بقعة صغيرة زرقاء

| |





أنت تدري ما كان بعدك حالي

فتـُرى كيف كان حالك بعدي

صفي الدين الحلّي




الصباحُ يلفُ المدينة، والشمس تجاهد كي تضيء

جريحٌ، يقرصُ خد الهواء، ويسيرُ بلا هدى.. فالصعلوك بوصلة الطرقات المشوشة

في الشوارع الصاخبة، المتدافعة، غير المبالية، يذرع الأسفلت الموشى بالمهمشين، فيما يدوس على ظله بائعٌ جوال كان على عجلة من أمره، لدرجة أنه أشعلَ النار في حياته كأنَّه يُشعل سيجارة لصديق

يمرُ بجوار شجرة لوزٍ تبتسم، ونافذة لا أحد يُصلِحُ صريرها

يطالعُ أمًا تصالحُ طفلها على باب المدرسة، قبل أن يلحق ببراعم محشوّين عن آخرهم بآمال الأمهات

قطرة عرق تسقط من على جبين أحد المارة، فتستغرق الأرض طويلا لترتوي بها

عمال البناء يشيدون منازل لكائنات على وشك الانقراض

فتاة تكاشف صديقتها قائلة: "إنه يعاملني كفتاة تضع مقوِّم الأسنان.. ويتسرب إليَّ من نقاط ضعفي"

يلمحُ شابًا يقودُ سيارته الرياضية ببراعةٍ تحسده عليها الطُّرقُ، وآخر يطوق العابرات بحزنه وحرمانه

تتناهى إلى مسامعه أغنية قديمة تباغته بالشجن

كلّه لغزٌ هذا الفتى الذي يعابث ذقن السنين

نبي القلم.. والقلق

لم ينتبه الأصدقاء لغيابه، فهم موزعون على المقابر والمنافي والسجون

يصارعُ ضجره، وهو يطالعُ الرجالَ الذين يلعنون الضرائب والطقس، والسيداتِ المترعات بالشبق، الذاهبات إلى السوق أو جهنم

يملُ من السير، يقف أمام شجرة أشد منه نُحولا، ويستوقفُ سيارة أجرة كي تقله إلى وجهته

داهمته برودة المكيف، والأغنية الهندية التي يستمتع بها سائقٌ تشبَّع برائحة العرق والرطوبة. على الأقل، كان ممتنا لقيادته السيارة بصمت

على باب المستشفى، انزوى رجل لم تبق في فمه سوى سن ذهبية وحيدة، أخذ يدخنُ حكمته مثل قطار قديم

في الداخل، تدفعه كل التفاصيل إلى التبرم: حياد البياض، الضوء الكابي للمصابيح، الروائح النفاذة التي لا تستأذنك، الأرضية اللامعة، السرير اليابس الذي يتمدد عليه مرضى يرقدون في رهان غير متكافئ مع الموت بعد أن ضيّعوا مواعيدهم مع المعجزات

موظفو الاستقبال الذين يملكون وجوهًا من شمع، عيونهم مُسمرة إلى الشاشات المضيئة لتسجيل البيانات، وتحصيل النقود ممن يقتلهم الألم



فضوليون استسلموا للمقاعد الجلدية في انتظار علاج أحبتهم، يشغلون أنفسهم بمجلات فارغة إلا من الصور، وتسقط سهام نظراتهم المزعجة على رواد المكان.. يتلصصون على الأحاديث الجانبية، بحدة براغيث بشرية تلتهم جسدًا تسللت إليه خفية

يسير بخطوات تشبهُ حفيفَ رياحٍ ليليّة في مبنى تنمو في أوردته قنوات ضيقة، ويعبر بجوار مجموعة من الأطباء الذين يدسون في معاطفهم كلمات المواساة الباردة

الممرضة الفلبينية ذات البشرة الجرداء والنظرة الزائغة، تقوده إلى غرفة في آخر الردهة، قبل أن تتركه وحيدًا

يحصي أنفاسه التي تتصاعد كسلّمٍ موسيقي في دار أوبرا

يتنهد مثل عاملِ منجم يحصي الساعات الطويلة التي أهدرها في نفق مظلم

الأصوات تتسرب إلى غرفة الكشف الطبي كما لو كانت صدى لمطر بعيد

على الحائط، تطل شهادة جامعية يحيط بها إطار خشبي عريض بزخارف مرهقة

يزوره طبيب، مدورٌ كما عدستا نظارته، يبدو كأنه يمر بأزمة منتصف العمر، حتى إنه يهدي عشيقاته الشابات حقيبة يد في بداية العلاقة ووشاحا عند إنهائها

كاد يسألُ الطبيبَ الذي يتفحصه: أي الأماكن امتطيتَ البارحة؟

يتراجع، لينصت إلى رأي الرجل المصاب بمرض الدبلجة: الآن وقد جربنا العلاج الطبيعي، ولم تُجد الأدوية نفعا، لم يبق أمامنا سوى الحقن.. لكن علينا أولا إجراء اختبار الحساسية. سيستغرق الاختبار ربع ساعة فقط


بآلية تستعصي على الوصف، تتولى الممرضة المفتقرة إلى الغموض حقنه في ذراعه، ثم ترسم حول مكان الحقن دائرة وتكتب تحتها التوقيت. حدق في ساعة "اليد" التي صنعتها في ذهول. يتمدد وحده في السرير ويتابع مربعات السقف، مستغرقا في تأمل الأجهزة الطبية التي تم تغطية بعضها بملاءات بيضاء. تصلح الغرفة للتعذيب وانتزاع الاعترافات، فكل ما فيها موحش ومحايد

لا أثر في الذراع سوى بقعة صغيرة زرقاء - ستتحول لاحقا إلى اللون البنفسجي- مثل تلك التي يرسمها التلاميذ فوق أيديهم في فترات الاستراحة والشغب البرىء

الضجرُ عنكبوت يتدلى من سقفِ الغرفةِ، وهو مثال ساطع على الخوف

يعود الطبيب، يتحسسُ رسغه والآلام التي تنضج تحت جلده، ويسأله عن موضع الألم. يقوس حاجبيه، ويطلب من الممرضة حلق تلك المنطقة بشفرة ساذجة، قبل أن يختارها هدفا للحقنة المنتظرة

خُذ نفسًا عميقا، يأمره الطبيب، فيمتثل في وجل

يحقنه لدهر.. يده تتحدّى إغراء المخدّر

ينصت إلى إيقاع الموسيقى في رأسه، ويسبح بين مجرتين

يستسلم للزمن، وهو يسائل نفسه: لم الضوء شيء ثانوي في المستشفيات؟

الحقنة دخلت رسغه ولم تخرج أبدا. تحز في العظم، تسيخ في اللحم.. ولا نهاية

يرى عُري عذابه، ويأبى أن يتكلم، خشية أن تقشر الأنات قناع قوته

الإزميل يتوغل بشراسة في عروق الرخام، ورأسه يدور مثل حوّامة، وروحه تذوب في حمض قوي المفعول

أثر الوخز يشبه رصاصة تطل من ثقب في رقبة

لوهلة، احتفى بفكرة كونه ميتا، وهو الذي يوقن - منذ تَقَبَّل أَولَ مراتِ موتِه- أن الموت ليس لحظة واحدة بل هو خط متصل؛ نموت منذ الولادة، حتى نموت فعلا

نموت؟

لن يكتب سيرته الذاتية إذن. سيكتفي بالحروف والسطور والفواصل التي تغلغل فيها حتى صارت جزءًا منه. لن يقول لأحد كيف كان الفتى من أنصاف الآلهة، وكيف أصبح الرجل من أنصاف البشر

يصعد اسمُها على شفتيه، ليصرع تنين الحزن بسيف البهجة

خَياله المحمومُ بالمتأنية على نحو مذهل، يداعبُ ذَاكِرته

امرأة صقلتْ ظلها، تشبه جميلات الأبيض والأسود

وجهها المستدير يمنحها ملامح طفولية لن تبرأ منها

ضوء القمر يتهدجُ في مد عينيها


تخلع عنه رداء العمر، حتى يعود إلى طفولته الوديعة

لكن الطفولة أمدها قصير: صدى يبتلعه صدى

رآها بالأمس، عبر واجهة زجاجية قاتمة، تتأبط ذراع آخر، يضاجع نساء بعدد أيام غيابها عن المنزل

مد يده، وكاد أن.. لولا...

أهو نبلٌ أن نحب ونتخفى؟

لا بأس، يقول لنفسه، ستمرُ يوما من هنا، وستقرأ كلماتي خلسة، لتدرك أنني لم أنس.. ولن أنسى

وقد قيل: الغريب من جفاه الحبيب

ينوء القلب بالحكايات، فمن يحمي كلامَ الصمتِ من عبث الهواء

إنه شعور مضطرم ومضطرب وحزين، وغائم إلى حد ما. حنين مرهق، مثل شغف الصورة بالإطار، قبل أن يخنقها الغبار

يتذكرُها: الضحكة المكتومة، النظرة الغافية، الشعر المنفلت الذي يهطل مطرًا على كتفيها، والعِطرُ الذي يصيبه بالدوار

كانت تعبر شرايينه يوميا، من أقصاها إلى أقصاها

تجوس داخل أحلامه، تلهمه، وتبقى.. فالإلهام قد يأتي عندما نريده، لكنه لا يرحل إلا عندما يريد هو

لحضنها رائحة التفاح المخمر، ولصوتها الناعم نقرٌ خفيف على نافذة الأذن، خصوصا حين يكون كلامها خارجا للتو من معابد الجسد

يغوص في شفتيها المسترخيتين كما المرساة تشتهي القاع، ويلمسها برفق، فالأصابع اللينة نابعة من القلب وليس الجسد



كانت تمسكُ يده وتقودها إلى مدائن أخرى، وأرض الأنثى، ليبعثرَ أمطاره في مداها ويسكن جنتها الأخيرة

تذوب، كنثار دانتيلا قذفت في الهواء، وتخرج رغباتها من الغرف السرية إلى الهواء الطلق

والمرأة التي تخشى الذوبان بين أحضان رجل يجب أن تتعلم من السُكَّر..

السُكَّر لا يخشى الذوبان، لأنه يعلم جيدًا أنه يشارك في صنع متعة استثنائية مع المكونات الأخرى

لا ينسى التفاصيل: الخشخشة الواهية من السلسلة التي تتأرجح على عنق ينفر منه عرق أخضر صغير، النحر الذي يشكل نقطة فاصلة بين موت شاهق وحياة باطنية، حقول الشقرة التي تنصب له فخ اللذة، وأصابعه التي تقود دبيب النمل فوق جلدها حتى تغرق في حرارة الألوان

يفرط رمانها حبة تلو أخرى، والرمان ياقوتٌ مسَّه الشجن

كان يُقرضها أصابعه، حين تطلبُ منه مُساعدتها في رفعِ سَحّابِ الفُستان

أحدنا فحسب تغير، والقلبُ قُلَّبٌ

يمنحها قبلة الوداع، وكرنفال الارتباك ينصب شباكه حولهما. تعمد أن تكون مبتورة، لعلها تصبح فاتحة لقاء آخر

لكنها أطفأت الأنوار وانسحبت من أيامه بهدوء، تاركة بعض الفُل يبكي رحيلها

لعلها مسحت رسائله الإلكترونية، ومزقت صفحات إهداءاته من الكتب، وأخفت كل بطاقاته البريدية الملونة، وهو الذي يحتفي بتذكاراتها: روايات إلياس خوري وسمر يزبك، وقصائد أدونيس، وعلبة بخرزة براقة تضم قرطًا منسيًا على هيئة شمس صغيرة من فضة، وأربعة عشر دبوس شعر

دائمًا لا وصول يا عربة الأسى

وهو انتظار.. ينتظر

يطول الرحيل بينهما، يتحول إلى سكة قطار لا تنتهي

يكتب لها رسائل لن تصل، فهي مرسلة من منسيين إلى أشخاص لم يعودوا كما كانوا:

"لأن صوركِ تحمل بعضًا من ألقكِ وروحكِ التي تضيء الأمكنة

ولأن صوتكِ الغائب عني سبب وجيه للحياة

ولأن وجهكِ الباسم يمنح الدنيا معنى جديدًا لم يرد من قبل في الكتب والموسوعات

ولأنك الليلة الثانية بعد الألف التي لم يلحق أحدٌ بأن يعيشها أو يرويها

لهذا كله وأكثر، أتأمل صوركِ الآن وأبتسم في طمأنينة"

أمنياتٌ كثيرة نعلقها على ظهر أيام قليلة، أضعف من أن تحملها

على شاطئ البحر الذي يداعب رذاذه وجوه العابرين، كانت تسائله: قل لي، إن كان هذا البحر في حوزتي

يرسم لوحة طبيعية لحورية البحر ويجيبها بالقول: هو شلال من الرغبة يتدفق في رحلته من خليتكِ التي تقطرُ عسلا، مرورًا بشبق الخاصرة، وصولا إلى إسفنج القدمين، حتى يلامس نهايته السعيدة


تقول: الموج عالٍ جدًا اليوم

يرد قائلا: ربما لأنه يريد أن يعلو جدًا كي يلمس خصلات شعرك

تبتسم وتتساءل: ولِمَ؟

يجيبها: البحرُ موجُه طامع، يحاول ولا ييأس.. فلا يأس مع البحر ولا بحر مع اليأس

اليوم، اختفى البحر، وصارت اليابسة مجرد صخرة عارية وحقل من رماد

كم هي قصيرة جدًا تلك الأبدية

أين هي الكلمات التي لم يقولاها، والأشياء التي لم يفعلاها؟ أين هي؟

في الليالي الطويلة نتساءل:

أيها الحنين الذي لا يصبر على فراق، الفجر لاح في السماء، فلِمَ تؤجل آمالنا إلى غد بعيد؟

أيها الأمان الذي نشتهيه، هل صان من نحبُ شعلة الهوى؟

يتردد السؤال مع الصدى، لكن في أعماق أعماقنا تأتي الإجابة: من يحب يهلكه الفراق، ومن يعشق يتلفه الانتظار

يمد الطبيب له يده بورقة تضم قائمة من الأدوية والمسكنات، وينصحه بوصفة تقليدية قد تمنح الأوجاع بعض السكينة


يخرج إلى رصيف العمر..

كانت تنقصه غيوم أكثر ليبكي

هذه المدينة ليس لها كتف يتكئ عليه

هذه المقاهي ليس بها كرسي أعمى ليسند ظهره إليه

كم نرتدي البداية بأخطاء عتيقة

تطيِّر الريح النفايات المهمَلة

يتمنى رئة قوية كي يتنفس هواء الكون، لكنه يكتشف أنه أصبح مجرد عاشق مرسوم في فنجان قهوتها

الأرض تفتحُ جرحها للعابرين، وقلبه أيضًا

الآن تكتمل الحكاية

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

14 التعليقات على "بقعة صغيرة زرقاء"

أكتب تعليقا