رسائل الغرقى

| |



شمال إفريقيا، شجرةٌ تتدلى منها الحكايات
أجملُ أغصانِها يرتدي عباءةَ الفضاء: الأمازيغ
بشرٌ يلعبون كثيراً بفكرةِ الموت، قلقون على خلاصهم، خائفون من موتٍ مؤجل، وناجون من خطرٍ يحاولون نسيانَه
هُم إن ضحكوا، صنعوا فوضى الولاداتِ والصخب: هدايا وقهقهات مرحة يبللُها مطرٌ خفيف، وأشداقٌ يسيلُ منها لعابُ الكرامةِ والشرف، وفاكهةٌ تنمو في جزرٍ مستحيلة
وإن غضبوا صاروا فجراً يندلعُ كحريق: رؤوسٌ يائسة من اجتياز المضائق، وعروقٌ تبث أخباراً غامضة، وأرواحٌ تجلس وحيدة على الرصيف
تتذوقُ صمتهم وتلعنُ صخبهم: إلهامٌ ينشرُ اليقين، ولذةٌ يدخرُها الشيطان، ورصاصٌ طائشٌ من بندقية مجهولةٍ تصولُ فوقَ شوارع المدينة
وحيدون رغم معاطفِ الأصدقاء، مثل عازفين أدركَهم الليل
تُبصِرهُم على حافةِ القيامة جاهزين دوماً لكي يُولَدوا من جديد.. والبصيرةُ هي الآفةُ الوحيدةُ التي تجعلُ الإنسانَ حراً
يومياتهم تثيرُ غبارَ السؤال: هل الحياةُ كلها شغفٌ؟


(1)




المغربية التي فتكت بها إيطاليا، تبحث عن رجلٍ، فتسقط في أحضان رجال
ثغرُها المكتنزُ، يقطرُ الجنسُ من وهجِه
ولمعةُ القلادةِ الفضية في عنقِها الباذخ تفرشُ أسرارَ جوعٍ عريق
سيدةُ طنجة، فستقةٌ ناضجة

عشبُها نافرٌ بالغواية
تلوبُ مثلَ مصابٍ بحمى ما بين أغطيةٍ لا تطاق
تملكُ آلة قبضٍ تعتصر كرومَ الأرض، حتى تتساقطَ دموعُ العنب
لحمُ وِرْكَيها الساخنُ يراودُ أنياب عشاقها، ونهداها يرتجان بعذوبةٍ تحملُ نداءُ الغابةِ
نارٌ تضاجعُ ماءها
كلما قَبلتَها شعرت بأنكَ مقبلٌ على موتٍ جميل
زوجُها الأول كان يعانقُها بآليةٍ، مثلما يزورُ ضريحٌ ضريحاً. ومع شريكٍ لا تطيقه، يكون القبر مفتوحاً على احتمالاتٍ لا تحصى
في فراش الزوجية تتجلى نبوءةُ كواباتا في "الجميلات النائمات"، حيث تنامُ فاتناتٌ في سريرٍ واحدٍ مع عجائز لا يستطيعون سوى ملامسةٍ جسديةٍ مع موت الرغبة
يحدثُ أحياناً أن تحبَ ما لا تطيق؛ لأن احتياجَك ورغبتك أكبرُ من قدرتِكَ على الرفضِ والنفور والاستنكار
أحزانُها كرةٌ، كلما ركلتها عادت إليَّها
عندما سابقها العمر سبقها، حتى لم تعد حقولُها الخضراء تسر الأعين
ها هي ترمي أقدارَها في سلةِ المهملات
المرأةُ مأساة، يدركُها الحب وتنكرُها المرآة

(2)



الجزائريةُ ابنة عنابة الحالمة بالشهرة في الصندوقِ الصغير
قادرة في الفراش على أن تُحَوِلَك من مادةٍ صلبةٍ إلى سائل
امرأةٌ تتوقعُ أن يعثروا على جثتِها يوماً مقتولةً في شقةٍ فاخرة على يد قاتلٍ مأجور تقاضى مليوني دولار ثمناً للمهمة
قالت لحبيبها يوماً إنها تفكرُ في رسم وشم أسفل ظهرها..وردة أو ما شابه
سألها: ولكن من سيراه هناك؟ أجابت بابتسامةٍ مُغويةٍ: المحظوظون فقط
امرأة تجعلُكَ تعدو في الحلم عارياً
تصعدُ أدراجَ بحرها، فارداً سهركَ فضةً للشبقِ وجمرةً للنوم
تحتسي القهوةَ وتغري الفنجانَ بمذاقِ الحلاوة في الشفتين
فمُها يفيضُ بالشوق حتى يبلغَ ياقةَ قميصك، وهي تسردُ لك أحلامَها الطويلة
تُسدِلُ رموشَها كما يُسدَلُ الستارُ على النافذة
حين يلاحقُها شبابُ الحي بصفيرهم يسيلُ ريقُها بين شفاهِهم
تخافُ أن تلمسَها، ربما تكونُ قد وضعت لكَ في منحنياتِها واستداراتِها عبواتٍ ناسفة
حضورُ ساقيها يُربِكُ وقارَ الرجال، ورائحةُ أنوثتِها إضافةٌ ماكرةٌ إلى فنِ الغواية
كلُ ذلك وأكثر
لكنها ما زالت عالقة في حُلم الشاشة، كما تعلقُ أسرابُ الطحالبُ في صخور صماء

(3)



اسمها مريم، لكن لا عيسى في رحمها
صوتُها الخافتُ يدعوكَ إلى الغوصِ فيها، مع أن حديثها يكشفُ أمامك جبلَ رأسِها الفارغ العظيم
في حُضنِ امرأةِ بجاية، يلوذُ الموتُ بفرصةٍ، كي يولَد
تعيشُ حياةً تختارُ فيها عشاقَها بعنايةِ اختيارها مجوهراتٍ نادرة، دفع ثمنَها العشاقُ أنفسهم
جسدُها برقٌ في سماءٍ مُضطرمةٍ بالهلاك
توسعُ ثيابَها فتفضحُها الريح، تُضيقُها فتأكلُها: شبقٌ لا تغسله نشوةٌ، وذروةٌ لا تلجمها هزةٌ
الرجرجاتُ والملابسُ الملتصقة بالأرداف تُحدِثُ الشرارة التي تريدُها النساء، وتختزلُ جهودَ مصممي الأزياء للوقوع على لغةٍ جديدةٍ للإثارة
تبحثُ عن عاشقٍ غير متفرغ، مسرة دون خشيةٍ من دفع الثمن..رجل يمكنها احتضانُه دون أن يلزمها ذلك بعبء غسلِ جواربِه
تدعُه يكتشفُ أبجدية جسدِها الفريدة..وما أدراكم ما الجسدُ إذا غرَّد
تقولُ له على إيقاع أغنيات إيدير: خُذني، كُلِّي رَهْنُ أَرِيجِ النَّارِ
وفي المرةِ الوحيدة التي أحبت فيها، تركت الحبَ مرمياً تحت الأغراضِ في قاعِ حقيبة يدها، وهو نسي الحبَ في المقعدِ الخلفي لسيارته
كم هي وحيدةٌ صرخةُ الماء

(4)




تعرفُها من الجلسةِ المنحنيةِ المتربعة، والنهدِ الهزيل المتدلي من أثر الانحناء
الفتاةُ ذات العينين المشوبتين بصُفرةٍ، لم تتأملْ مرةً جسدَها عارياً
وإن استلطفتكَ يوماً ستخبرك أن الحياةَ لا تُطاقُ بدون حمالةِ صدر
جذابة، لكن نهديها ضامران، وهذا محزنٌ
تطلُ برأسِها من عباءةِ البرودِ الكافرِ بالمتع
ثمة نظرة في أعين كثيرٍ من النساء تقولُ إنهن أُخذن، إنهن خُدعن، فلا تعرف ما الذي يمكنك فعله لهن
تنكمشُ على نفسها كلما دقت طبولُ الرغبة، كموجةٍ تنسحب من شاطئها لحظة الجزر
تحلمُ بإنجاب طفلة تمنحها مصوغاتِها الذهبية وملابسَها ووصفاتِ طعامها
في الأمسياتِ الطويلة تجاهدُ ابنة أغادير كي تكفَ عن النوم مقوسة كالجنين، فالأجنة لا يبلغون الأربعين
همومُها ووِحدتُها تستلقي بجانبِها، محدقةً في وجهِها بعيونٍ باردة
وفي قلبِ الليل تصيخُ السمع، فلا يصلُ إلى أذنيها سوى كرّ الدراجات في الشارع الجانبي، وطقطقة السرير في شقة في الطابق الأول، والضحكة المكتومة بين عاشقين في الطابق الأخير
صباحُها معرفةٌ
قارئةٌ لا تشبع، تسعى نحو "سر الظرف المودع في الحرف"، تُحَدِثُكَ عن أقطابٍ وأئمةٍ وشعراء وعشاق مثل عبد الكريم الجيلي وعمر بن الفارض وجلال الدين الرومي والحسين بن منصور الحلاَّج وابن عربي والنفّري، بالحماسةِ نفسها التي تقرأ لكَ فيها في خشوع قصائد بول إيلوار وأندريه بريتون ورينيه شار وبونفوا
تهزمُها نتيجة الحائطِ، ويجرفُها الطوفان إلى أماكن قصيةٍ من النفس
الثلجُ شرير
وفي الشتاء، ترتدي شجرةُ الكرز ثوبَ الكفن..وتستريح
في آخر مرةٍ رأيتها فيها، كانت تخفي دمعتَها خلف روايةٍ لميلان كونديرا

(5)





هذا الناقمُ، الهائمُ، الداهية، الألعبان
فتى جزيرة جربة، محايدٌ لدرجة تثير الريبة
يملكُ جبهة تعلوها خطوطٌ كثيرة مشوشة بالزمن
مولعٌ بالفتنةِ والبهاء، يتساءلُ في نزقٍ: كيف يكونُ الرجلُ مخلصاً لامرأةٍ واحدة طوال حياته؟
يشعرُ كأنه آثمة في كنيسة
يقولُ لك: أؤيدُ الحكومة؛ لأنها حتى وإن سرقتنا فلن تترك أحداً غيرها يسرقنا
سائقٌ بارعٌ، يحدثكَ وهو لا يلتفتُ إليك: فقدتُ أحلاماً إلى الأبد، وبنيتُ أحلاماً أخرى، وأنا ممسكٌ بهذا المقودِ الأسود
إطاراتُ السيارةِ الفارهةِ تغازلُ الإسفلتَ الملتهب
صديقتُه الروسيةُ لا تفهمُ لغتَه إلا حين يلمسُها
لاَ يَمِيلُ إِزمِيلُهُ إِلا إِلى ظِلِّ مَرْمَرِهَا؛ يَنْقُشُ فِيهِ أَلْوَانَ طَيفِهِ الساحِرة
كلُ البناتِ اللاتي عَرَفهُن قبلها، ذواتُ بطونٍ مثالية شكَّلتها ساعاتٌ من الرياضةِ والمضاجعة
عاشقٌ فذٌ، وجلادٌ فظٌ
صعلوكٌ يخلط أسماء المدن بأسماء الفتيات، ويصلُ إلى الأبواب من دروبٍ مظلمة
الذئبُ حقيقي هذه المرة، ويوسف لن ينجو بكذبةٍ لا تنطلي على أحد
حذار، حين ننشغلُ بذيلِ الذئب، يتذكرُ هو أنيابه

(6)


عملاقٌ يرتدي الكسل
ضعيفٌ في رياضياتِ الجسد واللون
يتوارى في استحياءٍ، مثل عمود ضوءٍ معطل في شارع طويل. يهبُ على عجل ليحيي امرأةً عابرة، أو ينهضُ كي تسترخي على مقعده امرأةٌ أخرى
ابن منطقة القبائل، تجاوزَ الثلاثين من دون أن تعرفَ شفتاه عددَ النتوءاتِ حول حلمة ثدي المرأة
تعوَّد عشقَ النساءِ المستحيلات
يستعيدُ غرامياتِه الفاشلة المرتبكة، وتلعثَمه أمام تلك الفتاةِ التي كان ينتظرها يومياً أمام مدرستِها، مستنداً على دراجتِه
يغازلُ في مخيلته تفاصيلَ الفراغَ في ثيابِها، ويشهقُ وهو يمتصُ تفاصيلَ وجهِها الذي لسعته الشمس وحوَّلته إلى برونز يتقدُ بنضارةٍ دافقة تلهجُ بالصراخ السري
حين يحثه الأصدقاءُ على مفاتحةِ من يحب، يهزُ رأسه قائلاً: الغرباءُ الذين يُفرَضون على بعضِهم البعض بشكلٍ أو بآخر، نادراً ما يشكلون ثنائياً جيداً
يشربُ من نهرِ سفينةٍ جانحة، يمطرُ المرفأ القديمَ بالأحجياتِ الساخرة
لم يستطع مقاومة إغراء سن الأربعين، فمات
ربما كان الحلُ الوحيدُ للعشق، هو الموت
سيكونُ دخولُه الجنة هادئاً، كأنه يدخلُ إلى بيتِه
بقي رمزاً، ولم يمت مثل غيرِه داخل فقاعة الذكريات التافهة
هذه هي لعبتُنا مع الذكريات

(7)


رحالة، صار رغماً عنه سندباد العائلة
لم يجدوا له خارجَ ثوبِه وطناً، ولا خارجَ نعله سكناً
ًيحتفظُ في جيبِه بشفرةٍ سميكة يكشطُ بها صفعاتِ الطفولة، ليطويها في آخر الليل بعنايةٍ في دُرجٍ قديم للذاكرة
وعند الفجرِ تكونُ المقصاتُ مهيأةً للعملِ وقطعِ وهمِ الخيال
يحتفظُ من الفنادقِ والنساءِ والطرقاتِ بتذكار: منديل، أو شال، أو عُقب سيجارة، أو حصاة يحيره لونها
في صباه، أدماه صوتُ عراكِ أبويه، كان الصوتُ يصلُ إلى أذنه كصرير الحشراتِ القارضة وأصواتِ موج البحر الهائج. في تلك اللحظة قررَ أن الوقتَ قد حان لهجرِ البيت وتركِ العائلةِ إلى الأبد
حينما رضعَ فتى سوس سحابةً ظن كلَ السحب أمهاتٍ له، فامتطى ظهرَ إحداها، وتوَّسد حضنَ الأخرى
متلعثمٌ، مبعثرُ الملامح، مشتتُ النظرات، قليلُ الوسامة، هاربٌ من عيونِ الآخرين
حين تعرفه عن قربٍ، تفهمُ بالضبط لماذا انتحرَ هيمنغواي
في هدأةِ الليل، يسقطُ من السيارةِ مُخلفاً فيروز، تثرثرُ مع الظلمةِ التي تضغطُ على الشارع الفارغ إلا من سياراتٍ تناوشُ الهدوء
والسمكُ لا يُفرِقُ بين قُبلة الماء، وما يرسلُ الغريقُ من تحايا أخيرة

(8)




وحيدٌ، لم يكن لديه صديقٌ يحبُه إلى درجةِ أنْ يزعجه بالاتصال به هاتفياً
يبدو كأنه مُجتثٌ من العالم الحقيقي، وقد حلت عليه لعنةُ من يحيا نصفَ ميت، أو نصفَ شبح
كان إذا ثملَ يتصببُ عرقاً، مُجهَداً كأمٍ تُرضِعُ توأمين في اللحظة نفسها
يُبعِدُ الذبابةَ المقلِقةَ ويقولُ لكَ عن عائلته: جاءت كلُ الطائرات أثناء نومي وابتلعتهم، وبقيتُ وحدي دون طائرة
بعضُ الأيامِ التي بترَها من أيامِه تحوّلت إلى زوارقَ ورقية أو طائراتٍ صدئةٍ لا تصلحُ إلا للمتاحف
يهربُ إلى سريرِه ليحتضنَ جسدَه وينام
يرقدُ مثل غيمةٍ مستنفدة على الشاطئ بلا حراك
يستسلمُ لنومٍ مضطرب، مستمتعاً بملمسِ البطانية الخشن على جلده مباشرة
تهزُه لحظاتُ صحوٍ تداهمه فيها أصواتٌ تأتيه كآذان فجرٍ من مئذنةٍ بعيدة، ليوقظه بعد ذلك هديرُ شاحنةِ القمامةِ وصياحُ عمالها، وارتطامُ دلو حديدي بالأرض قبل أن يتابعَ تدحرَجه على طولِ الزقاق
يستيقظُ نجلُ باتنة في صباحاتِ هذا الخريفِ الجائرِ كقاطع طرقٍ مخذول
قِطَعُ الزجاجِ المتهاوية، أحلامٌ نسيها القاطنونِ على حافَّةِ النافذةِ خارجاً

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

18 التعليقات على "رسائل الغرقى"

أكتب تعليقا