ثلاث من عشر

| |




كان ساحر الكرة في زمانه، السيد الضظوي، بطل أكثر من حكاية توضح أبعاد لعبة الكلمات المتقاطعة بين السياسة وكرة القدم
بداية، تعالوا نتعرف على هذا اللاعب الفذ
لعب السيد محمد التابعي (14 سبتمبر 1926- 24 ديسمبر 1991) للناديين الأهلي والمصري والمنتخب القومي، وكان من اللاعبين القلائل الذين ظلوا طويلا في الملاعب. ظهرت موهبته الكروية منذ صغره ولعب بفريق مدرسة النيل الابتدائية ثم بفريق مدرسة بورسعيد الثانوية، وفي إحدى مباريات دوري المدارس شاهده حسين الديب مدرب النادي المصري في ذلك الحين، فأعجب بأدائه واصطحبه إلى عبدالرحمن لطفي باشا رئيس النادي المصري آنذاك وتم قيده في صفوف الفريق عام 1943
وأصبح النجم الأول بالنادي المصري حتى موسم 1956 حيث انتقل للعب بالنادي الأهلي




فاز بلقب هداف الدوري 4 مرات، ثلاث مرات منها مع النادي المصري والرابعة مع النادي الأهلي موسم 1958- 1959 حيث أحرز 14 هدفًا، وسجل مع الأهلي 41 هدفًا في المواسم الأربعة التي لعبها معه بمعدل عشرة أهداف كل موسم كما سجل 8 أهداف مع الأهلي في كأس مصر ليصل رصيده إلى 49 هدفًا. حقق مع الأهلي الفوز بأربع بطولات للدوري العام من 1956- 1957 حتى 1960- 1961، بالإضافة إلى كأس مصر عامي 1958 و1961

دخل الضظوي نادي المئة قبل نظرائه من نجوم مصر، ومن المؤسف أنه حقق شهرته في زمن لم يكن قد شهد انتشار التليفزيون وثورة الفضائيات. ترجع تسميته بـ "الضظوي" إلى تقليده للاعب إيطالي يسمي ديزي لوكيتي، فاشتهر عند أهل بورسعيد بـ "ديزي" الصغير ثم تحولت إلى "الضظوي". ونظرًا لمشاركاته المتعددة في بطولات العالم العسكرية تبناه المشير عبدالحكيم عامر وعينه مساعدًا في القوات الجوية (صول) ورقي حتى رتبة ملازم أول


كان الضظوي نجم مباراة مصر وألمانيا التي فازت فيها مصر 2-1 بل إنه أحرز هدف الفوز لمصر، ومع ذلك أعطاه الناقد الرياضي نجيب المستكاوي درجة متواضعة: 3 من 10


باقي الحكاية يرويها المستكاوي كالتالي:
"بعدها بيومين كان لدى الفريق القومي تدريب في ملعب اتحاد الجيش بكوبري القبة استعدادًا لمباراة عسكرية مع إيطاليا وذهبت لمتابعة التدريب، فوجدت أن المشير عبدالحكيم عامر رئيس الاتحاد يتفرج عليه، ومعه الأخوة عامر محمد عامر ويوسف الشريعي أمين صندوق الاتحاد وعبدالصمد محمد عبدالصمد والمهندس حسن عامر وغيرهم، وبعد أن سلمت عليهم جلست خلف المشير مباشرة، ولاحظت أن الضظوي غير مشترك في التدريب، وإن هي إلا لحظات حتى حضر الضظوي وسلم وجلس إلى جواري فقد كان له معزة خاصة لدى المشير الذي كان يحلو له أن يشاغبه ويداعبه، فأشار إليّ وقال له:
- اللي بيذلك أهو!
وضحك المشير وقال لي: صحيح أنا عاوز أعرف لماذا أعطيته 3 من 10؟
قلت: بصرف النظر إنه طوال الوقت واقف يحرس القيراط الذي اشتراه في الملعب إلا أنه ارتكب خطأ كبيرًا في حق التربية؛ لأن الكرة العرضية التي أرسلها الجناح الأيسر فتحي خطاب كانت ذاهبة إلى الجوهري، فإذا بالضظوي يدفع الجوهري بيده، ليبعده عن الكرة حتى يسجل هو الهدف، فكان لزاما أن يعاقب على هذه الأنانية؛ لأنه كنجم كبير مثال وقدوة للشباب
وقهقه المشير وقال: عندك حق! لكن إزاي لحقت تشوف كل ده!
قلت: هذا عملي وواجبي يا فندم!
ونادى المشير على الضظوي وأوقفه أمامه وقال له: شايف بيقول إيه؟!
ولاحظ المشير أن أصابعه سوداء فقال له:
- إيه ده؟! أنت بتشرب كام سيجارة في اليوم؟
وقال الضظوي: 10 سجاير يا فندم!
فقال المشير: دي صوابع بتاعة 50 سيجارة! إياك يكون فيه "هباب" كمان؟!
وأقسم الضظوي أنه لا يوجد "هباب" وأن المسالة كلها شائعات"

الطريف أنه في أعقاب حرب يونيو 1967، أصدر وزير الحربية أمرًا باعتقال الضظوي وإحالته لمحاكمة عسكرية

ففي ظهيرة يوم قائظ من أيام شهر يونيو عام 1967، كان الضظوي جالسًا في مقهى مع عددٍ من أصدقائه في بورسعيد، حين جاءت سيارة جيب عسكرية وتوقفت فجأة أمام المقهى. قفز من السيارة ستة جنود، توجهوا مباشرة إلى حيث يجلس الضظوي، وحمله اثنان منهم من تحت إبطيه، واقتاداه إلى داخل السيارة التي انطلقت إلى القاهرة دون كلمة واحدة
بعد ثلاث ساعات كان سيد الضظوي يقف أمام مكتب وزير الحربية الفريق أول محمد فوزي والذي تولى منصبه قبل أسابيع قليلة، وكان مكلفا من قبل جمال عبد الناصر بإعادة بناء القوات المسلحة
وبعد أن أدى الضظوي التحية العسكرية وقال "تمام يا فندم"، قال له الفريق فوزي: أنت محال إلى محاكمة عسكرية يا أفندي
تساءل الضظوي في براءة وهو يرتعد: ليه يا فندم أنا عملت إيه؟ يا فندم إحنا كنا بنلعب كورة في كمبالا في أوغندا قبل النكسة بيوم ورجعنا بالقطار عن طريق السودان فوصلنا بعد النكسة

قال له وزير الحربية بحزم: أنت مش عارف عملت إيه روح بص في المرايا اللي هناك وأنت تعرف
اتجه الضظوي إلى مكان المرآة المعلقة فوق الحائط، ثم عاد وقال: مش شايف حاجة يا فندم!
رد الفريق فوزي بنبرة أكثر خشونة وغلظة: أنت لسه بتلبس البدلة الميرى يا أفندي رغم أنك مفصول من القوات المسلحة؟ أنت عارف لبس البدلة العسكرية لضابط مفصول معناه إيه؟ أنك نصاب ومحال لمحاكمة عسكرية
رد الضظوي مستعطفا ومندهشا: مفصول؟ إمتى يا فندم. والله العظيم ما أعرف يا معالي الوزير إني اتفصلت ما حدش بلغني بقرار الفصل
رد الوزير: أنت ما بتقراش جرايد؟
- لا يا فندم من يوم الكرة ما توقفت ما بقراش جرايد
وهنا ضغط الفريق فوزي على زر وسأل مدير مكتبه عن قرار فصل الملازم أول سيد الضظوي من القوات المسلحة، وعلم أن خطاب الفصل تم إرساله على عنوان اللاعب في النادي الأهلي!
قال الضظوي: يا فندم أنا مقيم في بورسعيد ولا أذهب للنادي الأهلي إلا قليلا!
وهنا أمر الفريق فوزي بتسليمه صورة كربونية من قرار الفصل قبل أن يشخط فيه آمرا: تخرج من هنا تقلع البدلة العسكرية وما تحطهاش على جسمك تاني وإلا هتدخل السجن، ثم ارتفع صوته وهو يقول: مفهوم؟
رد الضظوي بسرعة ومفاصله ترتعد: مفهوم.. مفهوم يا معالي الوزير، سمعا وطاعة




قبل انصراف الضظوي من مكتب الوزير عاد ليسأل:
- ماذا بشأن المعاش يا فندم؟
رد الفريق فوزي:
معاش.. معاش إيه؟ أنت بتهرج
هو أنت حاربت في الجبهة؟ أنت مسكت بندقية في حياتك؟! معاشك تأخذه من اتحاد الكرة مش من القوات المسلحة.. انصراف!
خرج الضظوي من مكتب الوزير واتجه إلى بيت صديقه حنفي بسطان بجوار نادي الزمالك بمنطقة ميت عقبة.وبادره حنفي:
يخرب بيتك.. أنت لسه بتلبس البدلة الميري، أنت ما تعرفش أننا اترفدنا من الجيش!
قال الضظوي: ما أنا جاي عشان أقلع البدلة عندك
وروى لصديقه القصة، فأحضر له حنفي بسطان قميصًا وبنطلونا!

عاش الضظوي بعدها شهورًا عصيبة ولم يكن قادرًا على الإنفاق على أولاده، حتى نصحه أحد أصدقائه بالذهاب إلى رئيس النادي الإسماعيلي المهندس عثمان أحمد عثمان، الذي وظفه في "المقاولون العرب"، ودس في جيبه مظروفا به [1] مبلغ مالي

وعندما وقعت حرب يونيو 1967، دخلت كرة القدم قفص الاتهام، لأنها شغلت المشير عبدالحكيم عامر نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة عن مهمته الأساسية. أما عامر فقد كان يولي أهمية لكرة القدم لأسباب عدة، لعل بينها تجنيد الكرة لخدمة أهداف الثورة!
وحين وقعت حرب يونيو 1967 كان هناك أكثر من ثلاثين لاعبا لكرة القدم يرتدون البدلة العسكرية برتبة ملازم أول أو نقيب. كان المشير يصدر قرارات بتكليفهم في اتحاد الجيش الرياضي على سبيل المكافأة كي يحصلوا على رواتب تؤمن لهم حياة كريمة، وفي الوقت نفسه كي يتسنى لهم المشاركة في بطولات العالم العسكرية لكرة القدم

لم يكن الضظوي الوحيد الذي شمله قرار الفصل الذي طال جميع نجوم خمسينيات وستينيات القرن العشرين: صالح سليم ورفعت الفناجيلي وطارق سليم والشاذلي ومصطفى رياض وعبده نصحي وسمير قطب وخورشيد وفؤاد مرسي ويكن حسين ورأفت عطية وعصام بهيج وحنفي بسطان.. لكن قرارات الفصل لم تشمل "ضباط الشرف" في القوات المسلحة وحدهم.. وإنما شملت أيضًا الضباط النظاميين من الرياضيين مثل العميد علي قنديل الحكم المصري الذي شارك في تحكيم مونديال لندن عام 1966 والذي تولى بعد تسريحه من القوات المسلحة منصب مدير عام النادي الأهلي بتكليف من الفريق مرتجي. وكان منهم أيضا العميد حسين مدكور المعلق الرياضي، والعميد حسين لبيب الذي عمل بعد ذلك مديرًا لنادي الزمالك. ثم خرج بعد ذلك اللواء علي زيوار وعدد كبير من الرياضيين الضباط
وحين وقعت النكسة توقفت كرة القدم تمامًا ولم تعد هناك مباريات للدوري العام وكأس مصر لمدة أربع سنوات، وكأن وقف النشاط الكروي هو رد الفعل العكسي والعنيف لتداعيات زواج السلطة والكرة
غير أن هذه العلاقة الغريبة العجيبة بين كرة القدم والسلطة لم تتوقف عند أيام وأحكام المشير عامر، كما سنرى لاحقا



الهوامش
[1] سعيد وهبة، زواج الكورة والسلطة.. (الحلقة الأولى)، جريدة "اليوم السابع"، القاهرة، 20 سبتمبر 2009

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

10 التعليقات على "ثلاث من عشر"

أكتب تعليقا