الدروايش .. صناع السعادة

| |









لسنوات، ألقت أجواء هزيمة حرب يونيو عام 1967 بظلالها على البشر والحجر في مصر. في تلك الفترة العصيبة، كانت السخرية لغة الشارع. سخرية تقطر يأسا مما جرى، وربما مما سيجري. وكان الكل يعلق هزائمه على مشجب الوضع المتردي بشكل عام
في عام 1971 شاركت مصر في كأس فلسطين لكرة القدم وهي الكأس التي كانت تشرف عليها الجامعة العربية، وعاد منتخب مصر بعدما خسر الكأس التي فازت بها العراق. وفي مطار القاهرة، هاجم الصحفيون مدرب مصر الكابتن محمد الجندي، إذ كيف يخسر كأس فلسطين، ونحن نمتلك أقوى فريق، من المسؤول عن الكارثة؟ ومن يتحمل مسؤولية هذه المصيبة إذا لم يتحملها المدرب؟!
قال الجندي ردًا على الهجوم: جايين تتهموني وتحاسبوني وتحملوني المسؤولية عن ضياع كأس فلسطين، دا فلسطين ذات نفسها ضاعت وما حاسبتوش اللي ضيعوها.. جايين تحاسبوني أنا على ضياع كأس فلسطين!
[1]
وفي لحظات اليأس، يبحث الناس عن أي نقطة ضوء في نهاية النفق، حتى لو كانت النقطة من مواليد برج الساحرة المستديرة
وكان الدراويش جاهزين كي يمنحوا المصريين بعض الأمل بعدما هزمتهم السياسة وأوقعتهم الحرب في بئر لا قرار له

ولم يكن هذا بغريب على النادي الذي تأسس عام 1924 تحت مسمى نادي النهضة الرياضي، ثم تغير اسمه وعُرف باسم نادي الإسماعيلي الرياضي، نسبة إلى المحافظة التي يوجد بها وهي محافظة الإسماعيلية. وإذا كان الإسماعيلي شارك في أول بطولة نظمت للدوري المصري الممتاز عام 1948، فإنه فاز ببطولة الدوري ثلاث مرات أعوام: 1967، و1991، و2002، وكأس مصر مرتين عامي: 1997، و2000
وفي أثناء توقف مسابقة الدوري العام لكرة القدم بسبب الظروف التي أعقبت حرب يونيو 1967، اشترك الفريق الأول في النادي الإسماعيلي في بطولة إفريقيا للأندية أبطال الدوري موسم 1969- 1970 بوصفه بطل مصر. وبطبيعة الحال، كان معظم أفراد الفريق قد تغيروا ما بين اعتزال وإصابة وخلافه، كما تغير الجهاز الفني ليكون مصريًا بدلا من إنجليزي، حيث تولى علي عثمان مهمة تدريب الفريق بدلا من طومسون، وعاونه الكابتن صلاح أبو جريشة والكابتن ممدوح خفاجي
جاء اشتراك الإسماعيلي في بطولة إفريقيا في فترة عصيبة بسبب توقف الدوري مما يعني عدم الاحتكاك بقصد الارتفاع بالمستوى العام، لذا تقرر إقامة معسكر في مركز شباب الجزيرة بالإضافة إلى وضع برنامج مكثف لتعويض نقص المباريات الرسمية، تضمن خوض بعض المباريات المحلية ورحلات إلى الخليج، مثل الكويت والإمارات واللعب مع أنديتها عدة مباريات ودية
[2]
ومن عجائب هذه البطولة أن الإسماعيلي دخل هذه البطولة بثلاثة عشر لاعبا اشتركوا في جميع المباريات. فقد شارك في البطولة: حسن مختار والسناري وأمين إبراهيم وحودة وميمي درويش وسيد حامد ونصر السيد وسيد عبد الرازق "بازوكا" وعلي أبو جريشة وأميرو وريعو وعبد العزيز هنداوي ومصطفى درويش، إضافة إلى العربي ومحمد عباس
كانت البطولة في بداية مشوارها سهلة بعض الشيء بالنسبة للإسماعيلي، ثم بدأت المباريات تزداد في الصعوبة بطريقة تصاعدية
بدأ فريق الإسماعيلي مشوار البطولة مع فريق التحدي الليبي وكانت المباراة الأولى في ليبيا وأقيمت في 12 أكتوبر 1969 على ملعب بنغازي، وفاز الإسماعيلي 5- صفر، فقد أحرز أميرو ثلاثة أهداف وكل من سيد عبد الرازق وعلي أبو جريشة هدفا، وتألف طاقم التحكيم من عبيد إبراهيم وقنديل والخضير وهو طاقم سوداني
علقت على المباراة جريدة "الحقيقة والعمل" الليبية بالقول إن الإسماعيلي لعب مباراة هائلة وإن الدراويش نصبوا السيرك وإن "التحدي" لم يكن ندا له. وفي مباراة العودة والتي أقيمت بملعب الزمالك في 19 أكتوبر 1969 فاز الإسماعيلي 3- صفر وأحرزها أميرو وعلي أبو جريشة وسيد عبد الرازق، وحكم المباراة تسيمبا الإثيوبي


وتقابل الإسماعيلي في دور الثمانية مع فريق جورماهيا الكيني، وأقيمت المباراة الأولى في القاهرة في 31 أكتوبر وانتهت بفوز الإسماعيلي 3- 1 أحرزها علي أبو جريشة، وكانت نتيجة الشوط الأول التقدم بهدفين نظيفين. في تلك المباراة القوية، تألق اللاعب ميمي درويش صخرة دفاع الإسماعيلي
وفي المباراة الثانية التي أقيمت في 9 نوفمبر 1969 تعادل الفريقان 1- 1 وأحرز هدف الإسماعيلي سيد عبد الرازق، وكان الإسماعيلي متقدمًا حتى قبل نهاية المباراة بأربع دقائق. حكم المباراة موكاسا الأوغندي، وقد شهدت خشونة متعمدة أصيب خلالها اللاعب علي أبو جريشة وميمي درويش وسيد عبد الرازق
في دور الأربعة التقى الإسماعيلي فريق كوتوكو الغاني، وأقيمت المباراة الأولى في كوماسي في 13 نوفمبر 1969 وتعادل الفريقان 2- 2 وأحرز للإسماعيلي علي أبو جريشة وأنوس
بادر فريق الإسماعيلي بالتسجيل أولا بعد 38 دقيقة من بداية المباراة عن طريق هدف من مجهود فردي للاعب علي أبو جريشة، ثم أضاف أنوس الهدف الثاني مع بداية الشوط الثاني.. ولكن كوتوكو تعادل عن طريق إبراهيم صنداي الذي أحرز هدفين، كان آخرهما هدف التعادل الثاني وذلك قبل نهاية المباراة بأربع دقائق
حكم المباراة كودبالي من كوت ديفوار
في المباراة الثانية والتي أقيمت على ملعب الزمالك في 7 ديسمبر فاز الإسماعيلي 3 – 2 وأحرز هنداوي هدفين وعلي أبو جريشة هدفًا. كانت نتيجة الشوط الأول 2- 1 وسجل الأهداف هنداوي من تمريرة من أبو جريشة ثم تعادل أبوكاري لكوتوكو، قبل أن يهدي علي أبو جريشة هنداوي كرة سجل منها الهدف الثاني
في الشوط الثاني، أحرز علي أبو جريشة الهدف الثالث وكان أجمل أهداف المباراة، ثم نجح عثمان لاعب كوتوكو في تسجيل الهدف الثاني لفريقه، لتنتهي المباراة لمصلحة الإسماعيلي. وقد حكم المباراة طاقم حكام من الجزائر
صعد الإسماعيلي إلى المباراة النهائية، ليواجه صخرة عملاقة اسمها الإنجلبير

والإنجلبير هو فريق عريق، أسسه عام 1932 رهبان الكنيسة البنديكتية لممارسة الكرة فتحول سريعًا إلى أشهر أندية زائير، وعاش كأقوى أندية القارة السمراء في ستينيات القرن العشرين، إذ تأهل لنهائي بطولة إفريقيا للأندية أبطال الدوري 4 مرات متتالية بين 1967 و1970 وأحرز اللقب مرتين، كما هيمن على البطولة المحلية لسنوات طويلة
الفريق الذي حمل أولا اسم راعيه الرسمي "انجلبير" وهو أحد أنواع إطارات السيارات، كان مخيفا بفضل ترسانة المهارات الكروية في صفوفه، وخبرة لاعبيه في البطولة الإفريقية
أقيمت المباراة الأولى في كينشاسا في 21 ديسمبر 1969 وتعادل فيها الفريقان 2- 2 وقد تقدم فريق الإنجلبير من ركلة جزاء في الدقيقة 8 أحرزه تشينا قبل أن يحرز السناري هدف التعادل، وكان من أغرب أهداف البطولة، فقد لعب الركلة الحرة المباشرة وسدد الكرة فإذا بها تخدع كالامبيا حارس المرمى ومدافعه كاتومبيا لتعانق الشباك
بعدها ينجح الإسماعيلي في إحراز الهدف الثاني بعد أن ارتدت الكرة من تسديدة ريعو ولكنها تصل إلى سيد عبد الرازق الذي يلعب الكرة وتدخل المرمى ليتقدم الإسماعيلي 2- 1، ولكن فريق الإنجلبير أدرك التعادل لاحقا. حكم المباراة كامدين الكاميروني
وفي يوم الجمعة الموافق 9 يناير من عام 1970، احتشد 130 ألف مشجع داخل ستاد ناصر (ستاد القاهرة حاليًا) بخلاف الجماهير الموجودة خارج الاستاد، كانوا جميعًا في انتظار فرحة كروية تعوض خيبة السياسة وهزيمة الحرب
في ذلك اليوم المشهود أقيمت مباراة مثيرة بكل المقاييس، فاز فيها الإسماعيلي 3- 1 إذ أحرز سيد عبد الرازق هدفين وعلي أبو جريشة هدفا، فقد نجح أبو جريشة مع الدقائق الأولى في إحراز الهدف الأول للإسماعيلي بعد أن استغل خطأ دفاع الإنجلبير حين أعاد لحارس مرماه كرة قصيرة استغلها أبو جريشة ليحرز هدف الإسماعيلي، وينتهي الشوط الأول بتقدم الدراويش بهدف
وفي الشوط الثاني، وفي الدقيقة الخامسة، ينجح موليندا في تسجيل هدف التعادل، لكن الرد جاء من سيد عبد الرازق الذي أحرز هدف الإسماعيلي الثاني من ركلة جزاء أهداها له اللاعب علي أبو جريشة بعد أن أعاقه حارس مرمى الإنجلبير
وقبل نهاية المباراة بثلاث دقائق، احتسب حكم المباراة خطأ على حارس مرمى الإنجلبير، ليمرر أبو جريشة الكرة إلى اللاعب سيد عبد الرازق فيسددها قوية تسكن الزاوية العليا لمرمى الإنجلبير، وتنتهي المباراة بفوز الإسماعيلي بأول كأس إفريقية لمصر والدول العربية

يومها بكى الإذاعي الكبير فهمي عمر وهو ينقل تفاصيل المباراة عبر الآثير، وتعالت هتافات الجماهير المحتشدة، خصوصا حين صعد كابتن الفريق ميمي درويش ليتسلم الكأس الغالية
لعب الإسماعيلي في البطولة ثماني مباريات، فاز في خمس منها وتعادل في ثلاث وأحرز 22 هدفا، ليحقق البطولة دون أي هزيمة

جاء "فاكهة الكرة المصرية" علي أبو جريشة هداف الفريق وهداف البطولة برصيد 8 أهداف، وأحرز سيد عبد الرازق 6 أهداف وأحرز أميرو 4 أهداف وهنداوي هدفين، وسجل كل من أنوس والسناري هدفا، ودخل مرمى الإسماعيلي 9 أهداف


وحصل أبو جريشة أيضا على لقب أحسن لاعب في القارة في استفتاء مجلة "جون أفريك" كما فاز بالكرة الفضية في استفتاء مجلة "فرانس فوتبول"
خرجت الصحف المصرية في اليوم التالي للمباراة بعناوين رئيسية تحختفل بالفوز الكبير، وكانت عناوين جريدة "أخبار اليوم" كالتالي:
"الإسماعيلي بطل إفريقيا هزم الإنجلبير 3/1
دفاع الإسماعيلي شل خطورة الإنجلبير
الحكم يقول : كنت حازما في تطبيق القانون
وحاملا الراية يقولان: أبو جريشة وكازادي أحسن اللاعبين"
[3]

فوز الإسماعيلي باللقب الإفريقي مسح دمعة من عيون المصريين، ومنح بصيص أمل في غد أفضل، فالكرة تصنع المعجزات، وترفع الروح المعنوية إلى السماء السابعة، بعد أن سقطت تلك الروح المعنوية فوق رمال سيناء
كان الدراويش على موعد مع فصل مهم من إمتاع جمهورهم لدرجة الذوبان في فنهم. نشير هنا إلى أن الناقد الرياضي نجيب المستكاوي هو الذي أطلق على فريق الإسماعيلي لقب الدراويش. وحين أطلق عليه هذا اللقب كانت عائلة درويش ممثلة في الفريق، وبقي هذا الاسم مرتبطا بالفريق حتى يومنا هذا، مع أن أصحاب اللقب‏ (‏درويش‏)‏ في تاريخ هذا الفريق يعدون على أصابع اليد الواحدة‏،‏ بينما آل أبو جريشة قدموا له عشرات النجوم. ولا نبالغ حين نقول إن عائلة أبو جريشة سعيدة بلقب الدراويش؛ لأنه جاء من رجل ساند الإسماعيلي حين كانت المساندة شجاعة
[4]

الهوامش


[1] عزت القمحاوي، حتى في اللعب.. المجد للديمقراطية، جريدة "المصري اليوم"، القاهرة، 13 يوليو 2010
[2] سعيد عبد الغني، الدراويش في أدغال إفريقيا، بدون ناشر، القاهرة
[3] جريدة "أخبار اليوم"، القاهرة، 10 يناير 1970
[4] حسن المستكاوي، الدراويش.. أم (الدهاشنة)؟!، جريدة الشروق"، القاهرة، 6 أغسطس 2010

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

10 التعليقات على "الدروايش .. صناع السعادة"

أكتب تعليقا