ثمن الصداقة في حكم مصر (10): الموت في عصير الجوافة

| |





غرقت مصر في ظلام هزيمة حرب يونيو حزيران 1967، وسط ضباب التساؤلات والشائعات والأسرار

وبعد دقائق من إذاعة عبد الناصر بيان التنحي أو الاستقالة مساء 9 يونيو حزيران اتصل وزير الإرشاد محمد فائق بمحمد حسنين هيكل ليبلغه بأن المشير عامر اتصل به صاخباً وغاضباً ليقول إن لديه بياناً يريد أن يذاع على الناس، وأنه –أي فائق- رد عليه بعدم استطاعته إذاعة أي شيء إلا بعد الاتفاق مع هيكل. وأضاف فائق قائلاً لهيكل إنه يرجح أن المشير سوف يتصل به الآن

ويروي هيكل ما جرى قائلاً: "صدق ما توقعه السيد محمد فائق، فلم أكد أضع سماعة التليفون بعد حديثي معه إلا والمشير عبد الحكيم عامر على الخط مهتاجاً بطريقةٍ لا يبين منها كلامٌ مفهوم، وحاولت تهدئته قدر ما أستطيع بأن طلبت منه أن يبعث إليَّ بالبيان الذي يريد إذاعته مع رجائي له بأن يكون ما فيه مساوياً لحرج الموقف كله
"..ودق جرس التليفون ثانية وكان المتحدث هو المشير عبد الحكيم عامر مرة أخرى يقول إنه يفضل إملائي البيان بدلاً من إرساله اختصاراً للوقت، وكان البيان الذي يريد إذاعته هو إعلان بأنه قدم استقالته من جميع مناصبه ابتداءً من الساعة السابعة والنصف مساء وأن استقالته قُبِلَت، وسألته من قبلها؟! واستغرب السؤال وقلت له إن الرجل الذي كان في اختصاصه قبول الاستقالة أعلن على الناس استقالته في الساعة السابعة، ولم يعد في إمكانه أن يقبل شيئاً أو يرفضه

"وفوجيء المشير، وقال إنه سوف يعود إلى الاتصال بي بعد دقائق، وعاد وكان اقتراحه أن يصدر إعلانٌ عنه ب "أنه ابتداءً من الساعة السابعة والنصف تخلى عن كل مسؤولياته". ورجوته في صياغة ما يريده وإرساله مباشرةً إلى الإذاعة اختصاراً للوقت، وأنني سوف أتصل بالسيد محمد فائق، والواقع أن هدفي كله في تلك الساعة كان كسب الوقت بأقل قدرٍ ممكن من دواعي التفجير، وكان غضبه قد بدا يتزايد، ولكني أشهدُ أن كلمةً خارجةً لم تصدر عنه"

كان الموقف مختلفاً في مكتب معلومات عبد الناصر، الذي كان تحت رئاسة سامي شرف

ويقول سامي شرف في شهادته: "بعد انتهاء الرئيس جمال عبد الناصر من إلقاء خطاب التنحي اتصل بي المشير عبد الحكيم عامر في مكتبي وقال لي: يا سامي حابعث لك بيان للإذاعة باستقالتي وكمان شمس بدران، وطلب مني تبليغ ذلك للرئيس، وكلمت الرئيس وأبلغته بهذه الرسالة، وفي نفس الوقت اتصلت بمحمد فائق وزير الإعلام وطلبت منه التزام اليقظة توقعاً لإرسال المشير عامر أو شمس بدران بيانا أو يذهبا بنفسيهما أو أحدهما لإذاعة بيان استقالتهما وقلت له إن تعليمات الرئيس تقضي بعدم السماح لأي شخص أيا كان بإذاعة بيانات لا بالتأييد ولا الاستقالة إلا بعد الاتصال بي شخصياً ورجوته ألا يترك مكتبه ويمنع دخول أي أشخاص لمبنى الإذاعة والتليفزيون. وبالطبع فقد أثارت هذه التعليمات مشكلاتٍ كثيرة وكبيرة بين محمد فائق وبين العديد من المسؤولين وغيرهم"

من جهته، يكمل منير حافظ الرجل الثاني في المكتب تفاصيل ما جرى قائلاً: "دق التليفون ورد سامي (شرف) عليه فإذا به عبد الحكيم عامر يصرخ ثائراً:
بقى أنت با بن (ال....) على آخر الزمن تمنع إذاعة بيان لي؟!
"ويرد سامي: أنا يا فندم! أنا يكون لي ميت سنة في القبر لو أرفع عيني في وش سيادتك..ده أنا تلميذك يا فندم، ولو جيت ضربتني بمسدسك مش حارفع عيني في وش سيادتك!
ولم توقف هذه الاعتذارات سيل الشتائم المريرة التي تدفقت على أسماع سامي شرف والقريبين من مكتبه


وبينما كانت مصر غاضبة من الهزيمة، كانت تلك الفترة تشهد محاولات يبذلها الرئيس جمال عبد الناصر للصلح مع المشير عبد الحكيم عامر
لعب دور الوساطة بين الرئيس والمشير أكثر من شخصية بارزة: صلاح نصر، عباس رضوان، أنور السادات، ثروت عكاشة، ومحمد حسنين هيكل
يقول السادات في مذكراته إنه دعا المشير إلى العشاء في منزله واستقبله أحسن استقبال كأن شيئاً لم يكن. ثم يضيف قائلاً: "وفي نهاية لقائنا رجوته أن يقبل منصب نائب رئيس الجمهورية الذي عرضه عليه عبد الناصر، ولكنه قال بجفوةٍ: "لا..طول ما جمال عبد الناصر بيشتغل رئيس جمهورية، أنا لازم أشتغل قائد على القوات المسلحة..لا كده لا بلاش"
كان جوهر القضية هو أن المشير ينظر إلى الجيش على أنه إقطاعيةٌ تابعة له ولا يريد التنازل عنها تحت أية ظروف، ويرى أيضاً في استرداده سلطاته في الجيش ردَ اعتبارٍ له في ضوء مسؤوليته الكبرى عن وقوع الهزيمة العسكرية
وبعد نحو شهرين من الحرب، وتحديداً في 3 أغسطس آب 1967، روى جمال عبد الناصر في اجتماع اللجنة التنفيذية العليا للاتحاد الاشتراكي (حسب ما جاء في محاضر اجتماعاته العربية والدولية، إعداد عبد المجيد فريد) جانباً من اتصالاته مع عامر بعد حرب يونيو حزيران، إذ قال: "حاولت شخصياً إحضار المشير إلى مكتبي في المنزل لمحاولة إفهامه واستعنت بصلاح نصر لإحضاره ولكنه رفض الحضور، بعد ذلك قابلت عبد الحكيم وحاولت دون جدوى إقناعه بأنه ليس منطقياً أن يبقى بعد الهزيمة العسكرية قائداً عاماً، ويكتفي بأن يكون نائباً لرئيس الجمهورية. رفض المشير كلامي رفضاً باتاً وسافر غضباناً إلى بلدته في المنيا، ثم اتصل بهيكل من هناك وأبلغه استنكاره التام لجميع تصرفاتي! بعدها حضر شمس بدران إلى منزلي وأبلغني أن الموقف العام يزداد سوءاً يوماً بعد يوم وأن البلد كله ضدي وأن الجيش ضدي وأن الحل الوحيد هو إعادة عبد الحكيم عامر لمنصبه القديم من أجل استقرار الأوضاع!"


وفي أعقاب إعفاء عامر من جميع مناصبه وإحالته إلى التقاعد، دخلت مصر في دواماتٍ لا تنتهي


ففي حوالي العاشرة من صباح يوم 11 يونيو1967 حضر إلى مبنى السكرتارية الخاصة لرئيس الجمهورية بمنشية البكري، بعض القادة العسكريين وطلبوا مقابلة الرئيس وحددوا مطالبهم في بند واحد هو "عودة المشير عبد الحكيم عامر إلى قيادة القوات المسلحة". ورفض عبد الناصر مقابلتهم ثم أصدر قرار باسم رئيس الجمهورية القائد الأعلى للقوات المسلحة بإحالتهم إلى المعاش وهم الألوية عبد الرحمن فهمي وعبد الحليم عبد العال وحمزة البسيوني


وانتقل المشير عبدالحكيم عامر بعد ذلك إلى منزله في الجيزة، وكان المنزل يتكون من طابقين وبدروم ويطل على النيل في المنطقة بجوار فندق شيراتون القاهرة وفيه حديقة كبيرة ومحاط بسور عال، وكان يوجد بالبدروم مكاتب السكرتارية والحراسة الخاصة للمشير. وفي هذا المنزل ازدادت الحركة حيث أخذ يتصل به الضباط من الذين عادوا حديثاً من سيناء وبعض العناصر المدنية والعسكرية الأخرى، إلى جانب إخوته وأقاربه الذين قدموا من أسطال بلدة المشير في محافظة المنيا وقد حضر عدد منهم بناء على طلبه للإقامة معه في منزله بالجيزة

ومع اتساع الحركة غير العادية في منزل المشير عبد الحكيم عامر بالجيزة، كلف الرئيس عبد الناصر مدير المخابرات صلاح نصر بالاتصال بالمشير وإبلاغه بأن هذا الوضع لا يليق بعبد الحكيم وغير مقبول، وأنه يجب إنهاؤه.. لكن المشير عامر رد عليه بأنه سوف يغادر منزله إلى بلدته أسطال في محافظة المنيا في صعيد مصر، وفعلاً سافر إليها.. وأخذ يلتقي أفراد عائلته وأبناء البلدة ويردد في جلساته معهم.. أنه لن يرضى إلا بالعودة لقيادة الجيش.. وأنه لن يقبل أن يكون "طرطورا".. أو تشريفاتي كصلاح الشاهد

سافر عامر إلى قريته أسطال في المنيا، ثم عاد في أول يوليو تموز 1967 بعد لقائه محمد حسنين هيكل الذي تمكن من إقناعه بأن بقاءه في أسطال يعني رضاءه بالنفي الاختياري بعيدا عن القاهرة


وبدأ في اليوم نفسه تنفيذ حملة اعتقالات وتطهير شملت عددا من قادة القوات المسلحة وبعض الضباط من دفعة 1948 وهي دفعة شمس بدران، الذين كانوا يشكلون تنظيما خاصا كان يتولاه شمس بدران بشكل سري، لم يعلم به القائد الأعلى للقوات المسلحة وكانت قد ضبطت نوتة في مكتب شمس بدران في مبنى القيادة العامة بكوبري القبة تحوي أسماء هذا التنظيم وسلمها الفريق محمد فوزي للرئيس عبد الناصر، وبناء على ذلك اتخذت إجراءات التحفظ، وأودع الضباط في إحدى الفيلات في منطقة المعادي، إضافة إلى عدد من أعضاء مجلس الأمة عن محافظة المنيا بعد إسقاط المجلس لعضويتهم عنه
لكن النشاط المسلح أخذ يتزايد في منزل عامر. وسرعان ما تحول منزل المشير إلى ثكنة عسكرية نقل إليها الكثير من العناصر والمعدات، ووصل به الأمر إلى استدعاء نحو ثلاثمئة رجل من أسطال للمشاركة في حراسته، علاوة على بعض أفراد من الشرطة العسكرية
وصلت عبد الناصر أنباء عن تخطيط المشير عامر ورجاله لمؤامرة لقلب نظام الحكم يتم تنفيذها يوم 27 أغسطس آب 1967 . وعلى الفور، أمر عبد الناصر بتشكيل مجموعة عمل ثلاثية من شعراوي جمعة وأمين هويدي وسامي شرف لوضع خطة لمواجهة وإفشال هذا المخطط، وهو ما بالفعل بعد إطلاق اسم كودي لهذه الخطة هو: "العملية جونسون"
وهكذا دعا الرئيس جمال عبد الناصر صديقه المشير إلى منزله في منشية البكري في السابعة من مساء يوم الجمعة 25 أغسطس لتناول طعام العشاء، وقد حضر اللقاء كل من زكريا محيي الدين وأنور السادات وحسين الشافعي، ولم يكن أحد منهم يعلم أي شيء عما سيحدث إلا زكريا محيي الدين فقط الذي كان على دراية بالخطة كلها بالتفصيل

وعندما دخل عامر إلى المنزل ووجد أعضاء مجلس قيادة الثورة قال: "هي محكمة ولا إيه؟!". ويقول سامي شرف إن عبد الناصر أخذ يشرح الموقف ثم طلب من عبد الحكيم أن يلزم منزله، فتساءل المشير قائلاً: "يعني بتحددوا إقامتي؟" فرد عليه عبد الناصر والآخرون بالإيجاب. ويضيف سامي شرف قائلاً: "وتدخل السيد أنور السادات في المناقشات محاولاً إقناع المشير عامر بقبول القرار. إلا أن المشير عامر تطاول عليه بألفاظٍ جارحة لم يتفوه بها مثلاً للسيد زكريا محيي الدين عندما كان يحاول إقناعه أيضاً. وقد جاء ضمن ما قاله: "قطع لسانك أنت بتحاكمني يا رقاص.. يا.. ابن ..."



يقول وزير الحربية أمين هويدي الذي كان موجوداً في منزل الرئيس ليلة الواقعة: "وقد سمعت الرئيس وهو يقول للمشير: "عليك يا عبد الحكيم تقدير الموقف الصعب الذي تمر فيه البلاد. وعليك أن تلزم منزلك في هذه الفترة الحرجة". وسمعت المشير وهو يرد على الرئيس قائلاً: "يعني بتحدد إقامتي وبتحطني تحت التحفظ. قطع لسانك" وكرر ذلك أكثر من مرة

وبعد فترةٍ، دخل أمين هويدي إلى الصالون، في حين استأذن الرئيس وصعد إلى الطابق العلوي من المنزل. يقول هويدي إن عامر بدا له هادئاً بالرغم من حرج موقفه ودقة الظروف. ثم خرج المشير ذاهباً إلى دورة المياه، لكنه أعد للجميع مفاجأة لدى عودته، إذ يقول هويدي: "وفجأة خرج المشير من دورة المياه وفي يده كأس زجاجي به بعض المياه وقال بأعلى صوته وهو يرمي الكأس على طول ذراعه: "اطلعوا بلغوا الرئيس أن عبد الحكيم خد سم لينتحر". ودخل في هدوء إلى حجرة الصالون ليجلس على الأريكة ذاتها وهو يبتسم في هدوء وكأنه لم يفعل شيئاً. وقد انزعجت أشد الانزعاج حين سمعت بذلك وصعدت إلى الدور العلوي حيث يوجد الرئيس قفزاً فوق الدرج واستقبلني الرئيس من أعلى السلم وقلت له: "المشير خد سم وانتحر"، فقال لي الرئيس: "عبد الحكيم أجبن من أن ينتحر. لو كان عاوز ينتحر كان انتحر لما ودَّانا في داهية". ويبدو أن درجة انزعاجي كانت شديدة لدرجة أن الرئيس كان يحلو له بعد ذلك أن يحكي عن ذلك في مناسباتٍ عديدة وكان يضيف قائلاً: "تمثيلية عبد الحكيم خَالَت على أمين"


وأثناء حوار عبد الناصر وعبد الحكيم عامر توجه وزير الحربية ورئيس الأركان الجديدان محمد فوزي وعبد المنعم رياض إلى بيت المشير وأمرا القادة المعتصمين بمنزل المشير بتسليم أنفسهم والأسلحة التي بحوزتهم, وتحت التهديد باستعمال القوة استسلم هؤلاء القادة وانتهى الاعتصام. وفي فجر يوم 26 أغسطس خرجت سيارة ليموزين سوداء من منشية البكري وهي تقل المشير عامر ، وزكريا محيي الدين وحسين الشافعي، وتوجهت السيارة إلى منزل المشير، حيث تم تحديد إقامته فيه.. لكنه لم يحتمل ذلك خاصة في ظل الانهيار النفسي الذي كان يعاني منه عقب الهزيمة

وفي 14 سبتمبر أيلول 1967 تم الإعلان عن موت عامر منتحراً، ودفن في قريته أسطال التي ولد فيها قبل 48 عاما من وفاته

وأصدر النائب العام قراره فى الحادث يوم 10 أكتوبر تشرين أول 1967 وجاء فيه " وبما أنه مما تقدم يكون الثابت أن المشير عبد الحكيم عامر قد تناول بنفسه عن بينة وإرادة مادة سامة بقصد الانتحار، وهو في منزله وبين أهله يوم 13 سبتمبر أيلول 1967، قضى بسببها نحبه في اليوم التالي، وهو ما لا جريمة فيه قانوناً. لذلك نأمر بقيد الأوراق بدفتر الشكاوى وحفظها إدارياً"


أُثِيرت أقاويل تذهب إلى أن الجهاز الرسمي دفع عامر إلى الانتحار، أو دس السم له، وهو ما دفع عائلته وكذلك زوجته الممثلة برلنتي عبد الحميد، إلى المطالبة باستخراج جثته وتشريحها للتأكد من حقيقة موته. ونشر خبير السموم الدكتور علي محمد دياب في صحيفة "أخبار اليوم" في 27 سبتمبر أيلول 1975 أن المشير لم ينتحر، وإنما دس له سم (الإكونتين) في كوب عصير الجوافة الذي قُدِمَ إليه
وتقول برلنتي في كتابها "الطريق إلى قدري" إنه "تم الادعاء عليه بأنه انتحر، وتم تشويه سمعته الشخصية وتصويره بأنه الذي جر الهزائم، وتم قتله في عملية دنيئة لا يزال يحملُ بعضُ الأحياء وزرها"
على أن الصراع بين الرجلين استمر بعد وفاة عامر، وبقيت جذوره متغلغلة في المؤسسة العسكرية، إذ إن عبد الناصر واصل محاولاً اقتلاعها حتى يناير كانون أول 1967 –أي قبل رحيله بثمانية شهور فقط- عندما بادر إلى تطهير صفوف القوات المسلحة من الضباط الذين يدينون بالولاء لصديقه المشير عامر

في كتابه: "الافتراء على ثورة يوليو: هزيمة يونيو - مؤامرة رجال المشير عامر.. وانتحاره - الصلح مع إسرائيل" (دار الخيَال، القاهرة، 2003) يعيد المؤلف عبد الله إمام قراءة أوراق قضية رجال المشير عامر من خلال أقوالهم، واعترافاتهم أمام المحكمة التي حاكمتهم على مخططاتهم لإعادة عامر إلى موقعه كقائد عام للقوات المسلحة.. وهي الخطط التي أُعلِنَ رسمياً عن القضاء عليها بعد إبعاد عامر عن منزله، وعندما عاد إليه وجد أن رجاله قد ألقى القبض عليهم، وضاع أمله في العودة كقائد عام للقوات المسلحة. ويضم الكتاب النص الكامل للتقرير الذي أعده النائب العام وبه جميع التحقيقات التي أجراها حول واقعة وفاة المشير عامر


في مذكراته عن حرب أكتوبر، تطرق اللواء محمد عبد الغنى الجمسي رئيس هيئة العمليات بحرب أكتوبر إلى فترة النكسة، قائلاً: "بينما كنت أجلس مع اللواء أحمد إسماعيل ليلاً في جبهة القناة نراجع كالمعتاد يومياً نشاط العدو في سيناء وكذا نتائج أعمال قواتنا، قبل أن يتوجه كلٌ منا إلى خندق النوم المخصص له، دق التليفون وكان المتحدث هو الفريق أول محمد فوزي من القاهرة. كان هدف المكالمة هو إخطارنا بانتحار المشير عامر في منزله بمادةٍ سامة شديدة المفعول كان يخفيها ملاصقة لجسمه تحت الملابس الداخلية"

وتابع الجمسي قائلاً: "أخذ اللواء أحمد إسماعيل يناقشني في رد الفعل المنتظر لهذا الحادث بين القوات في الجبهة، ووصلنا إلى نتيجةٍ مؤكدةٍ هي أن انتحار المشير عامر لن يكون له تأثيرٌ عام، فما زالت حرب يونيو بأحداثها ونتائجها المريرة تترك أثرها العميق في نفوس كل العسكريين بعد أن فقدنا سيناء، واستشهد لنا الآلاف من رجال القوات المسلحة، ولم يكن أحد قد نسي دور عبد الحكيم عامر في الهزيمة كقائد عام للقوات المسلحة، واستعدنا معا الحالة السيئة التي وصلت إليها القوات المسلحة في ظل قيادته، وكان ذلك سبباً رئيسياً من أسباب الهزيمة"

أحد قيادات الضباط الأحرار وهو عبد المحسن أبو النور - الذي كان أول قائد للحرس الجمهوري لأول رئيس جمهورية مصري اللواء محمد نجيب- يحكي في كتابه "الحقيقة عن ثورة يوليو" الصادر عن الهيئة العامة للكتاب عام 2001، أن عبد الناصر أصبح في حالة نفسية سيئة جداً وأنه انعزل عن الجميع بعد انتحار المشير عبد الحكيم عامر، ويقول أبو النور إن السادات جاءه في هذه الفترة منزعجاً من الحالة التي عليها عبد الناصر وطالبا منه المشورة، فلم يكن من أبو النور إلا أن نصح السادات بأن يذهب إلى عبد الناصر وأن "يستحضر بعض القفشات والنكات المسلية" من أجل إخراجه من الحالة السيئة التي هو فيها
ويقول أبو النور إن السادات جاءه في اليوم التالي فرحاً وممتناً له لأن عبد الناصر تكلم معه كثيراً بعد أن ألقى عليه بعض النكات والقفشات فطلب منه أبو النور أن يستمر في دوره، بل إنه طلب منه أن يأخذ لعبد الناصر "شريط فيديو مسلياً"
أما المُسلي حقاً، وربما المأساوي أيضاً، فهو ما عاشته مصر ودفعته ثمناً لتلك الصداقة بين ناصر وعامر

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

6 التعليقات على "ثمن الصداقة في حكم مصر (10): الموت في عصير الجوافة"

أكتب تعليقا