"هكذا جاء قدري"

| |



14 أكتوبر تشرين أول 2008

قد يبدو يوماً عادياً من أيام تجرها مصر ويجترها المصريون.. لكن تاريخ 14 أكتوبر لم يكن قبل 27 عاماً بالضبط مجرد يومٍ آخر في ذاكرة هذا الوطن

ففي الساعة الثانية عشرة وست عشرة دقيقة من ظهر يوم الأربعاء الموافق الرابع عشر من أكتوبر عام 1981، وبعد استفتاءٍ شعبي خرج بنتيجة تأييد 98.46 بالمئة لاختيار محمد حسني مبارك رئيساً للجمهورية، وقف مبارك وإلى يمينه الرئيس السوداني جعفر نميري، وإلى يساره د. صوفي أبو طالب رئيس مجلس الشعب..أخذ مبارك يتلو من ورقةٍ صغيرة اليمين الدستورية لتبدأ قانونياً فترته الرئاسية

استعرض مبارك بعد ذلك أمام مجلس الشعب طبيعة الموقف بعد ثمانية أيامٍ من اغتيال الرئيس أنور السادات في حادث المنصة

فلسفة الرئيس مبارك في الحكم قامت منذ البداية على فكرة أن الحكم قدر، وأنه مطلب شعبي يجعله متمسكاً بالسلطة حتى النفس والنبض الأخير، إذ قال في خطابه أمام الاجتماع المشترك لمجلسي الشعب والشورى في بدء الدورة البرلمانية يوم الأحد الموافق 26 نوفمبر تشرين ثانٍ 2006:
"سأواصل معكم مسيرة العبور إلى المستقبل، متحملاً المسؤولية وأمانتها، ما دام في الصدر قلبٌ ينبض ونفسٌ يتردد، لا أهتز ولا أتزعزع، ولا أفرط في مصالح الوطن"
هو إذاً رئيس مدى الحياة

أو هكذا نفهم كلمات مبارك الذي يُفترض أن تنتهي فترته الرئاسية الخامسة عام 2011

في خطاب تنصيبه رئيساً، قال مبارك الذي أصبح أكبر رئيس مصري جلس على مقعد الحكم وثاني أطول رئيس مصري على مقعد السلطة منذ محمد علي باشا والي مصر:

"إن قرار الشعب بتكليفي بمسؤوليات رئيس الجمهورية ..هو أمر من الشعب ..وقد أقسمت اليمين الدستورية يمين الطاعة لهذا الأمر ..لقد كانت كلمتي للقائد والمعلم والزعيم منذ اللحظة الأولى التي شرفني فيها باختياري نائبا لرئيس الجمهورية ..كانت كلمتي له أنني لن أتولى هذا المنصب إلا مع أنور السادات رئيس الجمهورية ..ويوم أن يقرر الاعتزال بانتهاء المدة الدستورية أو بإرادته فسيكون قراري أيضا هو الاعتزال"
وهذا يعني ببساطة أن الرئيس مبارك الذي تجاوز سن الثمانين، تحدث في خطاب تنصيبه رئيساً عن رغبة السادات في الاعتزال لو أن الله أمد في عمره وبلغ سن الرابعة والستين. إلا أن السادات رحل عن دنيانا وهو في الثالثة والستين من العمر بعد 11 عاماً قضاها في الحكم، مثلما رحل قبله الرئيس جمال عبد الناصر وهو في سن الثانية والخمسين بعد أن قضى في الحكم 16 عاماً

مبارك أبدى في الخطاب الذي نحن بصدده ذلك الارتباط العضوي بين الحاكم ومن يليه في السلطة..نرصد في كلامه مفهوم الرجل رقم واحد، الذي لا يوجد بعده رقم اثنان أو ثلاثة..إذ يتوقف العد عند رقم واحد وحيد: الأول

"لم يدر في خلدي لحظة واحدة ما شاءت به إرادة الله من أن أصير إلى هذا الموقف ..بل إنه عندما صارحني منذ أشهر قليلة بأنه قرر أن يعتزل في العام المقبل بعد أن يطمئن إلى سلامة الأساس الذي أرساه لمسيرة مصر نحو الديمقراطية والرخاء والسلام.. أجبته بكل الإخلاص وصارحته بكل الصدق بأن اعتزاله هو أمر مستحيل ..وسوف يرفض الشعب لأول مرة قراراً يصدره ..وسوف أرفض لأول مرة أمرا يصدر لي بالترشيح لمنصب رئيس الجمهورية"

وفي لحظة وفاءٍ أو تأثرٍ، لم يتمكن من حبس دموعه وهو يقول إنه لم يَدُر بخلده لحظة واحدة ما شاءت به إرادة الله أن يقف هذا الموقف بعد السادات وبالصورة التي جرت بها الأمور
"ولكن هكذا جاء قدري أن أقف أمامكم في هذا المقام في غيبته ..لقد صدر لي الأمر من الشعب ..شعب مصر ..وهنا أستلهم مواقف السادات التي اختار منها قدره ..أو اختارها له القدر ..أستلهم القوة والإرادة من مواقفه ..أعلن أنني بعون الله وبعونكم أواجه قدري في هذه المسؤولية الضخمة الهائلة ..بمبادىء وأخلاقيات القائد والمعلم والزعيم محمد أنور السادات"
ولم ينس مبارك أن يقدم يومها برنامج عمله إلى الأمة، فكانت وعوده براقة مثل الأضواء التي تحيط ببرج الجزيرة ليلاً، إذ قال: "ولعل أهم ما يتعين أن نوفره للعمل الوطني في هذه المرحلة هو ما كان القائد الراحل يسعي لتحقيقه في عهد السلام وهو الجدية والطهارة..فلا هزل ولا جدل ولا تضليل ولا استخفاف بعقول الجماهير..ولا تناقض بين القول والعمل..ولا نفاق ولا رياء ولا فساد واتجار بقوت الشعب..ولا حاكم ولا محكوم..فكلنا مواطنون متساوون في الحقوق والواجبات..لا فضل لأحدنا إلا بالتقوى والعمل الصالح..ولا عصمة لأحد من سيف القانون القاطع الذي لا يفرق بين قوي وضعيف..وبين غني وفقير ..وقريب وبعيد..وأن يشعر كل مواطن بأنه يستطيع الحصول على حقوقه دون وساطة أو شفاعة..ويؤدي ما عليه من واجباتٍ دون ملاحقة أو مطالبة..لأن الجهد القومي العام هو محصلة عمل الأفراد والجماعات بكل ما فيه من إيجابيات وسلبيات"
واليوم: تبخرت الدولة، وعمت الفوضى، وانتشر الفساد، وانطفأت الأنوار بعد أن حُورِبَ القضاة وحُوكِم الصحفيون وغُيبت القوى السياسية، وتوحش كبار رجال المال فأخذوا يبذرون ملايين الدولارات سعياً وراء الثأر العاطفي، وتزوج أصحاب الأعمال من السلطة، وأصبحوا مُشرعين لقوانين معيبة تعد ثمرة التضارب بين مواقعهم في النظام ومصالحهم الخاصة
وهكذا مَنْ عاش في عصر مبارك قُدر له أن يشهد الموت غرقاً في العبَّارات منتهية الصلاحية، وحرقاً في القطارات المنسية وقاعات المسارح المهملة، ودفناً تحت صخور المقطم في الدويقة، أو بسبب أمراضٍ تبدأ من التهاب الكبد الوبائي ولا تنتهي بإنفلونزا الطيور، أو دهساً تحت الأقدام تحت مُسمى "شهداء طابور رغيف العيش"، أو عطشاً بعد أن جفت صنابير المياه وتشققت أراض كان النيل يرويها لسنين، وبات ماؤنا غوراً فخرج الناس بحثاً عن قطرة ماء حتى وإن كانت ملوثة بمياه الصرف
في خطابه يوم تنصيبه رئيساً لمصر، ختم مبارك خطابه بدعاء واضح الملامح والمواقف قال فيه:"ربِ، إني نذرت لك نفسي وكفاحي، فتقبل مني ..إنك أنت السميع العليم"

آمين

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

6 التعليقات على ""هكذا جاء قدري""

أكتب تعليقا