دنشواي.. ضحايا وجلادون

| |



في مطلع القرن العشرين، وفي إحدى قرى المنوفية، أعيد كتابة التاريخ
أما القرية فهي دنشواي، التي تقع في مركز الشهداء، شبين الكوم بمحافظة المنوفية، ويُعتقد أن الاسم مشتقٌ قديماً من دير جواي ثم تحول إلى دنجواي. ينطقها أهلها "دنشية"، وهي تستقبلك بأبراج الحمام.. رمز السلام الذي تحول إلى رمز للظلم والاحتلال
تعود بدايات الحكاية إلى عام 1906، حين صدرت أوامر الحكومة في مصر إلى عُمد بعض البلاد بمساعدة كتيبة تابعةٍ للاحتلال البريطاني آنذاك مكونة من خمسة ضباط ممن كانوا يرغبون في صيد الحمام ببلدة دنشواي كما اعتادوا
وفي نهارٍ صيفي عادي هو يوم الأربعاء الموافق 13 يونيو عام 1906، كان الضباط الإنجليز في رحلة صيد حمام بجوار قرية دنشواي بالمنوفية المشهورة بكثرة حمامها بدعوة من عبد المجيد بك سلطان أحد أعيان القرية
تجول هؤلاء الضباط الإنجليز بقيادة الميجور بين كوفين بالقرب من القرية المنكوبة ومعهم الأومباشي "العريف" أحمد حسين زقزوق والترجمان عبد العال صقر. وكان الميجور مغرماً بصيد الحمام فأقنع رجاله - وهم: الكابتن بول، الملازمان بورثر وسميث، الطبيب البيطري الملازم بوستك - بأن يتراهنوا لاصطياد الحمام من على أشجار دنشواي
وكان كوفين وبول وبوستك يطلقون الرصاص لاصطياد الحمام بجوار الأشجار على جانبي الطريق الزراعي، ولكن تشاء الأقدار أن يتوغل بورثر وسميث داخل القرية حيث كان الحمام عند أجران الغلال يلتقط الحَب. ويصوب بورثر بندقيته إلى جُرن الحمام الخاص بالشيخ محمد عبد النبي مؤذن البلدة، فتفقد زوجة الشيخ وعيها بعد أن أصابتها خرطوشة
وتفيد روايات أخرى بأن مؤذن البلدة جاء يصيح بهم كي لا يحترق التبن في جُرنه، لكن أحد الضباط لم يفهم منه ما يقول وأطلق عياره فأخطأ الهدف وأصاب المرأة، وتدعى أم محمد. واندلعت النار في التبن بفعل البارود المشتعل، فهجم الرجل على الضابط وأخذ يجذب البندقية وهو يستغيث بأهل البلد صارخاً "الخواجة قتل المرأة وحرق الجُرن، الخواجة قتل المرأة وحرق الجُرن"، فأقبل الأطفال والنسوة والرجال صائحين "قتلت المرأة وحرقت الجُرن"، وهرع بقية الضباط الإنجليز لإنقاذ صاحبهم
وفي هذا الوقت وصل الخفراء للنجدة كما قضت أوامرهم، فتوهم الضباط على النقيض بأنهم سيفتكون بهم فأطلقوا عليهم الرصاص وأصابوا بعضهم فصاح الجمع "قتل شيخ الخفر" وحملوا على الضباط بالطوب والعصي، فألقى الخفراء القبض عليهم وأخذوا منهم الأسلحة إلا اثنين منهم وهما "كابتن" الفرقة وطبيبها اللذين أخذا يعدوان تاركين ميدان الواقعة وقطعا نحو ثمانية كيلومترات في الحر الشديد حتى وصلا إلى بلدة سرسنا، فوقع "الكابتن" بول مطروحاً على الأرض ومات بعد ذلك متأثراً بضربة شمس إثر عدوه لمسافة طويلة تحت أشعة الشمس
[1]

عندها تركه زميله الطبيب وأخذ يعدو حتى وصل إلى المعسكر، وصاح بالعساكر فركضوا إلى حيث يوجد الكابتن، فوجدوه وحوله بعض الأهالي، فلما رآهم الأهالي لاذوا بالفرار، فاقتفى العساكر أثرهم وألقوا القبض عليهم إلا أحدهم - ويُدعى سيد أحمد سعيد - هرب قبل أن يشد وثاقه واختبأ في فجوة طاحونةٍ تحت الأرض فقتله الإنجليز شر قتلة، بعد أن انهالوا عليه ضرباً بالسونكي، حتى أصبحت أكبر قطعة في رسه – كما ذكرت "مجلة المجلات العربية" التي صدرت بعد الحادث مباشرة- في حجم عملة النقود الصغيرة التي تسمى بالقرش تعريفة[2]!

واصل الجنود الإنجليز سيرهم إلى دنشواي، ليتسلموا بقية الضباط، الذين كانوا قيد التحفظ في الجرن الذي أشعلوا فيه النار
وفي ظل الاحتلال، تختل الموازين وتأخذ العدالة إجازة. فقد تجاهل الإنجليز جريمة قتل سيد أحمد سعيد، والإصابة التي تعرض لها كل من أم محمد، وعامر عدس، وشحاتة داود وعلي الدبشة، وأخذوا يبحثون عن "عدالة" تقتص لمقتل الكابتن بول، الذي أكد زميله الطبيب بوستك إنه كشف عليه طبياً، وتبين له أن سبب الوفاة احتقان في المخ من أثر ضربة الشمس التي تعرض لها بسبب مسيرته الطويلة تحت الشمس الحارقة

وقد نظم حافظ إبراهيم إثر حادثة دنشواي قصيدة يقول فيها
أيها القائمون بالأمر فينا .. هل نسيتم ولاءنا والودادا؟
خفّضوا جيشكم وناموا هنيئاً .. وابتغوا صيدكم وجوبوا البلادا
وإذا أعوزتكم ذاتُ طوق .. بين تلك الربا فصيدوا العبادا
إنما نحن والحمام سواء .. لم تغادر أطواقنا الأجيادا
[3]

جاء رد الفعل البريطاني قاسياً وسريعاً، فقد ألقي القبض على عشرات الفلاحين، وأحيل 60 منهم – بينهم 8 هاربين- إلى المحاكمة بتهمة القتل المتعمد
وطبقاً للقانون العرفي الصادر في 25 فبراير سنة 1895 لحماية أرواح قوات الاحتلال البريطاني، وبناء على قرار الاتهام المقدم من محمد شكري باشا مدير المنوفية، صدر في يوم 20 يونيو عام 1906 قرار بتشكيل محاكمة خاصة وأن يكون انعقادها في شبين الكوم يوم الأحد 24 يونيو. كانت المحكمة برئاسة بطرس باشا غالي نيروز ناظر الحقانية بالنيابة، وعضوية كلٍ من أحمد فتحي بك زغلول (حمل لاحقاً لقب: باشا) رئيس المحاكم الأهلية، و"مستر" وليام جودنفا هيتر المستشار القضائي بالنيابة، و"مستر" بوند وكيل محكمة الاستئناف الأهلية، وكان القاضي العسكري الكولونيل لادلو يمثل جيش الاحتلال، أما سكرتير المحكمة فكان عثمان بك مرتضى. وقام بالدفاع عن المتهمين كلٌ من أحمد لطفي السيد وإسماعيل عاصم ومحمد بك يوسف وعثمان بك يوسف. وتولى إبراهيم بك الهلباوي الادعاء في المحاكمة التي استمرت من 24 إلى 27 يونيو
[4]
وهنا جاء دور الهلباوي في تلك المسرحية الهزلية
على رغم من أن الناس إبراهيم الهلباوي عرفوا كأحد أعظم المحامين الذين أنجبتهم مصر، فإن حياته تعد نموذجاً تقليدياً لقصة حياة البطل الذي يخطىء مرةً واحدةً فيهيل على تاريخه التراب، ويظل مثل سيزيف يكافح طوال ما تبقى من عمره – دون جدوى- للصعود بالصخرة إلى قمة الجبل، دون أن يغفر له أحدٌ خطيئته في حق الشعب
أحب شعب مصر آنذاك إبراهيم الهلباوي (30 إبريل 1858- 20 ديسمبر 1940) الذي وصفه عباس محمود العقاد ذات مرةٍ بأنه "كان ذا ذلاقة لسانٍ لا تطيق نفسها ولا تريح صاحبها"
[5]. وكان الهلباوي – وهو من قرية العطف في محافظة البحيرة- خطيباً مفوهاً وممثلاً رائعاً يمزج بين العربية الفصحى والعامية البسيطة ويتحرك بخفةٍ ورشاقة، يجبر المحكمة على سماعه ويجعل من يسمعه ويراه مشدوهاً بعبقرية هذا الرجل. قال عنه عبد العزيز البشري إنه "شيخ يتزاحف على السبعين إن لم يكن قد اقتحمها فعلاً، عاش مدى عمره يحبه ناس أشد الحب ويبغضه ناس أشد البغض.. إلا أن هؤلاء وهؤلاء لا يسعهم جميعاً إلا التسليم بأنه رجل عبقري"[6]

كان الهلباوي يقف في المحكمة فيهز مصر كلها بفضل حججه القانونية البارعة التي جعلته يُدعى أعظم طلاب المرحمة، على حد وصف معاصريه.. لكنه فشل في طلب الرحمة لنفسه من الشعب في حادثة دنشواي. وعلى امتداد 30 عاماً طويلة حاول أن يُكفِرَ عن ذنب ارتكبه، لكن الشعب أصم أذنيه لأن الذنب كان من النوع الذي يصعب نسيانه وغفرانه
كان الهلباوي في عزبته في البحيرة إذ وقعت حادثة دنشواي، فلما سمع به اعتزم حضور التحقيق مع المتهمين الأبرياء يوم السبت الموافق 16 يونيو عام 1906، لكنه لما وصل إلى طنطا وهو في طريق العودة من البحيرة إلى القاهرة، تبين له أن التحقيق كان يجري في البتانون، فعدل عن رأيه لبُعد المسافة وارتفاع درجة الحرارة في ذلك اليوم
وعلى رصيف القطار في القاهرة، وجد الياور الخاص برئيس الوزراء مصطفى فهمي باشا يخبره بأن "الباشا" ينتظره في مكتبه لأمرٍ مهم. ثم التقى الهلباوي محمد محمود بك رئيس حزب الأحرار الدستوريين فيما بعد، وكان يعمل آنذاك سكرتيراً خاصاً لمستشار وزير الداخلية الإنجليزي "مستر" ميتشل، الذي سأله عما إذا كان أحد من المتهمين في حادثة دنشواي قد وكله للدفاع عنه.. فلما نفى ذلك أخطره بأن الحكومة قد اختارته ليمثلها في إثبات التهمة ضد المتهمين أمام المحكمة المخصوصة، باعتباره من أكبر المحامين سناً وأقدمية
المفاجأة كانت في حسم الهلباوي تردده وقبوله المهمة، بل وتواضعه في تحديد أتعابه، فمع أنه – كما قال فيما بعد- "كان يتقاضى 500 جنيه في القضايا الكبرى، فإنه خفض أتعابه في هذه القضية، فقبِلَ أن يترافع فيها ب 300 جنيه فقط"
وبدا لكثيرين أن الهلباوي لا فرق لديه بين أن يدافع عن المتهم البرىء، أو أن يكون المدعي العام الذي يثبت عليه الاتهام ليطالب بإعدامه
وهكذا استقبل الهلباوي في مكتبه "مستر" موبيرلي المفتش الإنجليزي لوزارة الداخلية لوزارة الداخلية و"مستر" مانسفيلد الحكمدار الإنجليزي لبوليس القاهرة اللذين أبلغاه أنهما مكلفان بأن يكونا في خدمته في كل ما يتعلق بقضية دنشواي، واقترحا عليه أن يحضر التحقيق وأن يشارك في استجواب المتهمين، لكنه اعتذر عن ذلك وفضلَ أن يزور مسرح الأحداث ليعاينه
وفي تلك القضية، ترافع الهلباوي ثلاث ساعات في ليلة 26 يونيو وفي صباح اليوم التالي. استخدم الهلباوي دهاءه لتكييف واقعة اعتداء الفلاحين بالضرب على الضباط الإنجليز بحيث يثبت أن الحريق الذي وقع في الجُرن نتيجة رصاص الضباط الإنجليز أثناء رحلة الصيد في دنشواي، هو حادثٌ تالٍ للاشتباك بين الفلاحين والضباط، وهو ما لم يكن صحيحاً. بل إن الهلباوي زعم أن الضباط الإنجليز لم يكونوا أصلاً السبب في حدوث حريق الجُرن، وأشار إلى أنه حريقٌ متعمد اصطنعه الفلاحون ليخفوا أدلة سبق إصرارهم وتعمدهم التحرش بالضباط الإنجليز والاعتداء عليهم بالضرب
وفي ظل تراخي فريق الدفاع عن المتهمين واكتفائه بطلب الرأفة، تمكن الهلباوي من تبرئة الضباط الإنجليز من الأخطاء والجرائم التي ارتكبوها، في حين زاد من مسؤولية الفلاحين عن الحادثة. واتخذ الهلباوي من نجاح الفلاحين في إخماد النيران في الجُرن في غضون ربع ساعةٍ فقط دليلاً على أن الفلاحين هم الذين أطفأوا النيران بعد أن أشعلوها
ولم يبق في إثبات ركن سبق الإصرار على القتل والشروع فيه سوى إثبات أن فكرة القتل لم تكن عرضيةً وإنما كانت نيةً مبيتة
وصوَّر الهلباوي الأمر أمام المحكمة وكأن الفلاحين رتبوا الأحداث بحيث صمموا على قتل الإنجليز إذا جاءوا للصيد في قريتهم. وكان الملازم بورثر قد ذكر أثناء إدلائه بأقواله أمام المحكمة أن المتهم التاسع عبد المطلب محفوظ قد حماه هو وزملاءه من العدوان عليهم، وقدم إليهم المياه ليشربوا، وهي شهادةٌ كانت كافية لتبرئته
وعندما جاء الدور على الشاهد فتح الله الشاذلي نجل عمدة دنشواي، ورد في أقواله هو الآخر أنه قد قدم الماء للضباط.. فتنبه الهلباوي إلى نقطةٍ جزم بأنها فاتت على الملازم بورثر، ووقف ليقول إنه يلاحظ شبهاً كبيراً في الملامح بين المتهم عبد المطلب والشاهد فتح الله، وإنه يعتقد أن الأمر قد اختلط على الملازم بورثر.. فاستدعت المحكمة الضابط الإنجليزي الذي حسم الأمر، وقال إن الذي سقاه هو ابن العمدة وليس المتهم. وبذلك حرم الهلباوي المتهم التاسع من فرصته للنجاة من الحكم عليه بالأشغال الشاقة المؤبدة
[7]

وعلى هذا النهج يروي لنا صلاح عيسى كيف بذل إبراهيم الهلباوي جهداً ضخماً في تفنيد كل ما جاء في أقوال المتهمين والشهود ليهدم كل واقعةٍ يمكن أن تتخذ ذريعةً للتخفيف عن المتهمين الأبرياء في حادثة دنشواي، وليثبت للمحكمة أن الحادثة ارتكبت عمداً ومع سبق الإصرار، حتى يفوز بما كان قد اتفق عليه مع سلطات الاحتلال ويعطي المحكمة مبرراً للحكم بالإعدام على المتهمين[8]

بل إنه فند التقارير الطبية التي قالت إن الضحية الوحيدة في الحادثة وهو الكابتن البريطاني بول، قد مات متأثراً بضربة شمس، وأكد أن موت بول بضربة شمس لا ينفي أن المتهمين هم الذين قتلوه لأنهم هم الذين ضربوه، وألجأوه إلى الجري تحت أشعة الشمس اللاهبة. أضف إلى ذلك أن الهلباوي اتهم المتهم البريء حسن محفوظ بأنه "لم يكدر قريةً بل كدَّر أمةً بأسرها بعد أن مضى علينا 25 عاماً ونحن مع المحتلين في إخلاصٍ واستقامة وأمانة.. أساء إلينا وإلى كل مصري.. فاعتبروا صوتي صوت كل مصري حكيمٍ عاقل يعرف مستقبل أمته وبلاده"

وبذلك قتل الهلباوي شعبه كله بعد أن صدرت أحكام غير قابلة للطعن بإعدام أربعة متهمين، هم: حسن علي محفوظ، يوسف حسني سليم‏،‏ السيد عيسى سالم، ومحمد درويش زهران.‏ كما قضت المحكمة بالأشغال الشاقة المؤبدة على اثنين - هما محمد عبد النبي وأحمد عبد العال محفوظ- والسجن 15 سنة على أحمد السيسي، والأشغال الشاقة لمدة 7 سنوات على 6 آخرين، غير أحكام أخرى بالجلد 50 جلدة على 8 من أهل القرية
رفع اللورد كرومر راية الدم فور صدور الحكم، وفي الثانية من ظهر يوم ‏28‏ يونيو جرى تنفيذ تلك الأحكام الجائرة، بعد محاكمةٍ استمرت بضعة أيام فقط وأمام أعين الأهالي
قامت الصحافة المصرية في ذلك الحين بتغطية الحادث وأفردت له الصفحات الطوال واختلفت المعالجة وفقاً لسياسة كل صحيفة، فبينما نددت به صحيفة "اللواء" وقامت "الأهرام" بوصف الحدث المحزن، ظهر جلياً موالاة صحيفة "المقطم" للاحتلال الإنجليزي
[9]
وكتبت صحيفة "الأهرام" تحت عنوان "إنفاذ الحكم في دنشواي" تصف وقائع تنفيذ أحكام الإعدام والجلد على المتهمين فقالت
"في الساعة الرابعة من صباح هذا اليوم ازدحمت شوارع شبين الكوم بالجماهير لرؤية المتهمين الذين يرسلون إلى دنشواي لإنفاذ حكم المحكمة المخصوصة عليهم. وكان رجال البوليس المصري ورجال جيش الاحتلال يحافظون على النظام وهم على صفين شاهرين السلاح
"وفي الساعة 6 صباحاً وصلت إلى محطة البتانون فوجدت المحطة مزدحمة بالأهالي وبينهم الوصفاء ووكلاء الجرائد ومكاتبوها وكلهم يبحث عن ركوبة توصلهم إلى دنشواي ولم يتوصلوا إلى بغيتهم إلا بكل صعوبة وبلغت أجرة الحمار عشرين قرشاً صاغاً في الذهاب والإياب وهي أجرة لم أسمع بها في مدة إقامتي بالمنوفية لأن يومية الحمار لا تزيد على خمسة قروش صاغ
"فتركت نقطة الشهداء والنفس حزينة لمنظر أولئك الذين يبكون ذويهم وهم صابغون وجوههم ورابطون رقابهم ودموعهم تتناثر وأصواتهم ترتفع، ولما وصلت دنشواي نظرت إلى تلك الأبراج العديدة فلم أر ذلك الحمام الذي كان يحوم كعادته حينما كنت أمر على تلك الناحية لقضاء أعمالي كأنه حزن على ما كان فأقسم أن ينوح في أبراجه فلا يخرج في ذلك اليوم العصيب.. وفيها ثلاث خيام خيمة منها بالجهة الغربية وقد أعدت لوضع جثث الذين يعدمون وخيمة بالجهة الشرقية لوضع جميع المتهمين فيها قبل تنفيذ الأحكام والثالثة إلى جانبها أيضاً وهي لوضع المتهمين المراد جلدهم بعد إنفاذ الجلد
"وفي ساعة وصولي كانوا يشتغلون بنصب المشنقة التي يطلب نصبها زمناً طويلاً وكان عشماوي الجلاد يلاحظ إقامتها ويساعد النجار المخصص لها وكثير من الخفراء يخدمونه في عمله المشؤوم وقد علقت في أطراف المشنقة آلات الجلد ورأيت الأهالي في حزن لا أستطيع وصفه وحسب القارئ أن يتصور أناساً يتوقعون مقتل ذويهم أمام عيونهم
"وصل المتهمون للساحة التي أعدت لتنفيذ الأحكام عليهم فيها فلا تسل عن الصراخ والبكاء"
[10]
أما صحيفة "المقطم" فقد كتبت مقالا تعليقاً على الحادث تحت عنوان "الحادثة المشؤومة في دنشواي" تقول: "فأول تلك الحقائق ابتعاد الضباط الإنكليز عن الشر وحبهم العجيب للمسالمة وخلوص طويتهم وصفاء نيتهم إلى حد لا يكاد يصدق فقد ذهبوا لصيد الحمام.. وهم يحسبون أنهم معدودون ضيوفاً كراماً وأنهم ينزلون على الرحب والسعة في كل مكان وأنه لا يضن أحد عليهم بحمامات لو طلب ثمنها منهم لدفعوا قدر عددها جنيهات..
وجعلوا يصيدون الحمام بعيداً عن البلدة والأجران فلم يمس أحد بسوء من جراء ذلك ولكن قوماً من الأهالي أنكروا أمر هذا الصيد فجعل بعضهم ينازع أحد الضباط بالكلام..
والحقيقة الثانية أن أهل دنشواي فعلوا حينئذ فعلاً يحل عنه أهل الشرق ولا يليق بأبناء مصر الكرام فقد كان الواجب عليهم إكرام الضيف على كل حال ولا سيما بعد ما رأوهم لابسين الحلة العسكرية فعلموا أنهم ضباط في جيش الاحتلال
ولجيش الاحتلال الفضل الأعظم على كل فلاح في بر مصر بلا جدال"
[11]

وفي عدد آخر كتبت تقول "ساءت حادثة دنشواي هذه العالم المتمدن عموماً وعقلاء مصر خصوصاً لما ارتكبه أهل دنشواي فيها من الجرائم الفظيعة والعيوب الفاضحة حتى بات كل مصري عاقل يغار على بلاده يتبرأ منهم"[12]
جريدة "اللواء" لصاحبها مصطفى كامل باشا قالت"لا حديث لأهل الأرض في هذه الأثناء سوى حادثة دنشواي الفظيعة التي مثلت أدوارها إلى آخر فصل مريع وهو تنفيذ ذلك الحكم القاسي بما جعل الناس يذكرون أحكام المماليك الاستبدادية بنوع من الرأفة أمام ما رأوه في هذه الأيام"[13]
وتكتب الجريدة في صفحتها الأولى مقال "يا دافع البلاء – الإعدام والتعذيب في دنشواي" لكاتبها أحمد حلمي وقال فيه "وحينئذ كان دمي قد كاد يجمد في عروقي من تلك المناظر الفظيعة فلم أستطع الوقوف بعد الذي شاهدته...
كنت أسمع صياح ذلك الرجل يلهب الجلاد جسمه بسوطه. هذا ورجائي من القراء أن يقبلوا معذرتي في عدم وصف ما في البلدة من مآتم عامة وكآبة على كل بيت وحزن باسط ذراعيه حول الأهالي حتى إن أجران غلالهم كان يدوسها الذين حضروا لمشاهدة هذه المجزرة البشرية وتأكل منها الأنعام والدواب كأن لا أصحاب لها.. لأني لم أتمالك نفسي وشعوري أمام البلاء الواقع الذي ليس له من دافع"
[14]




ويقول د. محمد حسين هيكل: "ونفذ هذا الحكم بطريقةٍ همجية لا عهد للإنسانية بها منذ عصورها المظلمة. فقد نصبت المشانق التي أُرسلَت إلى قرية دنشواي قبل صدور حكم المحكمة أمام منازل الأهالي مباشرة ونصبت إلى جانبها آلات الجلد. وغداة صدور الحكم نفذ على صورةٍ يقشعر من هولها البدن. فكان كل محكومٍ عليه بالإعدام يعلق في المشنقة ويبقى معلقاً أمام أنظار أهله وأبنائه إلى أن يجلدوا اثنين من المحكوم عليهم بالجلد. وكان هؤلاء يجلدون بكرابيج ذات ثمانية ألسن معقود طرف كل لسان منها بقطعةٍ من الرصاصز ومن حول المشانق والمجالد وفوق أسطح المنازل وقف الناس من أهل هؤلاء التعساء وذويهم يشهدون جلودهم تُشوى بالكرابيج وجثثهم فارقتها أرواحها معلقة في المشانق، ومستشار الداخلية الإنجليزي واقف يحافظ على النظام لهذا المشهد الذي أبدعته انجلترا في مطلع القرن العشرين. ما أشدها وحشية وما أتعسها حضارة!"[15]
الكاتب الأيرلندي الشهير جورج برنارد شو لم يجد في مقدمة إحدى مسرحياته سوى السخرية من عدل سلطات الاحتلال، التي أجهدت نفسها بحثًا عن "بروجرام" تشغل به المتفرجين على حفل الإعدام وتحول بينهم وبين الملل خلال نصف الساعة الذي كان مفروضاً أن يظل فيه جسد المشنوق معلقاً للتأكد من وفاته، ولإتاحة وقت كاف لأسرته كي تشاهده وهو يدور حول نفسه. وقد حلَّت المحكمة هذه المشكلة فقضت على ثمانية من المتهمين بالجلد؛ لتتيح لفرقة التنفيذ ملء فراغ "البروجرام" بجلد اثنين بين كل مشنوقين، حتى يكتمل الطابع الاحتفالي والاستعراضي لعدل المحتلين
وعلق جورج برنارد شو قائلاً: "إذا كانت إمبراطوريتها [انجلترا] تعني حكم العالم كما جرى حكم دنشواي في عام 1906 -- وأخشى أن هذا هو ما تعنيه "الإمبراطورية" بالنسبة إلى الجزء الرئيسي من الطبقات الأرستقراطية العسكرية والطبقة الثرية المتنفذة ذات العصبية القومية لدينا – فإنه لن يكون هناك أي واجب سياسي مقدس، وأكثر إلحاحاً على وجه الأرض من تقويض هذه الإمبراطورية، وإلحاق الهزيمة بها، وقمعها، علاوة على إضفاء الطابع الإنساني على أنصارها"
[16]
في قصيدة "شنق زهران" للشاعر صلاح عبد الصبور نقرأ عن كفاح فلاح بسيط من أبناء الشعب في وجه احتلالٍ غاشم. يقول الشاعر:
مر بظهر السوق يوماً
ورأى النار التي تحرق حقلاً
ورأى النار التي تصرع طفلاً
كان زهران صديقاً للحياة
مدّ زهران إلى الأنجم كفاً
ودعا يسأل لطفاً
ربما سورة حقد في الدماء
ربما استعدى على النار السماء
...........
وضع النطع السكة والغيلان جاؤوا
وأتى السياف (مسرور) وأعداء الحياة
صنعوا الموت لأحباب الحياة
وتدلى رأس زهران الوديعْ
قريتي من يومها لم تأتدم إلا الدموعْ
قريتي من يومها تأوي إلى الركن الصديعْ
قريتي من يومها تخشى الحياة
كان زهران صديقاً للحياة
مات زهران وعيناه حياة
فلماذا قريتي تخشى الحياة؟
[17]

وحينما وقعت حادثة دنشواي، كان الزعيم الوطني مصطفى كامل يعالج من المرض في باريس، فقطع رحلة علاجه وسافر إلى لندن وكتب مجموعة من المقالات العنيفة ضد الاحتلال والتقى هناك السير كامبل باترمان رئيس الوزراء البريطاني الذي عرض عليه تشكيل الوزارة في مصر، لكنه رفض ونشر مقاله الشهير "إلى الأمة الإنجليزية والعالم المتمدن" في صحيفة "لو فيغارو" الفرنسية دفاعاً عن القضية المصرية والتنديد بوحشية الإنجليز في دنشواي
[18]
يقول مصطفى كامل في مقاله الذي حمل فيه على اللورد كرومر في مصر وأوروبا: ".. نصبت المشانق ووضعت آلات الجلد والتعذيب في وسط دائرةٍ مساحتها 2000 متر مربع وأحاطت "عساكر الدراجون" الإنجليزية بالمحكوم عليهم. والتفت الخيالة المصرية حول الإنجليز وتولى "المستر" ميتشل "مستشار الداخلية" ومعه مدير المنوفية أمر التنفيذ! وقد تقدم إليهم ابن أول المحكوم عليهم بالشنق، سائلاً مقابلة والده لأخذ وصاياه الأخيرة فرفضوا قبول الرجاء الذي هو أعز ما يرجوه الإنسان ويحتمه الشرع والعدل... فشنق رجل، ولبث أعضاء عائلته وأقاربه وهم على بُعدٍ يملأون الفضاء بصراخهم الممزق للقلوب.. وجلد اثنان أمام الجثة وتكرر هذا المنظر ثلاث مرات! واستمر ساعة من الزمن!... منظر وحشي مهيج"[19]

ويتابع مصطفى كامل في تقريره قائلاً: "جئت أسأل الذين يجاهرون في كل آن، ذاكرين الإنسانية، مالئين الدنيا بعبارات الانفعال والسخط، إذا حدثت فظائع في بلاد أخرى دون فظيعة "دنشواي" ألف مرة أن يثبتوا صدقهم وإخلاصهم بالاحتجاج بكل قوة وشدة على عمل فظيع مثل حادثة "دنشواي" يكفي وحده أن يسقط إلى الأبد المدنية الأوروبية في أعين العالم كافة... جئت أسأل الأمة الإنجليزية إذا كان يليق بها أن تترك الممثلين لها في مصر يلجأون بعد احتلال دام أربعة وعشرين عاماً، إلى قوانين استثنائية ووسائل همجية، بل وأكثر من همجية..."[20]

وانتقل الأمر إلى مجلس العموم في انجلترا وتداولته الصحافة في فرنسا، حتى أطيح اللورد كرومر الذي استقال في 4 مارس 1907. واضطرت انجلترا إلى العفو عن المحكوم عليهم في دنشواي – أو من بقي منهم حياً!- في 8 يناير 1908 بفضل مصطفى كامل وجهوده الكبيرة
وقال أمير الشعراء أحمد شوقي بعد مرور عام على حادثة دنشواي
يا دنشواي على رباك سلام .. ذهبت بأنس ربوعك الأيام
كيف الأرامل فيك بعد رجالها .. وبأي حال أصبح الأيتام
عشرون بيتاً أقفرت وانتابها .. بعد البشاشة وحشةٌ وظلام
نوحي حمائم دنشواي وروّعي .. شعباً بوادي النيل ليس ينام
السوط يعمل والمشانق أربع .. متوحدات والجنود قيام
والمستشار إلى الفظائع ناظر .. تدمى جلود حوله وعظام
وعلى وجوه الثاكلين كآبة .. وعلى وجوه الثاكلات رغام
[21]

أما وصف "جلاد دنشواي" فقد كان صاحبه الشيخ عبد العزيز جاويش، الذي زعم الهلباوي أن هجومه عليه ليس سوى لخصومة بينهما وقضية تعود إلى مارس 1906 تسبب فيها الهلباوي في إدانة أخوة الشيخ جاويش لمصلحة الكونت زيزينيا، وسط سجال على صفحات "المؤيد" و"اللواء"، علماً بأن الشيخ عبد العزيز جاويش لم يهاجمه وحده وإنما قال في حق الثلاثة – الهلباوي وبطرس غالي وأحمد فتحي زغلول- إنه "أصبح يشق علينا وجودهم على سطح الأرض ورؤيتهم على الأبصار وصوتهم على المسامع وذكرهم على الألسن وذكراهم في الصدور"[22]. وفي هذا المقال الذي جاء بعد ثلاث سنوات على أحداث دنشواي، كتب عبد العزيز جاويش تحت عنوان "في ذكرى دنشواي" متهماً الهلباوي علناً بالعمالة للاحتلال وتقديم أهالي دنشواي "قرابين إلى هيكل الاحتلال، الذي هو معبد الخائنين، وقرة أعين المارقين". ومضى يقول إن الهلباوي قدم الضحايا إلى الهيكل ببراهين "يعلم أن حظها من الصحة كحظه من الوطنية، وقربها من الحق كقرب موقفه من العواطف البشرية" لكنها "أموال استهوته، ومناصب استغوته، وعظمة للاحتلال استرغبته"[23]

وهناك من يؤكد أن صاحب براءة هذا الوصف هو الشاعر حافظ إبراهيم حينما هجا إبراهيم الهلباوي لموقفه في دنشواي في قصيدة قال فيها

أيها المدعي العمومي مهلا .. بعض هذا فقد بلغت المرادا
قد ضمنا لك القضاء بمصر .. وضمنا لنجلك الإسعادا
فإذا ما جلست للحكم فاذكر .. عهد مصر فقد شفيت الفؤادا
لا جرى النيلُ في نواحيكِ يا مصرُ .. ولا جادكِ الحيا حيث جادا
أنتِ أَنْبَتِّ ذلك النَّبتَ يا مصرُ .. فأضحى عليكِ شوكاً قتادا
أنتِ أَنْبَتِّ ناعقاً قام بالأمس .. فأدمى القلوب والأكبادا
أيا مدرة القضاء ويا من .. ساد في غفلة الزمان وشادا
أنت جلادنا فلا تنس أنا .. لبسنا على يديك الحدادا
[24]

عاش الهلباوي 34 عاماً بعد تلك المأساة، ذاق أثناءها الذل والهوان من المصريين الذين لم ينسوا له دوره في تلك المحاكمة، بالرغم من محاولته التكفير عن ذلك، وحورب حرباً شديدة من الناس وخصومه وأصدقائه، وطارده لقب "جلاد دنشواي" في كل مكان
يقول الأديب يحيى حقي: "حضرتُه- أي الهلباوي- يخطب في سرادق ضخم ازدحم فيه أنصار حزب الأحرار الدستوريين من أجل تخليص البلاد من يد المحتلين، وقوبل خطابه بالهتاف والتصفيق، وامتلأ الرجل ثقة وزهواً وظن أن الدنيا قد صالحته، ولكنه لم يكد يفرغ من خطابه حتى ارتفع صوت في آخر السرادق يهتف "يسقط جلاد دنشواي"
[25]

ومن الطريف أن الهلباوي انتدب نفسه فيما بعد عن إبراهيم الورداني، الذي اغتال بطرس باشا غالي، رئيس محكمة دنشواي، ربما كمحاولة يائسة للتكفير عما جنى سلفاً. وفي أثناء محاكمة الورداني، قدم الهلباوي مذكرات تستحق التوقف عندها. فهو يقول في إحدى مذكراته أمام المحكمة: "لقد كانت دنشواي إحدى الفواجع التي رزئت بها مصر من عهد الاحتلال البريطاني. كانت محكمة بلا قانون، بلا نصوص، تصدر ما تراه مناسباً من العقوبات، ولها أن تحكم أقسى الأحكام - حتى الإعدام – على من يرتكب أهون اعتداء على جندي بريطاني"[26]

بل إنه يذهب إلى ما هو أبعد ذلك، إذ يقول: "لقد كان الحكم في قضية دنشواي بإجماع المصريين حكماً قاسياً لا يستحقه المتهمون، وكان تنفيذه فوق ذلك أكثر استحقاقاً للسخط. لا فائدة في القول بأن جميع المصريين الذين شاركوا في هذه المحكمة قد كرههم مواطنوهم واحتقروهم – ولربما استطاع أحد المدافعين في القضية الحالية أن يؤكد ذلك أكثر من غيره، لكنا لسنا هنا في مقام التوجع ولا الدفاع عن أنفسنا.. لقد جئنا إلى هذه القاعة للدفاع عن الورداني.."
[27]

والأكيد أن الهلباوي قدم نفسه في السنوات التي أعقبت محكمة دنشواي كمحامٍ بارع في عدد من القضايا الوطنية، وهو ما جعل الوطنيين المصريين يطلبون منه الدفاع عنهم في قضية التظاهر ضد قانون المطبوعات، وفي قضايا أخرى عدة لبراعته المهنية في المحاماة، ولكن حكم الشعوب يصعب أن يتغير
ويذكر لنا التاريخ أن واحداً من أهم أحداث عام 1913 هو ما حدث في 9 ديسمبر من ذلك العام، حيث استكملت نقابة المحامين وجودها القانوني هذه السنة، وكان اتجاه المحامين هو اختيار عبد العزيز فهمي لمنصب رئيس النقابة "النقيب"، ولم يكد الدكتور هيكل يفاتح عبد العزيز فهمي في أحقية إبراهيم الهلباوي بهذا المنصب حتى بادر على الفور بالموافقة قائلاً: "أستاذنا وشيخنا"، وتحول فهمي من المرشح المختار إلى داعية لانتخاب الهلباوي الذي صار أول نقيب للمحامين في مصر
[28]

وكان إبراهيم الهلباوي بك قد كتب مذكراته، التي قدمها د. عبد العظيم رمضان الذي يقول في تقديمه لها: "إنه من المحقق أن الهلباوي وطني مصري كفَّر عن سيئة دنشواي بمئات من الحسنات، وقد تعامل معه الوطنيون المصريون على هذا الأساس، فلم يستبعدوه من الصف الوطني وطلبوا منه مثلاً الدفاع عنهم في قضية التظاهر ضد قانون المطبوعات المقيد لحرية الصحافة كما حرص إبراهيم الورداني، قاتل بطرس غالي، على أن يطلب من الهلباوي الدفاع عنه رغم معرفة دوره في محكمة دنشواي
[29]

كما كان للهلباوي - تلميذ جمال الدين الأفغاني- دور بارز في شن حملات صحفية في "المؤيد" على الحكومة والاحتلال البريطاني في مواقف عدة، ومنها تفنيد تبريرات الاحتلال. ومما ينساه البعض أن الهلباوي كان من مؤسسي الجمعية الخيرية الإسلامية
وينطلق الهلباوي في سرد مطول لسيرة حياته وصولاً للمحطة التي نترقبها وهي دوره في دنشواي. يقول الهلباوي في مذكراته: "يُخيل إليَ أن الذين سيقع بين أيديهم هذا الكتاب سيقلّبون صفحاته سراعاً باحثين عن تلك القضية التي شاء القدر أن يقترن اسمي بها، فها أنا ذا أرى في نفوسهم غريزة حب الاستطلاع، ويعلم الله أنني ما كنت وحدي لأستحق هذه الشهرة السيئة فيما هناك كثيرون أحق وأولى بهذا الصيت المشين"
[30]
ثم حكى الهلباوي ملابسات الحادث وصولاً لترشيحه للقيام بدور الادعاء، حيث جرى العرف أن يمثل الادعاء واحد من شيوخ المحاماة وفق قانون المحكمة المخصوصة وقدرت أتعابى بثلاثمئة جنيه، ولم أتدخل في التحقيق، ولأن قانون المحكمة المخصوصة يقضي بطلب أقصى العقوبة للمتهمين فقد فعلت، وكان الإنجليز يطالبون بالإعدام للمتهمين الواحد والخمسين، وقد ترافعت بما أملاه عليَّ الواجب، حتى إن شعوري بوطنيتي وصل بي إلى حد لا يتفق مع واجبي"[31]
ويسوق المستشار عبد الحليم الجندي وجهة نظره في مجال الدفاع عن أستاذه الهلباوي، إذ يقول إن الأخير عندما سمع بالموضوع سارع واتجه قاصداً المحكمة ليدافع عن المتهمين، ولكن حدث حادث منعه، إذ إن ناظر النظار مصطفى باشا فهمي استدعاه إلى مكتبه وطلب منه أن يكون مدعياً ضد المتهمين، فوافق. ويحلل المستشار عبد الحليم الجندي ذلك بأنه كان لمصلحة المتهمين، ولو ترك الأمر لغيره لكانت العقوبات أشد وما برأت المحكمة أحداً على الإطلاق، كما أن أتعابه من الدولة كانت دراهم معدودات بالقياس لما كان يتقاضاه عادةً من أتعاب. ويمضي في التدليل على سلامة موقف الهلباوي أنه بعد ذلك بسنوات قليلة، أي في عام 1910، ترافع الهلباوي عن إبراهيم الورداني الذي قتل بطرس باشا غالي رئيس الوزراء آنذاك[32]

كسب الهلباوي كثيراً وأنفق أكثر مما كسب، واشترى عدداً من العزب ثم باعها، ومات عن أملٍ لم يتحقق، هو أن يحصل على لقب باشا، على رغم أنه فعل في سبيل ذلك الكثير، ومن ذلك زواجه من عدد من الجواري الشركسيات ووصيفات الأسرة المالكة[33]

وكانت للهلباوي مقولة شهيرة مفادها: "ما أتعس حظ المحامي وما أشقاه.. يعرض نفسه لعداء كل شخص يدافع ضده لمصلحة موكله فإذا كسب قضية موكله، أمسى عدواً لخصمه دون أن ينال صداقة موكله"
غير أنه هو أيضاً القائل: "ليعلم المترافعون.. أن أسمى مراتب المحاماة وأعلى معانيها، هو أن يقفوا في جانب مظلوم تحالفت عليه القوى وأن يتحملوا معه شطراً مما يقاسيه، فهذه هي حقيقة المحاماة"
توفي الهلباوي في عام 1940 وهو في الثالثة والثمانين
والذكرى الوحيدة الباقية للهلباوي- كما يرصد الأديب يحيي حقي- تسمعها من كمساري الأتوبيس في خط المنيل بالقاهرة وهو يعدد المحطات فيقول "محطة الجراج.. محطة الهلباوي"!


الهوامش
[1] محمد جمال الدين المسدي، "دنشواي"، مركز وثائق وتاريخ مصر المعاصر، القاهرة، 1974
[2] صلاح عيسى، حكايات من دفتر الوطن، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1998، ص 315
[3] حافظ إبراهيم، ديوان حافظ إبراهيم، دار العودة، بيروت، 2004
[4] د. خالد عزب وصفاء خليفة، "المصري اليوم" تفتح ملف اغتيال بطرس باشا غالي في الذكرى المئوية الأولى (1)، جريدة "المصري اليوم"، القاهرة، 22 فبراير 2010
[5] صلاح عيسى، مرجع سابق، ص 292
[6] عبد العزيز البشري، في المرآة، دار الكتب المصرية، القاهرة، 1948
[7] صلاح عيسى، مرجع سابق، ص 338
[8] المرجع السابق، ص 331- 332
[9] كريمة حسن، الجريمة في مانشيتات الصحف، جريدة "المصري اليوم"، القاهرة، 10 يوليو 2009
[10] جريدة "الأهرام"، القاهرة، 29 يونيو 1906
[11] جريدة "المقطم"، القاهرة، 18 يونيو 1906
[12] جريدة "المقطم"، القاهرة، 27 يونيو 1906
[13] جريدة "اللواء"، القاهرة 30 يونيو 1906
[14] جريدة "اللواء، القاهرة، 29 يونيو 1906
[15] د. محمد حسين هيكل، تراجم مصرية وغربية، دار المعارف، القاهرة، 1980، ص 139- 140
[16] George Bernard Shaw, John Bull's Other Island, London, Constable, 1927
[17] صلاح عبد الصبور، الناس في بلادي (الطبعة الثانية)، دار المعرفة، بيروت، 1962
[18] خالد حجاج، مصطفى كامل.. باعث الحركة الوطنية وفاضح فظائع الاحتلال البريطاني، جريدة "المصري اليوم"، القاهرة، 10 يوليو 2009
[19] عبد الحليم الجندي، نجوم المحاماة في مصر وأوروبا، دار المعارف، القاهرة، 1991، ص 32
[20] المرجع السابق، ص 32- 33
[21] أحمد شوقي، مرجع سابق
[22] جريدة "اللواء"، القاهرة، 28 يونيو 1909
[23] المرجع السابق
[24] حافظ إبراهيم، مرجع سابق
[25] ماهر حسن، جلادون مصريون في المذبحة.. إبراهيم الهلباوي.. جلَّاد دنشواي وابن المحمودية بحيرة.. وأول نقيب للمحامين، جريدة "المصري اليوم"، القاهرة، 10 يوليو 2009
[26] عبد الحليم الجندي، مرجع سابق، ص 43
[27] المرجع السابق، ص 43
[28] ماهر حسن، مرجع سابق
[29] مذكرات إبراهيم الهلباوي: تاريخ حياته، إبراهيم الهلباوي بك (1858- 1940)، تحقيق عصام ضياء الدين؛ تقديم د. عبد العظيم رمضان
[30] المرجع السابق
[31] المرجع السابق
[32] عبد الحليم الجندي، مرجع سابق، ص 33- 34
[33] عبد الحميد يونس، نجوم في حياتنا، مرجع سابق، ص 105

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

21 التعليقات على "دنشواي.. ضحايا وجلادون"

أكتب تعليقا