وهزمنا الإنجليز

| |






"وكما لهونا بالكرة واستخدمناها واستمتعنا بها، فإنها أيضا بدأت تلهو بنا وتستخدمنا.. وهو خطب، لو تعلمون، جلل"
[1]


على نار هادئة، تنضج كرة القدم في مطبخ السياسة
فالتوظيف السياسي للرياضة يبدو في رأي كثيرين - خصوصا في الأنظمة الشمولية- وسيلة فعالة للخروج من الأزمات، خاصة أن انتصارات الرياضة أسهل كثيرا من انتصارات السياسة. وفي التاريخ دلائل وإشارات لا تخطئها العقول المدركة، وإذا كان الشعب يفتقد هدفا قوميا، ومقبلا على مرحلة انتقالية، فالإيحاء لوسائل الإعلام لتمارس لعبتها القديمة هدف
[2]
وبالنسبة للبعض فإن رئاسة النادي الكروي قد يكون نوعا من الوجاهة لأهل السطوة والحكم خصوصا أولئك الذين يعشقون نجوم الكرة ويذوبون حبا في هذا النادي أو ذاك، أو الترضية (للمهمشين من عائلات السلطة والمستبعدين من أدوار سياسية)، أو التسويق السياسي للقادمين بقوة إلى قصور الحكم. ببساطة، هو نوع من استثمار تعلق الجمهور بالساحرة المستديرة لإضافة رصيد من الشعبية و"التلميع" إلى هؤلاء الذين يجلسون في المقصورة الرئيسية أو يستقبلون الفائزين في مكاتبهم الوثيرة بعد الفوز ببطولة ما محليا أو إقليميا.. وربما دوليا
هنا تصبح كرة القدم أداة فعالة للتغطية على الكوارث والفساد وعجز الإدارة المحلية، وتغييبا للوعي العام في أوقات عصيبة ولحظات فارقة من تاريخ الأمم
وفي مصر، دخلت كرة القدم من بوابة الاحتلال
فقد وقف اللورد كرومر وراء كرة القدم، حتى يشغل المصريين عن غيرها. ولذا قرر تعديل مناهج التعليم واختصار الدروس والسماح بممارسة الرياضة وتحديدا كرة القدم. وهكذا قرر محمد زكي باشا، وزير المعارف، في عام 1892 تعديل مناهج الدراسة. واعترض مجلس شورى القوانين وجريدة "الأهرام"، وكتب أحمد شوقي، أمير الشعراء، قصيدة سخر فيها من اللورد كرومر الذي جعل المدارس المصرية تنسى العلوم وتكتفي بتدريس "الفوتبول"
[3]
لم يضيع المصريون وقتا، إذ بدأوا في إتقان فنون مداعبة الساحرة المستديرة، قبل أن يطمعوا أكثر في تلقين الآباء الشرعيين لكرة القدم درسا
فقد شرع موظف بإدارة الورشات الإنجليزية في العباسية اسمه محمد أفندي ناشد في التفكير في تشكيل أول منتخب لمصر يلاقي الإنجليز. وتحقق له ذلك، لتقام أول مباراة كروية في تاريخ مصر عام 1895 بين أول منتخب لمصر وبين الإنجليز في ملعب قرة ميدان بالقلعة. لعب الفريق المصري مباراة عمره، وأحرز محمد أفندي هدفا، وأضاف أحمد أفندي رفعت هدفا ثانيا. وحين أطلق الحكم الإنجليزي صافرة النهاية معلنا فوز الفريق المصري على فريق الأورانس الإنجليزي ابتهج جمهور الكرة، وباقي المواطنين، فالفوز ضرب أكثر من عصفور بحجر واحد، ويكفي أنه كان على فريق يمثل قوى الاحتلال
وكتبت الصحافة الرياضية في مصر قائلة:
"يحق للمصريين أن يفخروا بالفريق المصري الذي هزم منتخبات القوات البريطانية في لعبة كرة القدم لعبة الانجليز المفضلة، ومن واجب كل مصري أن يفخر برئيس الفريق محمد أفندي ناشد الشاب القوي مفتول العضلات متناسق الاعضاء الفنان سريع الحركة قوي التصويب الذي يجيد أكثر من مركز ويستطيع أن يستخلص الكرة بمهارة عجيبة من بين أربعة من الخصوم ويمررها لإخوانه المصريين في مكان حساس للغاية، كما أنه يسجل الأهداف من مسافة 30 ياردة"
هكذا كانت بداية معرفة المصريين المحدثين للعبة كرة القدم بعد أن شاهدوا الجنود البريطانيين يلعبونها في ثكناتهم العسكرية وتعلموها منهم، بل وهزموهم أيضا
ويمكن اعتبار عام 1909 هو التاريخ الحقيقي لبدء كرة القدم في مصر حيث دخلت اللعبة النادي الأهلي الذي تأسس قبل ذلك بعامين، تلاه المختلط – الزمالك- بعامين آخرين
عام 1900 شهد أيضا إنشاء أول فرق لكرة القدم في المدارس المصرية ومنها مدارس السعيدية والخديوية والتوفيقية وبرزت بعض الفرق المصرية في اللعبة منها فريق حسين حجازي الذي أطلق عليه المصريون فرقة حجازي وهو لاعب الأهلي والزمالك الأشهر والذي توفي عام 1961
وتبدو قصة النادي الأهلي مرتبطة في بداياتها بفترة النضال، إذ كان الزعيم الوطني مصطفي كامل يشعل حماس الطلبة الذين يتجمعون في نادي طلبة المدارس العليا – الذي أنشئ عام 1905- لسماع خطبه الوطنية النارية. فرأت سلطات الاحتلال أن تقضي على هذا النادي فجعلت تحث الخطى في سبيل إنشاء نادٍ رياضي آخر يشغل الشباب بالرياضة عن السياسة، غير أنهم لم يفلحوا. وحل النادي الأهلي محل نادي المدارس العليا وتحول كله إلى النادي الأهلي الذي ما لبث أن تحول إلى نادٍ وطني وسياسي للمصريين
ولدت فكرة تأسيس النادي الأهلي الذي يعود ميلاده إلى عام 1907، في ذهن عمر بك لطفي وهو أحد مؤسسي النادي وعضو اللجنة الإدارية العليا في الفترة من 24 أبريل 1907. ويعتبر تاريخ انعقاد أولى جلسات اللجنة الإدارية العليا الميلاد الحقيقي للنادي.. فقد عرض عمر بك لطفي الموضوع على مجموعة من أصدقائه الذين تحمسوا للفكرة. وفي حزب الزعيم مصطفي كامل "الحزب الوطني" اجتمع المؤسسون وقرروا تكوين شركة رأسمالها خمسة آلاف جنيه مصري على شكل ألف سهم قيمة الواحد منها خمسة جنيهات
ويعتبر النادي الأهلي هو أول نادٍ للمصريين في مصر، وكانت اللجنة الإدارية العليا "مجلس الإدارة" عند تأسيسه قد اختارت الإنجليزي "ميتشيل أنس" كأول رئيس للنادي الأهلي لاستثمار نفوذه لدى السلطات البريطانية لتسهيل عملية الحصول على الأرض التي يتطلبها إنشاء النادي، وأصبح ميتشيل هو أول رئيس للنادي حتى 2 أبريل عام 1908
وكان أول اجتماع عقده مجلس النادي في 24 أبريل عام 1907، وذلك في منزل ميتشيل أنس بالجيزة. أما الاجتماع الثاني فقد طرح فيه إسماعيل سري باشا الرسم الهندسي لتصميم المبنى الرئيسي للنادي الأهلي، فيما عرض عمر بك لطفي عقد الشركة، ليوافق المؤسسون على إنشاء شركة مدنية باسم "النادي الأهلي للألعاب الرياضية"
وكان المؤسسون قد وقعوا على عقد الشركة وتم طرح أسهم الشركة للاكتتاب في 26 مايو 1907 وكانت قيمة السهم خمسة جنيهات
وفي 13 يونيو عام 1907، عقدت اللجنة الإدارية العليا "مجلس الإدارة" اجتماعا لمناقشة الاحتياجات المالية اللازمة والتي طرحها إسماعيل سري باشا
وتم اختيار عزيز عزت باشا رئيسا لمجلس الإدارة بعد سفر ميتشيل لبلاده، وفي 17 ديسمبر عام 1908 قرر المؤسسون الإعلان عن قرب افتتاح النادي في يناير 1909، وتم توزيع استمارات الاشتراكات في نادي طلبة المدارس العليا ومكتب عمر لطفي وصحيفتي "اللواء" و"المؤيد"
وفي 26 فبراير عام 1909 أقيم حفل الافتتاح الرسمي للنادي في المبنى الرئيسي به
وفي 4 يناير عام 1924 قررت الجمعية العمومية للنادي طرد الأعضاء الأجانب من عضوية النادي، لتكون مقتصرة على المصريين وصدر بهذا قرار من الجمعية العمومية للنادي في عام 1925. وفي 8 يناير عام 1929 أصبح النادي الأهلي يخضع لرعاية الملك فؤاد في عهد جعفر والي باشا رئيس النادي
أما اختيار اللون الأحمر لفانلة الأهلي والشورت الأبيض فيعود إلى عام 1911، وكانت الفانلة مخططة طوليا بخطوط حمراء عريضة تتخللها خطوط بيضاء ثم تطورت الفانلة فأصبح نصفها أحمر ونصفها أبيض طوليا أيضا إلى أن استقر الأمر على أن تكون الفانلة كلها حمراء؛ لأنه كان لون العلم المصري آنذاك وهو العلم العثماني في فترة حكم الخديو عباس حلمي الثاني، أما اللون الأبيض فكان لون الهلال والنجوم على هذا العلم
[4]
وفي تاريخ العلاقة بين الأهلي والزمالك أزمات كثيرة، تعكس في جانب منها صراع القوى من جهة وحمى التنافس الجماهيري من جهة أخرى
وحين اجتمع مندوبو الأندية في عام 1921 لتأسيس أول اتحاد للكرة في مصر، لم يكن هناك خلاف على جعفر والي باشا مندوب الأهلي كأول رئيس للاتحاد باعتباره الباشا الوحيد بين الحاضرين، فيما أصبح مندوب الزمالك، يوسف محمد، أول سكرتير عام بعدما انحاز الأهلي للزمالك في صراعه على هذا المنصب ضد نادي القاهرة.. ولكن سرعان ما انفجر الصراع بين الأهلي والزمالك داخل الاتحاد، في أعقاب مقال كتبه الأفوكاتو ميشيل أسود، عضو مجلس إدارة الزمالك، في جريدة "المقطم" في شهر يناير عام 1923
في المقال المذكور، كتب الأفوكاتو أسود يشكو من سوء توزيع اتحاد الكرة للأموال الطائلة التي يجنيها، مشيرا إلى أن الاتحاد لا يعدل بين الأهلي والزمالك. واختتم الأفوكاتو مقاله مؤكدا أنه قد حان الوقت ليسترد الزمالك حقوقه الضائعة. وكاد الأمر يتحول إلى أزمة كبرى لولا حكمة جعفر والي باشا
[5]




وفي عام 1928 وعقب العودة من دورة أمستردام الأوليمبية، بدأ اتحاد الكرة يستعد لإجراء انتخابات جديدة، وسط موجة انتقادات حادة ضد الاتحاد وانتخاباته، وشكوك مثارة حول بيع أصوات الناخبين في الجمعات العمومية بجنيه واحد مقابل الصوت، أو بوعود انتخابية وخدمات أخرى
غير أن جعفر والي باشا نجح على رغم كل ذلك في الاحتفاظ بموقعه رئيسا لاتحاد الكرة إلى جانب رئاسته للنادي الأهلي منذ عام 1924، في حين أصبح محمد حيدر بك، رئيس الزمالك، وكيلا لاتحاد الكرة، الذي شن بدوره حملة شرسة على جعفر والي باشا لفترة، قبل أن تهدأ الأمور بين الجانبين

بعد ذلك بنحو قرن كامل، شهدت مصر واقعة تنابذ بالتاريخ تستحق الإشارة إليها. ففي مباراة القمة التي أقيمت في 26 مايو 2010 بين الأهلي والزمالك في دور الـ16 لكأس مصر، حملت بعض جماهير الأهلي لافتة كبيرة مكتوب عليها "الزمالك.. نادي المختلط للانجليز فقط.. إلى مزبلة التاريخ"!
وتوترت العلاقة بين الناديين بسبب هذه اللافتة خاصة أن جماهير الأهلي حملت لافتة في المباراة ذاتها التي انتهت بفوز الأهلي (3-1) مكتوب عليها "الأهلي.. نادي الوطنية" مما يعني أن الأهلي نادي الوطنية والزمالك لا يمثل الوطنية المصرية!

لجنة المسابقات اكتفت بتوقيع عقوبة على جماهير الأهلي قدرها خمسة آلاف جنيه – تم رفعها إلى 30 ألفا في وقت لاحق- أعلنت بعدها رابطة ألتراس أهلاوي أنها ستتحملها، في حين رفض مجلس إدارة النادي الأهلي الاعتذار أو إصدار أي بيان يشجب أو يدين من خلاله تصرفات جمهوره
وتوالت حروب التصريحات والمقالات في الصحف
ومن ذلك ما كتبه عادل السنهوري قائلا:
"فإذا كانت جماهير الأهلي كتبت بجهل بأن نادي الزمالك هو نادي إنجليزي مختلط، فمن حق جماهير الزمالك أن تفتش وتبحث في تاريخ النادي الأهلي وتتهم مؤسسه إدريس راغب - سواء حقا أو باطلا- بأنه كان ثريا ماسونيا وأنفق الكثير على المحافل الماسونية، وجعل نادي الأهلي مرتعا للمجموعات الماسونية التي تمارس نشاطها من داخل النادي، لهذا اختاروا له اللون الأحمر شعار الماسونية
"ويبقى من حق جماهير الزمالك أيضا أن تعاير جماهير الأهلي بأن أول رئيس لناديهم هو اليهودي الإنجليزي ميتشيل انس، وظل الإنجليز يسيطرون على هذا النادى وظل ميتشيل انس رئيسا له إلى أن نقلته إنجلترا للخدمة في مكان آخر عام 1921. كما أن النادي الأهلي اتخذ شعار الملك فؤاد الأول كشعار له وكتب تحته جملة "تحت شعار الملك فؤاد"
[6]

نأتي إلى منتخب مصر


الهوامش


[1] ياسر عبدالعزيز، تلهو بنا كما لهونا بها.. كرة القدم، جريدة "المصري اليوم"، القاهرة، 14 فبراير 2010
[2] علاء الغطريفي، ١٤ نوفمبر .."تكوير" السياسة، جريدة "المصري اليوم"، القاهرة، 15 نوفمبر 2009
[3] ياسر أيوب، اللورد كرومر، جريدة "المصري اليوم"، القاهرة، 3 مارس 2010
[4] ماهر حسن، النادي الأهلي .. 100 سنة "كورة"، جريدة "المصري اليوم"، القاهرة، 24 نوفمبر 2006
[5] ياسر أيوب: جعفر والي باشا، جريدة "المصري اليوم"، القاهرة، 7 يونيو 2010
[6] عادل السنهوري، اعتذار إدارة الأهلي ولعنة التنابذ بالتاريخ، جريدة "اليوم السابع"، القاهرة، 31 مايو 2010

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

4 التعليقات على "وهزمنا الإنجليز"

أكتب تعليقا