ثمن الصداقة في حكم مصر (8): صدمة دمشق وصدفة القاهرة

| |






لم يجن عبد الحكيم عامر بلح الشام أو عنب اليمن
ونحن نعني هذه العبارة حرفياً

فقد أخفق عبد الحكيم عامر - الذي رقي إلى رتبة فريق عام ١٩٥٨، وبعد الوحدة مع سوريا وفي العام نفسه رقي إلى رتبة مشير – في إدارة حرب اليمن، مثلما تحمل جانباً من المسؤولية عن فشل مشروع الوحدة
وأخذ البعض على عبد الحكيم عامر الطريقة السيئة التي أدار بها عملية الحرب هناك
فقد خاضت القوات المصرية المتزايدة الحجم عمليات هجومية واسعة النطاق عبر كل الأراضي اليمنية وصولاً إلى الحدود مع السعودية وجنوب اليمن في يناير كانون ثانٍ 1963 سميت "عمليات الجوف". كان الهدف غير المنطقي هو تأمين كل أراضي الجمهورية وعلى الفور

أعاد عبد الحكيم الكرة في العامين التاليين، وفي كل مرة كانت النتيجة خسائر فادحة ونتائج سياسية مركبة. ولم يتدارك الخطأ إلا في ربيع 1966، عندما وافق على خفض حجم القوات إلى فرقتين مكلفتين بتأمين مثلث صنعاء - الحُديدة – تعز فقط لا غير. هذا المثلث هو قلب اليمن الحيوي وهو المهم في الأساس لإرساء دعائم النظام الجمهوري، ومن ثم بناء الجيش اليمني الوطني القادر لاحقاً على تطهير الأطراف
لقد أنفق عبد الحكيم عامر مالا كثيرا وذهبا وفيرا على رشوة قبائل الحدود، ليُفاجأ في كل مرة أنه لا يستطيع منافسة السعودية في سباق شراء الولاء
ورأى البعض أنه كان الأجدر به أن يحدد هدفه منذ البداية – أي أكتوبر تشرين أول 1962– في أن تأمين المثلث المحوري هو المراد وبعده بناء الجيش الجمهوري ومن ثم تحرير كامل المساحة. ولو فعل ذلك لكان الاستنزاف الذي تعرض له الجيش المصري أقل بكثير مما جرى، ولكانت النتائج السياسية أيسر منالاً




المحطة الأهم في سجل إخفاقات عبد الحكيم عامر على الصعيد السياسي هي الفشل في حكم سوريا أثناء مشروع الوحدة، ما أدى إلى وقوع للانفصال
ففي فجر يوم 28 سبتمبر أيلول 1961 استيقظ عبد الناصر على أسوأ خبر يتعلق بالمشروع القومي العربي منذ ثورة 23 يوليو 1952
والحق أن خلفية قرار تعيين عبد الحكيم حاكما مطلق الصلاحيات لسوريا هي المتاعب الكبيرة التي نالها عبد الناصر من فئات البعث المنحل، سواء بالصراع الصامت بين أنصار ميشيل عفلق وأكرم الحوراني، أو بشكوى الطرفين المبالغ بها من وزير الداخلية عبد الحميد السراج، أو بمحاولة وزرائهم إضفاء صبغة البعث على العديد من أجهزة الدولة بما أوصل شرائح كبيرة من النخبة السورية إلى مرحلة الجأر بالشكوى منهم ومن تحزبهم



وحين أعيد تنظيم الحكم في الجمهورية العربية المتحدة، برز على القمة رجلان هما نور الدين كحالة الذي تولى منصب نائب رئيس الجمهورية لشؤون الإنتاج وعبد الحميد السراج الذي أصبح نائب الرئيس للشؤون الداخلية. وساد إحساس عام في دمشق بأن السراج أصبح عملياً حاكم سوريا . ولعل عبد الناصر أراد تدارك الوضع فقرر تعيين عبد الحكيم عامر ممثلاً له في دمشق
دام بقاء عامر في دمشق من أكتوبر تشرين أول 1959 وحتى أغسطس آب 1960 . وأثناء تلك الفترة، كان الصراع على أشده بين عامر والسراج، إذ حاول كلٌ منهما تقليم أظفار الآخر. ومع تقدم شهور إقامة عامر في دمشق بدأت الاحتكاكات والحساسيات بين رجاله ورجال السراج
وفي هذا يقول محمد حسنين هيكل في كتابه "سنوات الغليان: 1967" ضمن سلسلة كتبه عن حرب الثلاثين سنة: "ف "عبد الحكيم عامر" الذي كان نصف مكسور ونصف منكسر في القاهرة بعد أزمته في السويس وجد في دمشق أجواء أخرى تتعامل معه وكأنه "نائب الملك" في دمشق، ومن سوء الحظ أنه راح يتصرف على هذا الأساس، فإذا بمحيطه في دمشق يتحول إلى شبه بلاط تزدحم فيه شبه حاشية، وفي مثل هذه الأجواء فإن المقاييس تترهل والقيم تنفك يوماً بعد يوم، وكان البعد عن مركز السلطة في القاهرة يشجع من حيث أنه يداري فما يصل إلى المركز يصبح مجرد أصداء يسهل الرد عليها بإرجاعها إلى الدس أو الافتراء (وكانت تلك كلها أوضاعاً تداعت عنها فيما بعد عواقب سوف يبدو أثرها على مجرى الحوادث)



"ومن ناحية أخرى فإن عبد الحميد السراج الذي كان قد تخلص من ضغوط حزب البعث التي ركزت عليه لم يكن راغباً في أن يجد نفسه تحت رقابة عبد الحكيم عامر، خصوصاً وأن السراج كان في وضعٍ يسمح له برؤية تصرفات عامر عن قرب. بل لعل ما كان يراه شجعه أكثر بدعاوى الأمن على تشديد قبضة الأجهزة البوليسية على أهم المواقع في دمشق. ولما كان التنظيم النقابي، والتنظيم السياسي (الاتحاد الاشتراكي) كلاهما بقرب اختصاص السراج فإن التداخل بين مقتضيات ومجالات العمل السياسي خلق حالة من التشابك زادت وطأتها" (ص 564)
بلغت الأمور بين الرجلين حالة مهينة ليس لكرامة كليهما فقط، ولكن للدولة التي يمكن أن تحسب عليها في النهاية تصرفاتهما معاً
تصاعد الخلاف بين الرجلين مع صيف 1960 لكنه أخمد وجُمّد عندما انتصر عبد الناصر للسراج في أغسطس آب من ذلك العام

سُحِبَ عامر من دمشق، ورُفـّع السراج لمرتبة رئيس وزراء مع احتفاظه بوزارة الداخلية، فانفرد لشهور ستة في حكم سوريا دون منازع
إلا أن البعث واصل تحركاته وضغوطه كجبهة معارضة، فرأى عبد الناصر أنه ومن باب أن حارسين أفضل من حارس واحد، أن يعود عامر للإقامة في سوريا مشرفاً عاماً، مع الاحتفاظ بالسراج في مناصبه، ليعود الاحتكاك من جديد ويعود معه التجاذب
وفي صيف 1961 – وبالأخص بعد صدور قرارات التأميم في القطاع الاقتصادي التي أثارت نقمة طبقة التجار- برزت تحركات محمومة للتآمر على الوحدة لدرجة أن هاني الهندي قطب حركة القوميين العرب أتى للسراج بقائمة من 37 ضابطاً يتآمرون للانقلاب وعلى رأسهم المقدم عبد الكريم النحلاوي. كان عامر قد عينَّ النحلاوي نائبا لمدير إدارة شؤون الضباط في الجيش الأول (والتي يرئسها أحد أصفياء المشير: العميد أحمد علوي) وهو المنصب الحساس الذي يسمح للنحلاوي بالتحكم بتنقلات الضباط طالما كسب ثقة المشير



أوصل السراج القائمة لعبد الناصر الذي سارع لسؤال عامر عن كاتم أسراره السوري – النحلاوي – فما كان من عامر
إلا أن دافع عنه بشدة، متهماً السراج بأنه يستهدف رجاله وأنها دسيسة لا تستحق مجرد الالتفات إليها
في أغسطس آب 1961 ارتكب عبد الناصر خطيئة أخرى، وهي الاكتفاء بحكومة واحدة للوحدة مركزها القاهرة. لقد أدى نقل مركز الحكم إلى القاهرة إلى حالة من الفراغ في دمشق، ولم تكن دمشق معتادة على هذا الفراغ، الذي أخذ يمتلىء بأصداء مشوشة عما يجري في القاهرة
ويقول هيكل: "ووصلت الأمور إلى نقطة الخطر في أوائل سبتمبر 1961 فقد بدأ عبد الحكيم عامر يقول إن رجال عبد الحميد السراج في الداخلية، وفي الاتحاد القومي يهاجمونه علناً، ثم هدد عبد الحميد السراج بالاستقالة حين أصدر المشير أمراً بنقل عدد من ضباطه إلى القاهرة، وأضاف إلى تهديده بالاستقالة عبارة سرى رنينها في محافل دمشق، فقد قال "إنه يستطيع إخراج عبد الحكيم عامر من دمشق مضروباً بالبندورة (الطماطم)"!
وكان هناك في دمشق من يراقب الصراع بين عامر والسراج ويرتب للنفاذ من الثغرة التي راحت تتسع بينهما يوماَ بعد يوم




وبلغ الأمر حد قول السراج صراحةً إنه إما أن يكون هو في دمشق، أو يكون المشير عامر، ثم أتبع ذلك ببرقيةٍ منه إلى جمال عبد الناصر
صباح يوم 20 سبتمبر أيلول 1961 يقول نصها بالحرف الواحد: "إنك سلمتني إلى من أهانني، فأرجو إعفائي
إمضاء: عبد الحميد السراج"
استدعى عبد الناصر السراج إلى القاهرة لاحتواء الخلاف، لكن السراج أصر على أنه لم يعد هناك مجال للتعاون بينه وبين المشير، في حين كان عامر يضغط من دمشق لقبول استقالة السراج ويشكو لعبد الناصر من السراج، مردداً اتهامات
الأحزاب السورية له بالاستبداد والقمع
المفارقة أن رجال الانقلاب كانوا يحتشدون ويرصون صفوفهم في دمشق، في الوقت الذي كان الرجلان المسؤولان عن حمايتها يتصارعان على مساحات القوة وحجم النفوذ

وهكذا وقع الانقلاب في دمشق، وكاد عامر يلقى حتفه هناك، حين تعرض منزله للقصف من جانب قوات تابعة للعقيد حيدر الكزبري قائد لواء البادية.. ثم قام حكم الانفصال في دمشق وتشكلت حكومة برئاسة مأمون الكزبري الذي كان من قبل ضالعاً في مخططات أمريكية للانقلاب في سوريا، وفق ما أثبتته المحاكمات والوثائق في "قضية الدندشي"
أما المشير عامر فقد خرج من سوريا وهو أكثر ارتباكاً وانكساراً من أي وقتٍ مضى
المضحك المبكي هو أن انقلاب الانفصال تم على يد 37 ضابطاً فقط، ما يبين هزال الأوضاع في الإقليم عشيته وهشاشتها الصارخة
وبنظرة واحدة على قائمة المشاركين في الانقلاب، سنجد أن معظمهم كانوا من أفراد مكتب المشير عامر في دمشق، وأن العقل المدبر للانقلاب هو المقدم عبد الكريم النحلاوي، مدير مكتب المشير. وهذا يعني ببساطة أن الانقلاب تم تدبيره ورسم خطوطه داخل مكتب المشير عامر
والحق أن إدارة عبد الحكيم عامر لأزمة انقلاب الانفصال يوم 28 سبتمبر أيلول تشي بمحدودية قدراته على السيطرة والقيادة. فقد ارتبك عامر واكتفى بالجلوس في الأركان مفاوضا، دون قوة مادية مباشرة يستند إليها، وبالتالي ليس من خلفه إلا قوة معنوية يبددها كل ساعة في ضوء مخاوف وخطط الانقلابيين
ويمكن القول باطمئنان إلى أن عبد الحكيم عامر كان وبالاً على الوحدة في المرحلتين اللتين قضاهما حاكما لسوريا، بفاصل ابتعاد دام ستة شهور
وفي القاهرة، التي عاد إليها عامر مساء 28 سبتمبر أيلول 1961 كسير الخاطر من "الإقليم الشمالي"، أصيب المشير بأزمة نفسية
والشاهد أن أشياء كثيرة تغيرت في المشير عامر الذي ظل حتى عام 1961 مثالا للالتزام العائلي وحسن السيرة والسلوك، صدق فيه حينها وصف عبد الناصر له أنه "كان قطة مغمضة". ففي تجربة دمشق وفي ظل وجود علي شفيق مدير مكتب المشير، أصبحت السهرات الخاصة ولوازمها أمراً مألوفاً بالنسبة للمشير، وقيل الكثير حول ما جرى في تلك الفترة بما في ذلك عن استلطاف عامر للمطربة الصاعدة آنذاك وردة الجزائرية والتسري بمنادمته

وفي المقابل، أفلت عبد الناصر فرصة جديدة لاستبعاد صديقه عبد الحكيم عامر، لكن أموراً كثيرة بدأت تتخمر تحت السطح
ويروي منير حافظ الرجل الثاني في مكتب معلومات جمال عبد الناصر واقعتين لهما دلالتهما، إذ يقول إنه أثناء مباحثات الوحدة الثلاثية بين مصر وسوريا والعراق التي عُقِدَت في مارس آذار 1963، جرى ما يلي: "كان تسجيل المباحثات يجري في غرفة بمكتب المعلومات بقصر القبة وفي حضور سامي شرف ومحمد حسنين هيكل والموظف القائم بعملية التسجيل، أثناء الاستراحة دق في الغرفة جرس التليفون الخاص بالزعيم الراحل الذي طلب هيكل ليكلمه، ولم أسمع طبعاً ما كان يقوله عبد الناصر، ولكن سمعت هيكل يرد:
- المناقشة كويسة جداً..جداً، بس لو تعرف تسكت ال"..." اللي جنب؟
"وكان المقصود بهذا الوصف المشير عامر الذي كان مشتركاً في الجلسة، وكان قد استفاض في مناقشة أمورٍ فرعية حرفت المناقشة بعيداً عن المسار الذي يريده عبد الناصر. ولأن هيكل لم ينطق بشىء أمام عبد الناصر إلا إذا كان محسوباً بدقة، فقد فوجئت بهذا الوصف الذي أطلقه على المشير
"ولكنني فوجئت أكثر بأن هذه الجرأة من جانب هيكل لم تكن على غير هوى عبد الناصر، بدليل أنه أجاب عليها بتعليق جعل هيكل يطلق ضحكة طويلة مستمتعة"
وفي واقعةٍ ثانية، يقول منير حافظ: "جرت القصة في سهرةٍ جمعت المشير ببعض أصفيائه وتساءل أحدهم عن رد فعل عبد الناصر لو أنه حضر ورآهم في هذه السهرة، وعلق واحدٌ من أتباع المشير قائلاً:
"ما تشوف لنا طريقة بقى "يا ريس"، وتخلصنا من الرعب اللي على دماغنا ده؟"
فزجره المشير قائلاً: بس يا ولد..ما لكش دعوة بالكلام ده خالص!
ولكنه –أي المشير- قبل أن يقول هذا أطلق ضحكة طويلة جداً تدل على أن "الكلام ده لم يكن على غير هواه"!
ويخلص منير حافظ إلى أن" العلاقة بين الرجلين إذن قد تحولت من الصداقة الخالصة إلى المناورة والمداورة"
أما السادات فيقول: "انتهت سنة 66 والصراع بين عبد الناصر وعامر على أشده فكلٌ منهما متربص بالآخر وخاصة أن عامر كان كل يومٍ يوسع رقعة سلطاته. فعن طريق لجنة الإقطاع والتعلل بالثورة المضادة استطاع أن يضرب من يشاء وأن يعزل أو يبقي من يشاء في مؤسسات الدولة وجميع مناصبها بما في ذلك النوادي الرياضية، بل إن شكاوى الهيئات العامة أو الأفراد كانت تُحالُ إلى القوات المسلحة للنظر فيها وحلها حسب ما يتراءى لها...وهكذا تراكمت السلطات في يد عامر حتى أصبح الآمر الناهي والمتحكم في مصير الناس وفي كل ما يتعلق بالبلد من أحداث"
ثم يروي السادات كيف أنه ذهب لزيارة جمال عبد الناصر يوم جمعة في فبراير شباط 1967، وكان عبد الناصرحزيناً مهموماً وسأله السادات:
"مالك شايل الدنيا على دماغك ليه يا جمال؟ واضح أنك شايل الدنيا على دماغك!
قال: أيوه..فعلاً أنا شايل الدنيا على دماغي.. يا أنور البلد بتحكمها عصابة وأنا مستحيل أكمل بهذا الشكل..أني أبقى الرئيس المسؤول واللي بيحكم هو عبد الحكيم وينفذ اللي عاوزه..طيب أخرج أنا أحسن وأروح أقعد في الاتحاد الاشتراكي..ويتولى هو رياسة الجمهورية وأنا مستعد لأن أُسأل عن الفترة اللي قعدتها لغاية ما حأخرج..أجاوب عن أي شيء
"قلت له: مش معقول يا جمال تسيب رياسة الجمهورية وتقعد في الاتحاد الاشتراكي عشان عبد الحكيم عامر وأعوانه يحكموا مصر..أنت عارف أن عبد الحكيم أسوأ من يختار معاونيه. ولذلك أعتقد أنه أفضل شيء إنك تجيبه وتكلمه بينك وبينه وبالشكل ده ممكن توصلوا لحل مع بعض
"قال جمال: والله الصورة سيئة يا أنور وأنا حاسس أن إحنا داخلين على كارثة
"بعد ذلك ببضعة أيام ذهبت لزيارة عبد الناصر فقالوا لي إن عنده ضيفاً وانتظرت في حجرة مكتبه إلى أن يخرج الضيف..وبعد فترةٍ جاءني عبد الناصر وبادرني: يا سيدي الحكاية كملت..شمس بدران جاي لي دلوقتي بيطلب رسمي إن المشير يأخذ رئاسة الوزراء..وحجته إيه؟ إن البلد بتشتكي..مش عارف أن معظم الحاجات اللي بتشتكي منها الناس هي من تصرفاته وتصرفات أتباعه؟
"قلت له: طيب أنت قلت إيه؟
"قال والله أنا خدت الموضوع ببساطة..قلت له أنا ما عنديش مانع..قل له أنا موافق بس يترك القوات المسلحة وياخد رياسة الوزراء – أنا حلاقي مين يمسك الوزارة أحسن من عبد الحكيم؟
"قلت له: أنا ما زلت عند رأيي إنك تقابله وتتكلموا مع بعض وأنت عارف طبعاً أنه بيقبل منك ما لا يقبله من أي شخصٍ آخر، بالشكل ده ممكن الموضوع يتلم والمسائل تنحل
"عبد الناصر قال: لا يا أنور..العملية ماشية في اتجاه غلط
"طبعاً كان رد عامر على رسالة عبد الناصر بالنسبة لرئاسة الوزارة هو الصمت، فهو يعتبر القوات المسلحة مكانه الطبيعي ولا يمكن أن يتخلى عنها لأي سببٍ من الأسباب، فهي مركز القوة الأول"
وحين عاد المشير عبد الحكيم عامر من دمشق عقب فشل وانفصام دولة الوحدة في نهاية عام 1961، ظهر في مصر معسكران متناحران، الأول يقف على رأسه عبد الناصر، أما الثاني فيقوده عبد الحكيم عامر




وزاد من حدة الأزمة في السنوات اللاحقة زواج عبد الحكيم عامر عرفياً من الممثلة برلنتي عبد الحميد. وفي هذا الملف، بدت صدفة للقاء والحوار الثنائي مرتبةً من جانب مدير المخابرات صلاح نصر، لكنها نجحت في نهاية الأمر في اجتذاب المشير إلى برلنتي

وفي شهادته التي تحمل عنوان "القصة الحقيقية: برلنتي والمشير" وسجلها بقلمه الكاتب الصحفي سيد زهران، يقول محمد متولي سكرتير المشير وكاتم أسراره: "وكان المشير عبد الحكيم عامر حريصاً على كتمان أمر علاقته مع السيدة برلنتي عبد الحميد وحين يزورها كان يشار إليه – إمعاناً في السرية والتخفي- بلقب الدكتور، وكان يُشار إليها بالاسم الكودي "أبلة بله"
"وفي بداية علاقة المشير مع برلنتي لم يكن يعلم بأمر هذه العلاقة سوى مجموعة قليلة موضع ثقة المشير وهم: صلاح نصر وعباس رضوان وعلي شفيق وعبد المنعم أبو زيد ومع تعدد الزيارات اتسعت الدائرة لتشمل المهندس حسن عامر شقيق المشير، وأخاه مصطفى عامر الذي كنا ندعي أمام الجميع أنه زوج برلنتي إمعاناً في السرية، وعبد المنعم عامر ابن عم المشير والملحق الثقافي المصري في بون وقتها، وأنور السادات"


ويضيف سكرتير المشير قائلاً: "لم يعرف الرئيس عبد الناصر شيئاً عن علاقة المشير عامر ببرلنتي إلا في نهاية عام 1965 وكانت صدمة المفاجأة عنيفة ومؤلمة، ولم يستطع الرئيس عبد الناصر أن يصدق من هول المفاجأة..وأمر الرئيس المشير بأن يقطع علاقته وصلته مع برلنتي نهائياً وفوراً
"وطلب المشير من الرئيس أن يمهله بعض الوقت حتى يتوصل إلى طريقةٍ يتخلصُ بها من برلنتي، وبدأ المشير فعلاً الإقلال من زياراته إلى فيللا الهرم"
غير أن هذه الرواية تذهب إلى أن حمل برلنتي قلب المعادلة رأساً على عقب، خصوصاً بعد أن قررت برلنتي كسر حاجز الصمت المفروض على هذا الزواج المهدد في أي لحظة، وذلك بطباعة منشور مكتوب على الآلة الكاتبة وتوزيعه على مجموعة منتقاة لإحداث ضجة
وقد كان!
نقطة نظام نثيرها هنا، وهي أن أسرة المشير لم تعرف بأمر هذا الزواج إلا بعد حرب يونيو حزيران 1967 وتداعياتها، والتي كان على رأسها تحديد إقامة المشير نفسه
ويقول جمال عبد الحكيم عامر أكبر أنجال المشير: "هزنا خبر زواج أبي وإنجابه عمرو كما صُدمت أمي صدمة كبيرة لأنها الزوجة والأم، ابنة العم، وقد راعينا شعورها"

رواية أخرى يطرحها محمد حسنين هيكل في كتابه "الانفجار"، إذ يقول: "في يوم 20 فبراير 1967 قرأ جمال عبد الناصر تقريراً كان بمثابة صدمة بالنسبة له، كان التقرير من إدارة المباحث العامة وكان يتحدث عن إشاعات تجري في الأوساط الفنية عن زواج المشير عبد الحكيم عامر بالممثلة السيدة برلنتي عبد الحميد زواجاً عرفياً وأن هذا الخبر تأكد بحقيقة أن السيدة برلنتي عبد الحميد تنتظر مولوداً نتيجة لهذا الزواج. وطلب جمال عبد الناصر مزيداً من التفاصيل، واتصل بنفسه بوزير الداخلية يطلب أن تصله معلومات وافية في هذا الموضوع على الفور، وأن تراعى أقصى درجات الحيطة والحذر في تقصي المعلومات حتى لا تحدث إساءة لا لزوم لها لأي طرفٍ من الأطراف قبل الوثوق من الحقيقة
"وتأكد الخبر، ورأى جمال عبد الناصر أن ينتظر أياماً قبل أن يفاتح عبد الحكيم عامر في هذا الموضوع حتى لا تملكه انفعالات الغضب وتصعب المناقشة الجادة في تصرفٍ يصعب السكوت عليه"
استدعى عبد الناصر المشير عبد الحكيم عامر لمقابلته في أول مارس آذار 1967، ومفاتحته في الأمر
ويقول هيكل: "كان أسلوب عبد الحكيم عامر المعتاد عندما يوجه إليه أي تساؤل عن تصرفٍ من تصرفاته أن يبدأ بإثارة زوابع صغيرة، ويتخذ مظهر الغاضب المجروح المعتدى عليه، وهكذا عندما سأله جمال عبد الناصر في موضوع زواجه السري بدا غاضباً ومتألماً وقائلاً: إنه سئم من هذه الحملات الموجهة ضده والتي تثور من وقتٍ لآخر وإنه لم يعد يطلب غير أن يبتعد ويستريح، وإنه يفضل أن يعود إلى قريته في أسطال بالمنيا ويعيش هناك فلاحاً عادياً، يزرع ويقلع، ولا يكون نائباً لرئيس الجمهورية، أو نائباً للقائد الأعلى للقوات المسلحة


"وانتظره جمال عبد الناصر حتي أفرغ ما لديه ثم كان تعليقه أن كل ما سمعه من المشير خارج الموضوع وأن سؤاله كان سؤالاً محدداً وليس هناك جدوى من تجنب الرد عليه مباشرة، وهكذا هبط عبد الحكيم عامر فوراً من الغضب أو التظاهر به دفاعا عن النفس، واعترف بعلاقته مع السيدة برلنتي عبد الحميد ولم يجد ما يبرر به تصرفه سوى أنه وجد أخيراً إنسانة تستطيع أن تفهمه، وكانت الدموع تلوح في عينيه وهو يحاول أن يكتمها.. ثم لم يتمالك نفسه وراحت الدموع تجري على خديه في صمت، وسأله جمال عبد الناصر عن الظروف التي تعرف فيها عليها


"وكان رد عبد الحكيم عامر أنه تعرف بها عن طريق صلاح نصر"
"وحين حاول جمال عبد الناصر أن يسأله إذا لم يكن قد فكر في الثورة وفي أسرته وفي أولاده وهو يسلم نفسه لعواطفه تتحكم فيه، قال عبد الحكيم عامر إنه تعذب في الشهور السابقة بما فيه الكفاية، وإنه الآن على استعدادٍ لأن يقبل بما يراه الرئيس بما في ذلك أن يترك موقعه، وكان رأي جمال عبد الناصر أنه مع الأسف الشديد لا يجد سبيلاً آخر"

وتحت ضغط افتضاح أمر الزواج العرفي، اضطر عامر لرفع الراية البيضاء، راضياً باقتراح عبد الناصر عليه بالابتعاد إلى يوغوسلافيا مدة تكفل معالجة أثر الحكاية تمهيداً لقبول استقالته من الحكم دون ربطها بمسألة الزواج العرفي من برلنتي
وبالفعل، صدر قرار عن رئاسة الجمهورية في مارس آذار 1967 يقضي بالموافقة على سفر عبد الحكيم عامر إلى الخارج للعلاج على نفقة الحكومة التي تغطي جميع مصاريف الإقامة والسفر لعامر وجميع مرافقيه

على أن المسألة انتهت على نحو مغاير..لم يسافر عامر إلى يوغوسلافيا، وإنما رحل إلى العالم الآخر

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

4 التعليقات على "ثمن الصداقة في حكم مصر (8): صدمة دمشق وصدفة القاهرة"

أكتب تعليقا