البحث عن وزير (2): شلة باريس

| |




يحرص الرئيس مبارك على أن يستشير بنفسه الوزراء السابقين فيمن يرونه قادراً على أن يخلفهم في مواقعهم

ولعل أبرز نموذج على ذلك هو اختيار وزير العدل السابق أحمد ممدوح لخلفه المستشار فاروق سيف النصر (1987). وأسلوب الرئيس مبارك يعتمد على السؤال والاستفسار عن عددٍ من الأشخاص من دون التركيزعلى اسمٍ بعينه أو الكشف عن اهتمامه بهذا الشخص، لأنه بطبيعته ميالٌ إلى التحفظ والتكتم
والشاهد أن مبارك يحرص على أن تكون له يدٌ في اختيار أو استبعاد الوزراء، وفقاً لتقييمه لأدائهم وانسجامهم مع الخط الرسمي للدولة
وفي حالة د. محمود أبو زيد وزير الموارد المائية والري الذي خرج من حكومة د. أحمد نظيف في 11 مارس آذار 2009، قيل كلامٌ كثير حول عدم رضاء الرئيس مبارك شخصياً عن أسلوب معالجته لقضايا المياه وحصة مصر في نهر النيل، الأمر الذي أدى في النهاية الأمر إلى خروجه من الوزارة

وترشيحات الوزراء أنفسهم قد تسهم في اختيار من يتولى المنصب الوزاري
فقد جاء د. عبد السلام عبد الغفار بترشيح من د. مصطفى كمال حلمي عندما وقع الانفصال بين وزارة التعليم العالي التي استبقاها د. مصطفى كمال حلمي لنفسه، والتربية والتعليم التي تولاها عبد السلام عبد الغفار (1984). وأسهم كمال حسن علي في ترشيح د. عصمت عبد المجيد ليصبح وزيراً للخارجية (1984) عندما أصبح الأول رئيساً للحكومة
ومن المحافظات أيضاً يخرج الوزراء، حيث إن نجاح المحافظ في أداء مهامه أو بروز اسمه إعلامياً قد يزكيه للعمل الوزاري بشكل تلقائي، وهو ما حدث لأول مرة في حالة محمد صبري زكي محافظ أسوان الذي اختير وزير دولة للصحة (1982)، ثم حدث في حالة يوسف صبري أبو طالب محافظ شمال سيناء الذي اختير وزيراً للدفاع (1982)، وفي حالة سعد الدين مأمون الذي اختير وزير دولة للحكم المحلي (1983) من منصب محافظ القاهرة، وهو ما حدث أيضاً مع د. محمود شريف (1991) بالترتيب نفسه


وقد اختير ناجي شتلة في الوقت نفسه وهو محافظ كفر الشيخ وزيراً للتموين (1993). كما حدث هذا مع أحمد جويلي محافظ الإسماعيلية الذي اختير وزيراً للتموين في أغسطس آب 1994. وفي 27 أغسطس آب 2006 صدر قرارٌ جمهوري بتعيين محمد عبدالسلام المحجوب ابراهيم وزير دولة للتنمية المحلية، وقد كان من أبرز من تولوا منصب محافظ الإسكندرية (1997-2006) واكتسب شعبية ضخمة، حيث بدأ ورشة من إعادة البناء والصيانة لعدد كبير من منشآت ومرافق المدينة العامة، ومنها كورنيش الإسكندرية الشهير. وتكررت مسألة التوزير مع ثلاثة محافظين لأسيوط اختيروا وزراء للداخلية وهم زكي بدر (1986) ومحمد عبد الحليم موسى (1990) وحسن الألفي (1993)



واختير عددٌ من الشخصيات البارزة من خارج ديوان الوزارة نفسها، كما حدث مع د. عبد العزيز كامل عضو مكتب الإرشاد في جماعة الإخوان المسلمين الذي تولى وزارة الأوقاف في نهاية عهد جمال عبد الناصر، والذي احتفظ بالمنصب الوزاري في بداية عهد السادات. كذلك الحال مع د. مفيد شهاب رئيس جامعة القاهرة الذي اختير وزيراً للتعليم العالي (قبل أن يصبح وزير الدولة للشؤون القانونية والمجالس النيابية)، ومن قبله الشيخ جاد الحق علي جاد الحق الذي عُينَ مفتياً للديار المصرية في أغسطس 1978 ثم اختير وزيراً للأوقاف في 3 يناير كانون ثانٍ 1982، وظل في المنصب شهوراً قليلة، اختير بعدها شيخاً للجامع الأزهر في 17 مارس آذار 1982
وأصبح عادل طاهر وزيراً للسياحة (1982) بعد أن كان رئيس هيئة التنشيط السياحي. وعُينَ محمود محمد محمود وزيراً للاقتصاد في حكومة د. عاطف صدقي الثالثة (1993) وكان رئيساً لبنك مصر الدولي، ود. نوال التطاوي التي انتقلت خلال شهرٍ واحد من رئاسة بنك الاستثمار إلى عضوية مجلس الشعب، ثم إلى عضوية مجلس الوزراء كأول وزيرة للاقتصاد (1996) في تاريخ مصر



وعلى هذا الغرار، اختير المشير محمد حسين طنطاوي للدفاع (1991) وكان أحد القيادات البارزة في وزارة الدفاع، وعمرو موسى (1991) بعد أن كان سفيراً لامعاً ومندوب مصر لدى الأمم المتحدة، وعبد السلام عبد الغفار الذي اختير وزيراً للتربية (1984) وكان من أقدم عمداء كليات التربية، ود. أحمد هيكل الذي اختير وزيراً للثقافة (1985) وكان أستاذاً بالجامعة يشارك في الندوات والحوارات مع الجماعات المتشددة، وهي حوارات كانت محط اهتمام وسائل الإعلام، الأمر الذي زاد من أسهمه ورشحه للوزارة



د. يوسف والي كان أحد الذين وقعوا لحزب الوفد على بيانه التأسيسي في الشهر العقاري، وإذا بالجماهير الوفدية تفاجأ باختياره وزيراً في أول حكومة تمت فيها اختيارات جديدة في عهد الرئيس مبارك، وهي وزارة د. فؤاد محيي الدين الأولى في يناير كانون ثانٍ 1982. أما حلمي الحديدي الذي كان قد وصل إلى عضوية مجلس الشعب نائباً عن حزب العمل الاشتراكي، فقد أصبح وزيراً للصحة في حكومة د. علي لطفي (1985)، قبل أن يترك هذا المنصب عند أول تعديل
ومن رؤساء مجالس الإدارات، وبالذات في قطاع الصناعة، جاء عدة وزراء بينهم المهندس فؤاد أبو زغلة (1982) من شركة الحديد والصلب، ومحمد عبد الوهاب من شركة النصر للسيارات (1984)، وسليمان رضا (1996) من مجمع الألومنيوم في نجع حمادي، وتولوا وزارة الصناعة. وفي السياحة جاء فؤاد سلطان (1985) من رئاسة بنك مصر إيران، وفي الإسكان جاء صلاح حسب الله (1993) من رئاسة مجلس إدارة شركة المقاولون العرب. وفي الاقتصاد جاءت د. نوال التطاوي (1996) من رئاسة بنك الاستثمار العربي، وجاء محمود محمد محمود من رئاسة بنك مصر الدولي
وعلى بساط الحزب الوطني جاء وزراء إلى الحكومة، فقد اختير د. علي لطفي للوزارة وكان رئيساً للجنة الاقتصادية في الحزب الوطني، وجاء د. إسماعيل سلام من رئاسة اللجنة الصحية إلى مقعد وزير الصحة (1996)، وبالمثل جاء د. حلمي الحديدي من منصب الأمين العام المساعد للحزب إلى المقعد نفسه (1985)، وجاء د. محمود شريف من منصب الأمين السابق للشباب ليصبح وزيراً للإدارة المحلية (1991)


وفي حالة د. ممدوح البلتاجي ود. محيي الدين الغريب جاء الاختيار من الرجال الثواني في وزارة أخرى. فقد كان الأول رئيساً لهيئة الاستعلامات والرجل الثاني في وزارة الإعلام، لكنه اختير وزيراً للسياحة قبل أن يصبح وزيراً للإعلام (يوليو تموز 2004- 15 فبراير شباط 2005) لينتقل بعد ذلك وزير الشباب أنس الفقي ليحل في وزارة الإعلام محل د. البلتاجي الذي ذهب بدوره ليكون وزيراً للشباب‏. أما د. الغريب، فقد كان رئيس هيئة الاستثمار لمدة عشر سنوات (86 ـ 1996) والرجل الثاني في وزارة الاقتصاد ثم أصبح وزيراً للمالية لمدة ثلاث سنوات. غير أن الغريب تحول في 28 فبراير شباط 2002 من وزير إلى مسجون لمدة 25 شهراً، وبين يوم وليلة تحول من وزير تفتح له كل الأبواب إلى مسجون أغلق عليه باب الزنزانة، بموجب قضية الجمارك الكبرى


ومن نواب رؤساء الجامعات البارزين جاء د. أحمد هيكل للثقافة (1985)، ود. أحمد فتحي سرور للتربية (1986)، وأحمد سلامة للحكم المحلي (1986)، ود. محمود حمدي زقزوق للأوقاف (1996)، ومحمد ناجي شتلة للتموين (1983). أما من رؤساء الجامعات فجاء د. عادل عز رئيس أكاديمية السادات لوزارة البحث العلمي (1986)، ود. مفيد شهاب رئيس جامعة القاهرة لوزارة التعليم العالي (1997)


ومن رجال رؤساء الوزارات أنفسهم جاء عادل عبد الباقي وزيراً لشؤون مجلس الوزراء (1982) في وزارة د. فؤاد محيي الدين، ود. عاطف عبيد وزيراً لشؤون مجلس الوزراء والدولة للتنمية الإدارية (1984) في وزارة كمال حسن علي، وجلال أبو الدهب وزيرأً للتموين والتجارة الداخلية (1986) في وزارة د. عاطف صدقي، ومعه د. محمد الرزاز وزيراً للمالية ود. يسري مصطفى وزيراً للاقتصاد والتجارة الخارجية ود. أحمد فتحي سرور وزيراً للتربية والتعليم ود. أحمد سلامة وزيراً للحكم المحلي (1986)، وبالطبع وزير شؤون مجلس الوزراء طلعت حماد الرجل القوي في وزارة د. الجنزوري، وظافر البشري وزير الدولة للتخطيط في حكومة د. الجنزوري


وقد لا يعرف كثيرون أن أول وزير لقطاع الأعمال العام لم يكن هو د. عاطف عبيد، وإنما كان د. عاطف صدقي نفسه، وهكذا فإن د. عاطف عبيد ورث د. عاطف صدقي على مرحلتين، في البداية ورثه في منصبه الأحدث عام 1993 في وزارة د. عاطف صدقي نفسها كوزير لقطاع الأعمال العام وتنازل يومها عن إحدى الحقائب الثلاث التي كان يتولاها وهي حقيبة شؤون مجلس الوزراء، فيما احتفظ مع القطاع العام بحقيبتين أخريين هما التنمية الإدارية والدولة لشؤون البيئة. وفي 1997 في أثناء وزارة د. الجنزوري تنازل د. عاطف عبيد ربما بغير إرادته عن وزارتين أخريين من الثلاث التي كان يتولاها منذ 1984، وهكذا أصبح د.عبيد في 1997 يتولى وزارة التخطيط بدلاً من الوزارات الثلاث التي جمع بينها في 1984
لم يكن عاطف عبيد أول أستاذ إدارة أعمال يصل إلى منصب الوزارة، كان هناك قبله زميل له في القسم نفسه أكبر منه سناً وهو د. علي عبد المجيد عبده، الذي كان قد وصل إلى منصب وكيل كلية التجارة في جامعة القاهرة، وكان في شبابه ينتمي إلى الإخوان المسلمين. ود. علي عبد المجيد هو صاحب الفضل في اختيار زوجة د. عبيد، وهي د. نجدة محمد خميس، ابنة الوكيل السابق لجماعة الإخوان المسلمين
وقدم البرلمان والحزب الوطني رافداً آخر للوزارة
ويأتي كمال الشاذلي كنموذج بارز لهذا النوع من الاختيار، فقد كان يُوصف بأنه "الغول" و"المايسترو" تحت قبة البرلمان، إذ كان يخشاه الجميع ويحسبون له ألف حساب. غير أن كمال الشاذلي بدأ يفقد أنيابه في أعقاب تعيينه في حكومة د. عاطف صدقي الثالثة (1993) وزير دولة لشؤون مجلسي الشعب والشورى. وقبله ظهر توفيق عبد إسماعيل الذي اختير وزيراً للسياحة والطيران (1982) ولشؤون مجلسي الشعب والشورى.. لكنه دخل السجن مساء يوم ١٧ يوليو تموز ١٩٩٩ في قضية نواب القروض، وكانت ليلة عيد زواجه. قضى توفيق عبده إسماعيل الليلة الأولى داخل تخشيبة الخليفة، وهو يقول إنه "لن ينسى هذا اليوم الذي نامت فيه الصراصير إلى جواره"، قبل أن تمر ٨ سنوات ويعود إلى منزله في حي الزمالك (جريدة "المصري اليوم"، الثلاثاء ٨ مايو ٢٠٠٧)

كذلك يبرز اسم د. مصطفى السعيد وزير الاقتصاد والتجارة الخارجية (1982) في وزارة د. فؤاد محيي الدين الثانية. ويأتي أيضاً السيد علي السيد (1985) ووليم نجيب سيفين (1985) في وزارة د. علي لطفي. وجاء أمين الحزب الوطني في الإسكندرية د. زكي أبو عامر (1993) وزيراً لشؤون مجلسي الشعب والشورى ثم التنمية الإدارية

وبرزت قيادات عمالية لتدخل الوزارة، مثل سعد محمد أحمد وعاصم عبد الحق (1986) وأحمد العماوي (1993). وقدمت القوات المسلحة عدة وزراء بينهم وزراء مجلس قيادة الثورة، واللواء حسين صدقي الذي اختير وزيراً للإسكان في حكومة كمال حسن علي

وقد يتم اختيار الشخص لمنصبٍ وزاري لأسبابٍ تبدو غامضة، على الأقل في ظاهرها
اللواء حسن أبو باشا فوجىء بضمه إلى وزارة د. فؤاد محيي الدين التي تشكلت في أول يناير 1982، وقد أبلغه بالخبر اللواء نبوي إسماعيل الذي كان يشغل منصب وزير الداخلية. فلما سأل أبو باشا عن أسباب اختياره وزيراً للداخلية، قيل له إن ذلك يعود لاعتباراتٍ داخلية عدة تحتم هذا الاختيار

وللصداقة دورٌ في التوزير

واستفاد د. عاطف صدقي من شلة باريس، وبينهم د. أحمد فتحي سرور (التربية) ود. محمد الرزاز (المالية) وفاروق حسني (الثقافة). فأما د. سرور فقد فشل في موقعه كوزير للتربية في الفترة من 11 نوفمبر تشرين ثانٍ 1986 إلى 12 ديسمبر كانون ثانٍ 1990، وقيل أيامها إنه صاحب بدعة الدفعة المزدوجة التي ضاعفت من قوة الدروس الخصوصية وأباطرتها في مصر
أما د. الرزاز فقد كان صديقاً مقرباً من د. صدقي حتى قبل الوزارة، وكثيراً ما كانا يقضيان أوقات فراغهما في لعب الطاولة (النرد). والطريف أن د. الرزاز كان أول من استدعاه د. صدقي عندما علم بنبأ تكليفه بتأليف الحكومة في مطلع يناير كانون ثانٍ 1986، وجلس معه نحو نصف ساعة في مجلس الوزراء قبل أن يتوافد عدد من الوزراء الذين اشتموا رائحة التغيير الوزاري ورأوا أنه من الضروري أن يذهبوا إلى د. صدقي لمعرفة الخبر اليقين
ويبقى اسم د. الرزاز في ذاكرة المصريين مرتبطاً بالضرائب والجمارك والدمغات التي أرهقتهم إلى حدٍ كبير، علماً بأنه صاحب أطول فترة قضاها وزير مالية في المنصب ، إذ شغل هذا الموقع 10 سنوات كاملة منذ حكومة د. عاطف صدقي في 1986 وحتى 1996


والأمر كما يرى الجميع في حال الوزير "الفنان" فاروق حسني، الذي ارتبط عهده كوزير - بدءاً من 1987- بحريق قصر ثقافة بني سويف (2005) وحريق المسرح القومي (2008)، وقضايا الآثار الكبرى وتهريب الآثار للخارج، وسرقة المتحف الإسلامي والمتحف المصري ودار الكتب
على أن د. صدقي عاد بعد سنواتٍ طويلة ليتبرأ من اختياراته، إذ أكد -ربما نتيجة خلافاته مع وزير الثقافة- أنه لم يكن صاحب اختيار فاروق حسني لهذا المنصب بشكلٍ مباشر، وقال إنه كان قد وضع اسم فاروق حسني في الترتيب الرابع أو حتى الخامس بعد أسماء أخرى رشحها قبل أن يحسم الرئيس مبارك الأمر ويختار فاروق لهذا المنصب من بين البدائل المطروحة أمامه

وكان د. عاطف صدقي مولعاً بالاستفادة من قدامى البيروقراطيين، وهكذا استفاد من أحمد رضوان كوزير لشؤون مجلس الوزراء ومحمد فؤاد اسكندر كوزير دولة لشؤون الهجرة (1987) وموريس مكرم (1987) وزير دولة للتعاون الدولي. ولقد اختار د. صدقي لمنصب وزير الصحة د. علي عبد الفتاح المخزنجي (1993) عميد طب عين شمس السابق، وتربطهما معاً صلة نسب ومصاهرة. كما جاء أساتذة جامعة متقاعدون أو على وشك التقاعد إلى الوزارة، مثل د. فينيس كامل جودة وزيرة دولة للبحث العلمي (1993)، ود. ماهر مهران وزير دولة لشؤون السكان والأسرة (1993)
الشللية والصداقات التي تقود إلى مقعد الوزارة، لم تكن وليدة الأمس القريب.. وإنما البعيد أيضاً

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

6 التعليقات على "البحث عن وزير (2): شلة باريس"

أكتب تعليقا