة صغيرة في منزل ضيافة، ذات يوم من شهر نوفمبر عام 2007






كنت أتساءلُ دومـًا كيف تُراها الغربة؟ وهل لها بالفعل طَعم مرّ؟ وهل يشعرُ الإنسان بالغربة في حوض السمك الذي يمتدُ من المحيط إلى الخليج؟

 
وجاءت التجربةُ على طبق من ذهب، فحزمنا أمتعتنا وبعنا منها ما بعنا، وارتحلنا إلى دبي: مدينة تجرحُكَ بغرورها وتمص دمك وهي تبتسم


كان الشعور الأسوأ في حياتي ونحن على متن الطائرة. فما أسوأها من مشاعر عندما تعلم أنك لن تعودَ إلى الجدران التي ضمتك في سنواتِ طفولتك ومراهقتك، وكانتْ شاهدًا على أفراحك وأتراحك، وآمالك وآلامك


أصابتني غصة وأنا أودعُ ذكريات الصبا التي جعلتنا نحلقُ بأجنحةٍ من رأفةٍ وجمال


انتابني شعور بالغربة في اللحظة التي تركت فيها شقتي وسلمت مفاتيحها إلى مالكها الأصلي. في تلك اللحظة تحديدًا، شعرتُ أنني فقدت الأمان والسكينة


كم سأفتقدُ رفوفَ الكُتبِ، وقطع الأثاث، وطاولة الزينة، وصورتنا التي تضحك في الإطار، وإبريق الشاي الذي تغيرَّ لونه، والثلاجة التي نُثبّت عليها كلمات الحب بمغناطيس، والشرفة المطلة على أحلامنا، ومقبضَ البابَ الذي يلوي ذراعنا، والدرجَ الذي كاد يُهلكُ أقدامنا، والفراشاتِ التي صبَّرتها في مفكرتي الخاصة


سأفتقدُ الأصدقاء الذين يتبادلون الشكوى من الطقس؛ والجارات اللاتي يثرثرن وهن يرتشفن القهوة من فناجين عليها بصمات أحمر الشفاه؛ والأطفال الذين تنوء ظهورُّهم بالحقائب المدرسية


في مياه الذاكرة الكثيرُ من الضباب


نراهنُ على النسيان، فنخسر الرهان


ها هي صخرةُ الغربة ماثلة أمامنا، نطلُ عليها من النوافذ الصغيرة للطائرة التي أقلتنا إلى المدينة الجديدة التي يتصاعدُ منها بخارُّ الحداثة


في المطار، اكتشفنا أن ماضينا بدأ رحلةَ الإفلاتِ من قبضتنا


من اللحظة الأولى، واجهتْ الحقيقةُ عقلي، وكأنها خارجة من شق في الجليد: أصبحنا غرباء!


كنا نخطو في المطار الفسيح الأرجاء، تسطو إحدى قدمي على خطى الأخرى، في أرض لا تميز خطوتي من سواها، وأتساءلُ: من يحرّرُ الساقين من إسمنت المكان؟


حملتُ ابني الذي اجتمعَ فوق ذراعيَّ مضغةً، واتجهنا إلى المجهول. لم أكن أعلمُ أن هاني سيشعرُ هو الآخر بمرارة الغربة ويعاني أكثر منا نحن الكبار


كان التأقلمُ صعبـًا، فكل الأشياء هنا خارقة.. وتافهة


تلك الحياة الجديدة التي اخترناها بملء إرداتنا، تفرضُ علينا اتخاذَ شكلِ المثلث الذي يسندُ كل ضلع منه الآخر كيلا ينهار ويتفكك


مرت ليال طويلة وثقيلة كانت دموعي فيها تسابقُ بعضها البعض، وكنت أغفو أحيانـًا من شدة التعب


حياتي هنا أوراق مبعثرة تُملأ بها كل الفراغات


يا الله، متى سيأتي اليومُ الذي أنعمُ فيه بالراحة؟


لا أدري هل ما أنا فيه هشاشة في الإرادة أو رهافة حس، لكنني حزينة بكل ما تعنيه تلك الكلمة


كلُ الاختياراتِ قاسية


هنا أتجرعُ الألم وحدي، وأعدُ ضجري على أسناني

 زوجي يذهبُ إلى العمل منذ الصباح الباكر، ولا يعود حتى يهبط الظلام. في ساعات النهار، يمرُّ الصبحُ مهزومـًا حسيرَ الرأس. كانت دقاتُ ساعة الحائط تخترق الوقت، والغرف، ولا يُسّري عني إلا صوتُ فيروز الذي يعانق الملائكة، ويقودني إلى دروب التأمل الصوفيّ






أرتجلُ الوجودَ كمشهدٍ صعبٍ



أفتحُ النوافذ، لعلَّ الشمس تزيلُ الرطوبة المحتقنة في الغرف، وأطالعُ في الشرفة بنفسجة تذوي قبل أن تتلاشى في السماءِ الزرقاءِ. أطرُد طيورَ الأسى من الشرفة، قبل أن أغلقَ النوافذ على دموعي وأسدلَ عليها ستائر النسيان، احتماءً من سماء تُمطرُ رملا، وهواء مخلخل بضرباتِ مطارق عمال البناء


الشمسُ ترحلُ بين النوافذ في ساعات النهار، وقلبي يمتلىء بزبد حامض يزيد من صعوبة التنفس


لا أستعيدُ ضياءَ الأيام، ويهربُ ملمسُ الأشياء من بين الأصابع


هنا، لا أصدقاء يمنحونك فراء الألفة، ولا أحبة تهديهم وشاح الدفء


هنا، نغلقُ النافذة على ألف انتظار، فلا غيمة تعبرُّ الطريق، ولا ابتسامة تربتُ على كتفك


هنا، القبورُ وحدَها هي الحقيقة


أحاولُ أن أصنعَ قبورًا لآلامي الصغيرة.. وأخفي برودَتها برخام آسر


كنتُ مثل غزالة تعثرت قوائمها في مفهوم الفريسة، فمسّها الرعب
المارة الذين يصاعدُ من أكفهم ملحٌ ويباغتُ ظلهم الأرضَ، تنمُ وجوهُهم الباردة، وعيونُهم الجامدة، وخطاهُم المتسارعة، عن عابرين لا يبالون بشيء، ولا شيء يبالي بهم


أحصي الدقائقَ الزاحفة ببطء، وأنا أحسُ بمخلب الذعر، في منازلَ فقدَ سكانُها الطمأنينة


أكتشفُ أن جارنا يملكُ ثلاثَ بنات رائعات، لكنهم ينادونه: أبا أحمد


أرقبُ نملة سوداء مدججة بأحمال تذرعُ المنزل، وأتخلُّصُ من العلكة التي كانت تُضجرني، وأتثاءبُ أمام التلفاز، وأمشطُ شعري فيتساقطُ منه الحزن، قبل أن أحادثَ أمي هاتفيـًا، وأحاولَ أن أبدو متماسكة. أنا فقط لا أتقنُ البكاء على الهاتف


أحكي لها عن المترو المعقم، ومراكز التسوق التي تشبه المتاهة، لكنني أخفي عنها وخزَ الواقع الذي بعثرني


ما إن يعود محمود ونضع وجبة العشاء حتى يبدأ هاني في البكاء، فتجدني أسدُ جوعي بلقيمات بسيطة ومتسارعة، ثم أركضُ إلى ابني وأدخلُ حجرته بقلب مزعزع لأضمه إلى صدري، فيهدأ ويكف عن البكاء. طريقتي هذه تعتبرُّ فاشلة في نظر زوجي، أما أنا فلا أبالي برأيه في موضوع تنشئة الأطفال؛ لأن الرجلَ عادة يجهلُ كنزَ الحنان الذي تجده المرأة في احتضان طفلها


أتساءلُ أحيانـًا، هل يُعقل أن يُحرمَ طفلي الوحيد من كل المحبة التي كانت تحيط بمهده: الجدة الرائعة التي تعشقه والخادمة التي كانت تتسابقُ معنا على رعايته حتى تعلَّق بها. وكان منزل جده الفسيح الذي نزوره في نهاية الأسبوع، يضمُ حديقة غنَّاء تفوحُ منها روائحُ أرقّ نفحة من عطر الخزامى


والآن، لا أحدَ، سواي.. دائمـًا


وحين يغفو أو يستيقظ، فإنه لا يرى سوى ملامح وجهي في هذا البيت الضيق كأنه علبة ألوان. جدران غريبة، هي عنوانُ الوحشة، والشاهدُ الصامتُ على ألم الخذلان ومنغصات الذاكرة


لم يكن أمام صغيري سوى الدموع، كأنه يتساءلُ: أين نحن؟


بكيتُ كثيرًا على بكائه، وجرفتني رغبة لا تقاوم في الصراخ، فقد كان يمزقُ قلبي عندما يحدق فيَّ بعينيه اللتين تشبهين كُرتين من العسل، وتملأ نظراته الحيرة والخوف والدهشة: ما الذي أتى بنا إلى هنا؟


لقد وعدني زوجي بأن يدللني وأن تكون عيناه سربـًا من الرحمة من حولي، في هذه المدينة المتلألئة بألوان زائفة، ذات الشوارع الغائبة عن الوعي، لكنني ما زلت أنتظر تحقيق وعده. حين بُحتُ له بمكنون صدري ومدى ضيقي وشعوري بالاغتراب، ثار في وجهي وقال لي: "اذهبي إلى منزل أهلكِ كي تنعمي بالراحة والرفاهية"!


كلماتُه سرقتْ لونَ دمي، حتى صار صوتي مشروخـًا كزجاج مكسور، بعد أن أخفقَ الرجلُ الذي تركتُ الدنيا من أجله، في أن يقومَ بزيارة حانية إلى ندوبي


ما أتعسَ هذا الإحساس


لعلني متورطة في الخطأ من دون أدري. فقد التهمَ طفلي معظمَ وقتي واهتمامي، ليتراجعَ طيفُ الزوج إلى الوراء. وربما كانت خطيئتي الوحيدة أنني تألمتُ وحلمتُ وقاسيت


يسودُ المنزلَ صمتٌ مطبق كالذي يعقبُ الكوارث



نالَ مني الإحباط، وتسلل الصقيع إلى روحي الهشة، فلم أعد أعبأ بأمور المنزل.. حتى الأريكة تحولت إلى مقبرة ملابس



وحدَها وسادتي صارتْ مهدَ القلق المنفلت


سنترك منزلَ الضيافة بعد أسبوعين، والشقة الجديدة التي سننتقل إليها لن تكون أحسن حالا، فالإيجاراتُ هنا مرتفعة، والشققُ أضيقُ من أن توصف


تُرى، هل هي مجردُ غربة تعتريني؟ ومتى تذوي قوةُ الماضي؟


بتقطيبة حزن، أطوي أيامـًا مليئة بانكسار القلب، وأحادثُ نفسي قائلة: أنا وحيدة في ليل طويل


تذرفُ عينُ الكتابة دمعةَ حبر.. وأبقى حائرة


ربما لأن غرسَ النباتات في مقبرة لا يجدي الآن نفعـًا

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

16 التعليقات على "دمعة حبر"

أكتب تعليقا