أمير الحرب الشعبية

| |




رسمت الثورة الكروية ملامح ديمقراطية مفقودة في الشارع

غير أن نجومية الكرة قد تتحول إلى نوع من الحصانة أو تمنح قدرًا من الامتياز لصاحبها. وهو أمر برز في عدد من القضايا والحوادث التي تورط فيها لاعبو كرة، قبل أن يتم تسوية مشكلاتهم بشكل أو بآخر

 ومن ذلك ما جرى حين تم توقيف محمد زيدان، لاعب المنتخب القومي المصري، قبل سفره إلى ألمانيا لإلزامه بالانخراط في سلك الجندية وتأدية الخدمة العسكرية. زيدان الذي يلعب محترفًا في صفوف فريق بروسيا دورتموند الألماني، أدلى بحديث إلى صحيفة "بيلد" الألمانية عقب توقيفه بالمطار، ذكر فيه أن مسؤولا قال له إنه يتفهم وضعه، وهـو موقف قد يبدو مناقضًا لموقف المخبر وأمين الشرطة اللذين وجهت إليهما تهمة قتل خالد سعيد، وكان من ضمن التهم التي كالها مسؤولو الداخلية له التهرب من الخدمة العسكرية!

كانت النتيجة بالنسبة للشاب السكندري خالد غير النتيجة بالنسبة للشاب البورسعيدي زيدان رغم أن كليهما مصري، ويقترب كل منهما من الآخر في العمر، كما أنهما من أبناء مدن مصر الساحلية. الفارق الوحيد بين الاثنين أن زيدان يجيد اللعب بالكرة التي منحته المال والنجومية والشهرة اللازمة لإقناع مسؤولين بمسألة تأخره في أداء الواجب الوطني، والثاني كان يجيد لغة "الكيبورد" والدخول إلى عالم الكمبيوتر، ليخرج من عالمنا حاملا لقبا أطلقته عليه وسائل إعلام محلية: "شهيد الطوارىء"

ولعل هذا ما دفع أحد أساتذة الإعلام إلى كتابة مقال صحفي يحمل عنوان "المجد لـ"زيدان".. والموت لـ"خالد" بـ"المجان" !

ولأنها هتاف الصامتين، وأداة المتسلقين، فقد بقيت كرة القدم في دائرة الضوء، بعد أن مدت بينها وبين السياسة خيوطًا من حرير

وتجلى ذلك في أعقاب اندلاع الأزمة الكروية بين مصر والجزائر، والشكوى من اعتداء جمهور جزائري متعصب على مشجعين مصريين بعد المباراة الفاصلة من أم درمان

ففي ذروة الغضب وحكايات الاعتداء على مشجعين مصريين في أعقاب المباراة، ظهر وزير الإعلام أنس الفقي على شاشة التليفزيون ليتلو الخبر المهم: "الرئيس مبارك اتصل بالرئيس عمر البشير وأخبره إن لم تكن قوات الأمن السودانية قادرة على حماية المصريين فإن القوات المصرية ستقوم بذلك". وروى ابنا الرئيس، علاء وجمال، أنه لم ينم ليلتها بعد حكايات مطاردة المشجعين المصريين في شوارع الخرطوم. وفي خطاب أمام أعضاء مجلسي الشعب والشورى، قال مبارك بحسم: "رعاية مواطنينا بالخارج مسؤولية الدولة، لا نقبل المساس بهم، أو التطاول عليهم، أو امتهان كرامتهم، إن كرامة المصريين من كرامة مصر، ومصر لا تتهاون مع من يسيء لكرامة أبنائها"



مرتزقة!

هكذا وصف علاء مبارك ـ لأحد البرنامج الرياضية ـ المشجعين الجزائريين في مباراة أم درمان. والغريب أن تعليقه هذا حينما نشر بالفيديو على الموقع الإلكتروني لصحيفة "اليوم السابع" وجد تجاوبًا كبيرًا تمثل في تعليقات كثيرة أشادت به وبالرئيس حسني مبارك . وخلال أقل من أسبوع واحد شارك علاء مبارك عبر التليفون في ثلاثة برامج تليفزيونية مصرية واسعة الانتشار، أولها: في برنامج "الرياضة اليوم" الذي يقدمه خالد الغندور على قناة "دريم"، حيث أدلى في اليوم التالي لمباراة أم درمان مباشرة بحديث استغرق خمس عشرة دقيقة شاهدنا خلاله الغندور يذرف دموعًا أثناء حديث نجل الرئيس إليه، وثانيها: في برنامج "البيت بيتك" الذي يقدمه خيري رمضان وتامر أمين على القناة الأولى، حيث شارك بعد حديثه الأول بيوم واحد بحديث ثان حول الموضوع نفسه استغرق أكثر من 40 دقيقة، وثالثها: في برنامج "القاهرة اليوم" الذي يقدمه عمرو أديب

وهكذا أصبح علاء مبارك فجأة - وبعد غياب طويل عن الأضواء- نجم الإعلام الأول طوال الأسبوع الأول للأزمة الكروية

غضب علاء مبارك من السلوك الجزائري نفخ النار بعد موقعة أم درمان وقبلها موقعة القاهرة، وبمكالمات هاتفية على شاشات الفضائيات اندلعت النيران، وتأججت من خلال "الإعلام الرياضي"، لتأكل ساعات الانفلات تاريخا طويلا مشتركا مخضبا بدماء عربية وتضحيات لا يمكن إنكارها

صحيفة "لوس أنجليس تايمز" قالت في تقرير لها إنه إذا كان هناك مصري واحد استفاد من الأزمة بين مصر والجزائر في أعقاب مباريات كرة القدم بين البلدين في إطار تصفيات كأس العالم، فإن هذا الشخص سيكون علاء مبارك الذي ارتفعت شعبيته بشكل ملحوظ إثر تصريحاته للإعلام تعليقا على ما جرى في المباراة الفاصلة

لقد صنعت وسائل الإعلام من علاء مبارك أميرًا للحرب الشعبية ونصّبت أباه الرئيس بطلا للكرامة المستعادة، وكأن أحداث ليلة الخرطوم جاءت في موعدها مع القدر السياسي تمامًا
 

غير أن ما أقلق كثيرين في تصريحات علاء مبارك، التي حرص - للأمانة- على أن يسبغ عليها صفته كمواطن عادي وليس صفة ابن الرئيس، هو أحكامه القيمية التي انطلقت من نوبة غضب. فقد اعتبر علاء أن ما حدث كان مدبرًا ومقصودا من جانب الجزائر، وأنه يعكس كرهًا عميقا وصفه بأنه غلّ "غير مفهوم" أو مبرر يكنه الجزائريون تجاه كل ما هو مصري. وأنكر علاء في مداخلته التليفونية وجود جزائريين يكنون الحب أو الاحترام للمصريين، فقال: "هناك من يقول في جزائريين كتير بيحبونا، لكن هما فين؟ يتحركوا، يتكلموا، إحنا عارفين النظام هناك وكيف يدار، لكن فين الناس العادية؟ فين الناس اللي بتاخد موقف؟"، وأضاف "إيه الخطأ اللي عملناه في القاهرة؟ ممكن يكون حد رمى طوبة على الأتوبيس، لكن فريقهم جاي بيتلكك"

وأشار علاء إلى أن الأمن السوداني قال له إن هناك 30 ألف مشجع جزائري خارج استاد أم درمان بخلاف 9 آلاف مشجع حضروا المباراة، وهو ما أدى إلى وجود التحرش والمشكلات و"السفالة" و"البذاءة" التي حدثت: "قعدنا ساعتين بنتابع الوضع بعد المباراة، وكويس إن إحنا قعدنا واستنينا المنتخب". علاء نوّه بطريقة مباشرة أو غير مباشرة إلى أن المصريين أكثر تحضرا وأقل همجية، وقال إن جمهور المنتخب الجزائري كان "مجموعة من المرتزقة خريجي السجون، بينما كان جمهور المنتخب المصري من الأسر والعائلات" 

وأشار إلى أحد معارفه الذي تعرض للضرب والإهانة من جانب جزائريين أمام أسرته لمجرد أنه مصري. علاء تهكم على عدم إتقان الجزائريين اللغة العربية قائلا: "يكلمونا عربي الأول علشان نعرف نرد عليهم، ومفيش حاجة في الجزاير اسمها صحافة خاصة، وبقالهم سنة كل موضوعاتهم شتيمة في مصر، قبل ما نسافر الجزاير، كنا عارفين إن هيبقى فيه لبش، لكن ماكناش نعرف إن في شغل العصابات ده"

آراء سياسية شائكة من رجل لا يستطيع أن يخرج من جلده كابن لرئيس الدولة، فلو لم يكن كذلك لما سمح له، على سبيل المثال، بالحديث لمدة 40 دقيقة في برنامج "البيت بيتك". وهو نفسه بدأ تلك المكالمة بممازحة خيري رمضان وتامر أمين مقدمي البرنامج قائلا لهم "اسمحوا لي أستغل نفوذي لأول مرة كابن لرئيس الجمهورية، وأن تعطوني الوقت الكافي للكلام"، مضيفًا "لما المواطن العادي بيكلمكم 5 دقايق انتو بتقطعوا عليه المكالمة، إنما أنا عايز آخد وقتي"، وهو ما رد عليه تامر أمين بقوله "إحنا استحالة نقطع الخط.. ده حتى لو حبينا نقطعه مش هنعرف"

لم يكن نجل الرئيس المصري يتحدث في موضوع "رياضي" وإنما يبدي وجهة نظر في أزمة سياسية بالغة الحدة تكاد تعصف بالعلاقات بين بلدين شقيقين. وإذا كان علاء مبارك قد حظي بشعبية واسعة بعد هذه التصريحات التليفزيونية، لدرجة أن الآلاف من مستخدمي الإنترنت أشادوا به على مدوناتهم، كما دعت مجموعة على الفيس بوك إلى توليه الرئاسة خلفا لوالده، فإن هناك من رأى أنه فضّل "ركوب موجة الغضب الشعبي لحسابات سياسية لا علاقة لها بالمصالح المصرية الاستراتيجية العليا"، وبدا للبعض أنه "وظّف سياسيًا وبدأ يمارس، بوعي أو دون وعي، دورًا سياسيًا لا يناسبه لأنه يجري من دكة الاحتياط"

وفي مقاله الافتتاحي كتب الصحفي إبراهيم عيسى رئيس تحرير جريدة "الدستور" مقالا توقف عنده البعض، حمل عنوان "12 سببًا وراء حب المصريين لعلاء مبارك"، قال فيه إن علاء "بسيط وطبيعي وتلقائي ووشه سمح"، و"لم يشتغل بالسياسة فلم يضطر ليقول للناس أوهامًا على أنها حقائق"، ويعيش "بين الناس فلا صولجان حوله ولا هيلمان وراءه ولا زفة منافقين تحيطه"، قبل أن يختم بالقول إنه لهذا عندما تحدث علاء مبارك عن أحداث مباراة مصر والجزائر في الخرطوم "أحب الناس صدقه وصدَّق الناس حديثه، حيث أحسوا أنه مش عامل فيها ابن الرئيس ولا أمين السياسات الذي ينتظر تصفيقًا وتهليلا ولا تكلم عن دولته أو عن حكومته مدافعًا أو مادحًا، وكان صريحًا وبسيطًا ومباشرًا وشعبيًا رغم رد الفعل الجزائري الخشن تجاه تصريحاته"



والحقيقة أن علاء مبارك حرص خلال عامي 2009 و2010 على زيارة معسكرات المنتخب والأندية، عندما يكون الأمر متعلقا بمواجهة كروية بين جانب مصري وآخر جزائري، "فما دامت "ون تو ثري.. فيفا الجيري" حاضرة، فنجل الرئيس في مقدمة صفوف المشجعين في مقاعد الاستاد وقبلها في تدريبات الاستعداد للمباراة

هناك من رأى أن قراءة تحركات علاء مبارك فيما يخص الجزائر "تعكس ملامح شخصية مشجع الكرة، التي تعتبر الفريق المنافس عدوًا ما لم يهزم، وتختار الكراهية والبغضاء لمجرد لحظات لو فحصها العقل، لانتهى إلى كونها لا تستحق"

وأثار مقال كتبه د. حسن نافعة، بعنوان "علاء.. والكرامة المصرية"، حول الظهور الإعلامي لعلاء مبارك، الجدل حول طبيعة ظهور علاء مبارك بهذه الصورة

وانقسمت تعليقات القراء على الموقع الإلكتروني لجريدة "المصري اليوم"، والتي وصلت إلى 234 تعليقا، بين مؤيد لعلاء مبارك باعتباره متحدثًا باسم الشعب وابن بلد، وبين المؤيد لرؤية الكاتب التي تصر على أن هناك أسبابًا سياسية دفعت علاء للظهور الإعلامي. وتساءل القارىء خالد هلال في تعليق إلكتروني على المقال: "كان فين علاء لما الأطباء المصريين اتجلدوا 1500 جلدة في السعودية ولما السفير المصري في العراق اتقتل، ولما الغلابة غرقوا في العبارة.. آه يا بلد" 

وبدا السؤال معلَقا في رقبة الجميع

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

6 التعليقات على "أمير الحرب الشعبية"

أكتب تعليقا