صلاة شكر بلون السامبا

| |





في مونديال جنوب إفريقيا 2010، بدا الدين حاضرا في الملاعب والمدرجات على حد سواء.
وهكذا رأينا لاعبي الجزائر يرفعون أيديهم إلى السماء ويقرأ بعضهم الفاتحة، ونجم البرتغال كريستيانو رونالدو يرفعون إصبعـًا من كل يد إلى أعلى محملقـًا في الفضاء طالبـًا العون الإلهي قبل مباراة البرتغال مع جارتها إسبانيا، ويرسم هذا علامة الصليب على صدره، ويرفع ذاك وجهه إلى العلا ممتنـًا بعد أن تمكن من إحراز هدف في مرمى المنافس[1].

لم تكن هذه التصرفات والإشارات بدعة مستحدثة. ففي مونديال الأرجنتين سنة 1978 كان بعض لاعبي المنتخب الإيراني، وفي غمرة الغليان الشعبيّ ضد نظام الشاه، يدخلون الملعب رافعين المصاحف.

وعلى رغم أن قوانين الفيفا تحظر أي إعلانات سياسية أو دينية أو عنصرية في هيئة اللاعب وفي زيه وفي سلوكه داخل الملعب، فإن هذا الحظر لا يصمد عادة أمام غزو الشعارات الدينية والسياسية بشتى مظاهرها. يحظر قانون الفيفا، صراحة، كل مظاهر الإشهار على ميدان اللعب وعلى لوازمه داخل المستطيل الأخضر. غير أن هذه المادة القانونية المرنة تترك المجال واسعـًا لتجاوزات ضمنية، إذ الفصل بين الميدان وخارج الميدان فصل وهمي، فقمصان اللاعبين الداخلية وإشاراتهم وطقوسهم التعبدية صارت تعضد ما يعج به محيط الميدان ومدارجه ولوحاته المضيئة من بلاغات وشعارات من كل لون[2].

وفي أكثر من مناسبة، وجد الاتحاد الدولي لكرة القدم نفسه في قلب العاصفة، فأصدر سلسلة إجراءات الهدف منها الفصل بين لعبة كرة القدم والرموز والطقوس الدينية. ومن ذلك، تحذير الفيفا لاعبي المنتخب البرازيلي على "شكرهم للرب" احتفالا بفوزهم بكأس القارات، التي استضافتها جنوب إفريقيا في يونيو 2009. وكان لاعبو السامبا وأعضاء الجهازين الفني والإداري للمنتخب البرازيلي التفوا في دائرة كبيرة على أرضيه ملعب "ايليس بارك" في جوهانسبرغ بعد فوزهم على أميركا 3- 2 في المباراة النهائية للبطولة، وجلسوا على ركبهم ثم توجهوا بالصلاة للرب شكرًا على فوزهم باللقب، مرتدين قمصانـًا كتب عليها "أحب المسيح"

يُذكر أن المنتخب البرازيلي ضم ستة لاعبين متدينين، بينهم كاكا ولوسيو، أعضاء في جماعة "رياضيون من أجل المسيح"، يقودهم مساعد المدير الفني جورجينيو. ولفترة طويلة، اشتهرت فانلة كاكا التي كان يكشف عنها كلما أحرز هدفا مكتوب عليها عبارة I  belong to Jesus  أي "أنا أنتمي إلى يسوع" وكانت فانلة كاكا الشهيرة تباع في كبرى محال للملابس الرياضية.
أثارت حادثة صلاة الشكر في الملعب حفيظة الاتحاد الدنماركي لكرة القدم، الذي تقدم باحتجاج على تصرف البرازيليين، ما دفع الاتحاد الدولي لكرة القدم لتحذير اللاعبين من إظهار أي طقوس دينية احتفالية في المستطيل الأخضر، مطالبـًا إياهم بالاحتفاظ بمشاعرهم وطقوسهم الدينية لأنفسهم.

عن قرار الفيفا، قال الإيطالي نيكولا ليغروتاليي مدافع يوفنتوس، المعروف بالتزامه بالمسيحية، "إذا كانت الصلاة للرب خطأ، فما هي الأنشطة المقبولة إذن! على الاتحاد الدولي أن يقلق من التصرفات الأكثر عنفـًا، وأن يعطي الجميع فرصة شكر الرب وقتما شاء".
كما انتقد مدافع يوفنتوس في تصريحات نشرتها صحيفة "توتوسبورت" الإيطالية الرياضية ردة فعل الاتحاد الدنماركي للبرازيليين، وقال: "شكر المصريون الله بحرية، دون أن يتدخل أحد في تصرفاتهم أو يمنعهم من ذلك"، في إشارة إلى سجود منتخب الفراعنة بعد هدف الفوز الذي سجله محمد حمص في اللقاء الذي جمع مصر بإيطاليا في الدور الأول لكأس القارات 2009 [3].

وتعدت مسألة العلاقة بين الدين وكرة القدم حدود المستطيل الأخضر.
فقبل مباراة مصر وغانا في نهائي بطولة كأس الأمم الإفريقية في أنغولا 2010، نشر على الموقع الرسمي للحكومة الغانية إعلان رئيس الدولة جون إيفانز عن برنامج اليوم القومي للصلاة الذي أقيم في الشوارع وأماكن التجمع العامة. وفي معرض الحديث عن برنامج ذلك اليوم، ذكر موقع حكومة غانا أن القس آجين آسار أثناء تحضير برنامج اليوم القومي للصلاة صلى في حضور الرئيس من أجل فوز منتخب غانا ببطولة أنغولا[4].
وفي عام 2009 شهدت الساحة الإسلامية انقسامـًا حول ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم في نشيد نادي شالكه الألماني لكرة القدم. وبينما رآه بعض علماء الدين استهزاء وإساءة بالغة للرسول الكريم، اعتبره آخرون مدحا يستحق الشكر[5]

وفي أغسطس 2009، قرر نادي شالكه الألماني لكرة القدم الاستعانة بآراء الخبراء وذلك في أعقاب الانتقادات الشديدة التي يواجهها النادي من مسلمين بسبب فقرة في نشيد النادي. وقالت مصادر النادي إن أحد علماء الاسلام سيبحث الضجة المثارة حول نشيد النادي والذي يحمل عنوان "الأزرق والأبيض.. كم أحبك" في إشارة إلى اللونين اللذين يرمزان للنادي. وتلقى النادي مئات الرسائل الإلكترونية التي تحتج على فقرة في النشيد الذي يتم ترديده منذ زمن بعيد. وتقول الفقرة التي أثارت غضب المسلمين في النشيد: "محمد كان نبيـًا لا يعرف شيئا عن كرة القدم. كان له في الألوان البهيجة متسع، لكنه لم يجد للأزرق والأبيض منافسًا"[6].

والثابت أن معظم الفرق والمنتخبات العالمية لها نشيدُها الخاص الذي يردده مشجعوها أثناء المباريات، وكلها تحتوي على دعاء للرب. النشيد الإنجليزي لكرة القدم - على سبيل المثال لا الحصر- هو الأنشودة الكنسية "كن معي يا رب"
Abide With Me
Fast Fall The Even Tide
"كن معي، فوقت الغروب يحل سريعـًا"

ولهذه الأنشودة قصة طريفة. فهي مقطوعة شعرية نظمها القس هنري لايت، راعي كنيسة بركسم في ولاية دفن عام 1874.

كان هذا القس يزور في شبابه صديقـًا على فراش الموت، وسمع صديقه في أنفاسه الأخيرة يردد هذه الكلمات "كن معي يا رب". تأثر بها القس فأوحت له بهذه القصيدة. كتبها ووضعها في الدرج ونسيها، ولكنه بعد سنوات أصيب بالسل واقترب من نهايته. تذكر صديقه الذي مات بالسل أيضًا، فأخرج القصيدة وأنشدها للمتعبدين في الكنيسة بعد خطبته الوداعية لهم. ودعهم وخرج وركب العربة ورحل إلى فرنسا طلبـًا للاستشفاء، لكنه توفي بعد شهرين. تتألف القصيدة من ثمانية أبيات تعبر عن قلق الإنسان وخوفه من المستقبل ومما وراء الحجب. وتختلط مشاعر القلق بالإيمان بالله ووجود الله والأمل في وقوفه إلى جانبك وأنت في هذه الساعات الحرجة.

وهذه بالضبط مشاعر كل المشجعين الذين يقفون على المدرجات ينتظرون ما سيفعله لاعبوهم من أداء.

وعندما كان الموسيقار هنري مك جالسًا مع زوجته يتأمل غروب الشمس في منظر مؤثر على ساحل البحر، تذكر تلك القصيدة فأوحت له تلك اللحظات الوجدانية أنغامـًا لها فلحنها بما جعلها واحدة من الأناشيد التي تنشد باستمرار في الكنائس. توَّله بها بصورة خاصة الملك جورج الخامس، وعندما حضر لمشاهدة مباراة الكأس النهائية عام 1923 انفجر الجمهور فجأة بألوفهم ينشدون تلك الأنشودة، فانتابت كل الحاضرين موجة عاطفية عجيبة سرت إلى اللاعبين. ومن حينها أصبحت النشيد التقليدي لكرة القدم البريطانية ينشدونها في كل المباريات العالمية ومباراة الكأس النهائية سنويـًا[7].


هوامش


[1] د. عمار علي حسن، حكمة المونديال، جريدة "المصري اليوم"، القاهرة، 13 يوليو 2010.
[2] مختار الخلفاوي، الدين لله والكرة للجميع، موقع "الأوان" الإلكتروني، مصدر سابق.
[3] محمد يحيى، "فيفا" يحذر من الشعائر الدينية داخل الملعب بعد احتجاج الدنمارك على صلاة البرازيليين، جريدة "المصري اليوم"، القاهرة، 6 يوليو 2009.
[4] ديانا الضبع، هل الله ضد الفريق المهزوم؟، مصدر سابق.
[5] ريهام عاطف وآية ممدوح ودينا علي، سعاد صالح تتهم "نشيد شالكه" بالإساءة للرسول و"بيومي" يطالب بإرسال شكر للنادي الألماني، جريدة "المصري اليوم"، القاهرة، 9 أغسطس 2009.
[6] وكالة الأنباء الألمانية، استياء واسع من ذكر اسم النبي محمد في نشيد نادي شالكه الألماني، موقع العربية نت،  http://www.alarabiya.net/articles/2009/08/04/80795.html، دبي، 4 أغسطس 2009.
[7]  خالد القشطيني، الدين وكرة القدم، جريدة "الشرق الأوسط"، لندن، 18 سبتمبر 2003.


ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

0 التعليقات على "صلاة شكر بلون السامبا"

أكتب تعليقا