إيطاليا.. فرصة العمر

| |







حلم التأهل إلى المونديال الكروي زهرة لا تذبل، ما دامت تروى بماء الأمل.. والعمل


وبعد غياب طويل عن بطولة كأس العالم لكرة القدم، وتحديدًا منذ عام 1934، وجد منتخب مصر نفسه يطرق أبواب المونديال، بعد أن اجتاز منافسا قويا هو منتخب الجزائر الذي كان يتطلع إلى التأهل للمرة الثالثة على التوالي وتكرار عروضه القوية التي قدمها في مونديال إسبانيا عام 1982 حين هزم منتخب ألمانيا 2-1 وكاد يتأهل إلى الدور الثاني، لولا مؤامرة عنوانها التواطؤ دبرتها ألمانيا مع جارتها النمسا.


إلا أن منتخب مصر كان له رأي آخر.


فقد تمكن المنتخب المصري من التعادل في الجزائر سلبيًا في اللقاء الأول مع منتخب الجزائر الذي أقيم في 8 أكتوبر 1989، قبل أن يفوز في اللقاء الثاني الذي أقيم في القاهرة على المنتخب الجزائري الذي كان يحمل آنذاك لقب بطل إفريقيا، ليحجز بطاقة التأهل، وسط فرحة المصريين الذين ذاقوا طعم الانضمام إلى الكبار في هذا العُرس الكروي العالمي.


دعونا نستعيد تلك الأجواء الكروية قليلا، كما وصفتها الصحف المصرية.


ففي 17 نوفمبر عام 1989 أقيمت المباراة الحاسمة بين منتخبي مصر والجزائر باستاد القاهرة على تذكرة الذهاب لنهائيات كأس العالم 1990 بإيطاليا، والتي حسمها المصريون برأس حسام حسن، عندما ارتقى مهاجم المنتخب المصري في الدقيقة الخامسة من عمر المباراة وحوَّل عرضية أحمد الكأس داخل مرمى الجزائر. وربما كان هدف حسام حسن في مرمى الجزائر في تصفيات كأس العالم 1990 يمثل أفضل ذكريات المصريين عن هذا الحدث الكروي العالمي
[1]، إذ توج هذا الهدف مشوارًا كاملا حاول فيه المصريون التشبث بالأمل للنهاية حتى لا يفلت كما حدث من قبل ونجحوا.


لاحقا، قال لاعب المنتخب المصري ونادي الزمالك أيمن يونس: "كانت معركة ولم تكن مباراة كرة قدم"
[2].






الصحف المصرية عايشت تلك المباراة ودأبت على الحديث عنها بشكل مكثف طوال الأيام القليلة السابقة لها.


في جريدة "الأهرام" تحدث الناقد الرياضي حسن المستكاوي يوم 16 نوفمبر عن استعدادات الفريقين، وكتب تقريرا مطولا عن الاستعدادات المكثفة للقاء المصيري، وأشار في عنوان فرعي إلى "وجود 15 فريقا تليفزيونيا أجنبيا وأكثر من 100 صحفي ومصور في القاهرة لتغطية الحدث"
[3].


وفي صحيفة "الأخبار" كتب محمود السيد عن اكتمال صفوف المنتخب وتألق اللاعبين قبيل المباراة الحاسمة
[4]، في حين ألقى فتحي سند الضوء على "غرور" الجزائريين ومديرهم الفني عبد الحميد كرمالي قبل اللقاء، وكتب "الجزائريون يتعاملون مع اللقاء المصيري بثقة ودبلوماسية"، مع تصريح لكرمالي قال فيه: المران السري إشاعة سبقت وصولنا للقاهرة. وألقت مشكلة التذاكر بظلالها على المباراة، حيث كتب جمال الزهيري عن "طرح تذاكر جديدة أفضل من الفوضى المتوقعة غدا"، وأشار إلى أن "جماهير الأقاليم تشكو الظلم وليس أمامها إلا التذاكر المزورة".






وحرصت صحيفة "المساء" على أن يكون موضوعها الرئيسي حوار مع اللاعب جمال عبد الحميد، قائد المنتخب الوطني[5]. ونشرت "المساء" كذلك تصريحين لمدربي الفريقين فقال كرمالي: "لا يهمني 120 ألف متفرج وقادرون على الفوز"، وقال محمود الجوهري، المدير الفني للمنتخب الوطني في ذلك الوقت: "اختراق الدفاع الجزائري مهمة صعبة"، ونشرت "الجمهورية" تحقيقا مع الخبراء مثل الوحش والديبة عن الطريق إلى الفوز على الجزائر، كما كتب ناصف سليم مقالا يطمئن فيه الجمهور واللاعبين على أن الفوز على كتيبة محترفي الجزائر ليس بالمهمة المستحيلة، مشيرا إلى أن منتخب الجزائر لا يضم محترفين خارقين للعادة[6].


يوم المباراة كان الوضع في الصحف المصرية مختلفًا تمامًا، حيث زاد الاهتمام باللقاء وخرجت له إشارات في الصفحة الأولى يوم 17 نوفمبر 1989 وكتب حسن المستكاوي موضوعا شحذ فيه الهمم وحدد المطلوب من الجميع حتى يتحقق حلم التأهل إلى المونديال بعد غياب استمر 56 عاما
[7]، فيما أوصى الناقد الرياضي إبراهيم حجازي لاعبي مصر وجمهوره بثلاث وصايا، أولا التشجيع وليس الفرجة، وأن يضعوا أعصابهم في "فريزر"، وأخيرا ألا ينسوا أن المباراة بين أشقاء وقدر مصر دائما أن تتحمل "شقاوة الأشقاء".


أما "الأخبار" فكتبت عن حلم التأهل إلى المونديال الذي يراود جميع المصريين في صدر الصفحة الأولى
[8]، أما في صفحات الرياضة فكتبت عنوانا من كلمتين: "المواجهة الكبرى" وتحته: "هواة مصر الواثقون ومحترفو الجزائر من يفوز بتذكرة الذهاب إلى روما". وأجرى علاء صادق استطلاعا للرأي مع 10 خبراء رشح 9 منهم مصر للفوز، بينما تحدث فتحي سند عن أسلوب الجزائريين الواحد والهادئ للحرب النفسية.


وفي صحيفة "المساء" كانت أحلام التأهل هي أهم موضوعات الصفحة الأولى، مع حديث عن أجواء الساعات الأخيرة وانتظار الجمهور أمام الاستاد منذ الليلة التي سبقت المباراة
[9]، وفي الداخل كتب النقد الرياضي سمير عبد العظيم مقالا أسدى فيه النصح للاعبي المنتخب القومي، حيث أوصاهم بالهجوم المنظم والسريع مع عدم إغفال الواجبات الدفاعية[10].


أما في صحيفة "الجمهورية" فكتب رضوان الزياتي في الصفحة الأولى عن اللقاء المصيري الذي يضمن لمنتخب مصر حجز بطاقة التأهل إلى بطولة كأس العالم لكرة القدم
[11]، كما نشرت الصحيفة تقريرًا عن الفريقين عنوانه "عبد الرسول هداف مصر.. مناد وماجر هدافا الجزائر"، مع تصريح لمحمود الجوهري قال فيه: أمنيتي تحقيق أمل الجماهير. وكان أجمل ما في الصحيفة هو تقديمه المباراة التي كتبها الزميل محمود معروف تحت عنوان "روما فرصة العمر"، حيث تخيل في بداية المقدمة أن مصر وصلت بالفعل إلى نهائيات كأس العالم، وأنه يكتب مقدمة لقاء بين مصر والأرجنتين في المجموعة الثالثة مثلا، والحكم يجري قرعة البداية بين قائد مصر جمال عبد الحميد والأسطورة مارادونا قائد المنتخب الأرجنتيني[12].


حلم التأهل أصبح حقيقة في مونديال 1990، لتهتف جماهير الكرة المصرية "جوهري.. جوهري"، في إشارة إلى المدير الفني للمنتخب محمود الجوهري، وتتغنى باللاعبين الذين حققوا هذا الإنجاز.







في مباراته الأولى في المونديال التي أقيمت في باليرمو في 12 يونيو 1990، تعادل منتخب مصر مع منتخب هولندا بهدف لكل منهما، وبعد أن أحرز الهولندي فيم كيفت هدف السبق للمنتخب البرتقالي في الدقيقة 58، سجل مجدي عبد الغني من ركلة جزاء في الدقيقة 83 هدف مصر الوحيد في البطولة إثر عرقلة المدافع الهولندي كومان للمهاجم المصري حسام حسن. وفي المباراة الثانية له في باليرمو في 17 يونيو، تعادل المنتخب المصري سلبيا مع منتخب أيرلندا، في مباراة اعتبرها الجمهور ثاني مباراة في الترتيب بعد لقاء منتخبي إنجلترا وأيرلندا في المجموعة نفسها من حيث الملل. وفي المباراة الثالثة التي أقيمت في كالياري في 21 يونيو 1990، خسر المنتخب المصري بصعوبة وبهدف وحيد أمام منتخب إنجلترا سجله مارك رايت في الدقيقة 59، ليغادر المنتخب المصري البطولة من دورها الأول[13].

 

ومن إيطاليا إلى 1934 إلى إيطاليا 1990، صام المصريون عن المشاركة في المونديال، وكأن إيطاليا هي فرصة العمر الوحيدة بالنسبة لكرة القدم المصرية.


الهوامش
[1] وائل عباس، أكثر 10 مشاهد تأثيرًا في مسيرة المنتخب المصري بتصفيات المونديال، جريدة "المصري اليوم"، القاهرة، 14 نوفمبر 2009.
[2] James Montague, "Egypt against Algeria revives some bitter memories", World Soccer, http://www.worldsoccer.com/features/egypt_against_algeria_revives_some_bitter_memories_part_one_by_james_montague_features_290898.html, November 27, 2009.
[3] حسن المستكاوي، مصر والجزائر يستعدان وسط اهتمام جماهيري وإعلامي هائل، جريدة "الأهرام"، القاهرة، 16 نوفمبر 1989.
[4] محمود السيد، الفريق القومي ينهي استعداداته.. وكلهم جاهزون لتحقيق الفوز غدا، جريدة "الأخبار"، القاهرة، 16 نوفمبر 1989.
[5] ____________، جمال عبد الحميد: يا جمهور مصر اطمئن.. فوزنا على الجزائر رد لجميل لن ننساه، جريدة "المساء، القاهرة، 16 نوفمبر 1989.
[6] ناصف سليم، محترفو الجزائر الكرام ليس فيهم بوشكاش ولا دي ستيفانو، جريدة "الجمهورية"، القاهرة، 16 نوفمبر 1989.
[7] حسن المستكاوي، اليوم في الدور الأخير لتصفيات كأس العالم: مصر والجزائر على التذكرة 22 إلى إيطاليا.. أحلام 56 سنة هل تتحقق في 90 دقيقة، جريدة "الأهرام"، القاهرة، 17 نوفمبر 1989.
[8] ____________، اليوم مصر والجزائر في مباراة العبور إلى نهائيات كأس العالم، جريدة "الأخبار"، القاهرة، 17 نوفمبر 1989.
[9] ________________، الساعات الحاسمة في مباراة مصر والجزائر.. الجماهير قضت الليل حول الاستاد، جريدة "المساء، القاهرة، 17 نوفمبر 1989.
[10] سمير عبد العظيم، يا نجوم مصر كأس العالم يناديكم.. الهجوم المستمر وتأمين الدفاع خير وسيلة للفوز على الجزائر، جريدة "المساء"، القاهرة، 17 نوفمبر 1989.
[11] رضوان الزياتي، اليوم لقاء المصير.. قلوبنا مع المنتخب القومي، جريدة "الجمهورية"، القاهرة، 14 نوفمبر 1989.
[12] إيهاب الجنيدي، ماذا قالت الصحافة عن مواجهة مصر والجزائر قبل 20 عاما؟، جريدة "المصري اليوم"، القاهرة، 18 نوفمبر 2009.
[13] عمرو عبيد، مصر أول دولة عربية وأفريقية تتأهل لكأس العالم في إيطاليا 34، مرجع سابق.

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

4 التعليقات على "إيطاليا.. فرصة العمر"

أكتب تعليقا