ثمن الصداقة في حكم مصر (5): جيمي.. وروبنسون كروزو

| |


كان اللقاء الأول بين عبد الناصر وعامر في الكلية الحربية عام 1937

وقبل ذلك، انضم عبد الناصر إلى كلية الحقوق ودرس بها لمدة ستة شهور، ثم قرر الالتحاق بالكلية الحربية في 17 مارس آذار 1937.. وكذلك فعل عامر، الذي التحق بكلية الزراعة وظل بها ستة شهور، قبل أن يتركها للالتحاق بالكلية الحربية في أكتوبر تشرين أول 1937..وكان آخر يومٍ لتقديم الطلبات

وفي تحقيقٍ صحفي أجرته إيزيس نظمي في مجلة "آخر ساعة" في 12 مايو آيار 1954 تحت عنوان "مواقف من ليلة 23 يوليو"، يقول عبد الحكيم عامر إنه "نجح في الكشف بطريق الصدفة البحتة"

وطوال فترة الدراسة في الكلية الحربية، كان عبد الناصر مسؤولاً عن عامر

عن بدايات هذه الصداقة، نقرأ تفاصيل مهمة أوردها المؤرخ السويسري جورج فوشيه في كتابه "عبد الناصر وفريقه: بناء الجمهورية العربية المتحدة"

Georges Vaucher, Gamal Abdel Nasser Et Son Equipe, 2 vol.: L'Edification De La Republique Arabe Unie, Paris, Julliard, 1959

يقول فوشيه: "دخل جمال الكلية الحربية لأول مرة في 17 مارس آذار 1937 مع الدفعة الثانية للضباط المستجدين، ومر بما يسمونه فترة الاختبار، وهي فترة لا تتجاوز خمسة أشهر، يُلَقن فيها الطالبُ مبادىء الحياة العسكرية، ويُراقَبُ سلوكه من الناحيتين الأخلاقية والرياضية، وفي نهاية الاختبار هذه أصدرَ مجلسُ الكلية قراراً بصلاحية الطالب جمال للحياة العسكرية وقيد اسمه بالقسم الإعدادي بالكلية ثم بالقسم المتوسط

"وعلى الرغم من التحاقه بالكلية الحربية بعد مرور ثلاثة أشهر على بدء الدراسة فيها، أظهر من الكفاية العسكرية ما أهلَّه لأن يُنقل إلى القسم النهائي، ولأن يصبح "رئيس فريق" وأُسنِدَت إليه منذ أوائل سنة 1938 مهمة تأهيل الطلبة المستجدين


"ومن الطلبة الذين استجدوا عندما كان جمال عبد الناصر رئيس فريق في الكلية، الطالب محمد عبد الحكيم عامر، القائد العام للقوات المسلحة للجمهورية العربية المتحدة


"وكان جمال مسؤولاً عن تأهيله عسكرياً مع المستجدين الذين كان مكلفاً بإرشادهم إلى طريقة ارتداء الزي العسكري على الوجه الصحيح، وتحية رؤسائهم والقيام بتدريباتهم العسكرية الأولى"


ويتابع جورج فوشيه قائلاً: "وتوثقت عُرى صداقةٍ حميمة بينهما، وكان الاثنان شغوفين بالمطالعة، وأطلق على عبد الحكيم اسم "روبنسون" لشغفه بقصص الأسفار وبالمغامرات الفذة كمغامرات روبنسون كروزو


"كان عبد الحكيم عامر ورئيس فرقته جمال عبد الناصر من الطلبة المثاليين في الجد والمثابرة، وفي احترام اللوائح والنظم العسكرية، وكانت الحياةُ العسكريةُ تروقُ لهما تماماً


"واشتهر في الكلية باسم "الأومباشي جيمي" وكانت صداقته ل"روبنسون" معروفة، وكنتَ إذا رأيتَ "جيمي" فسرعان ما يظهر روبنسون" والعكس بالعكس، وكانت مكتبة الكلية المكان المفضَل للقائهما"


غير أن الوضع الاجتماعي لعبد الناصر وعائلته - كان والده موظفاً في مصلحة البريد في قرية الخطاطبة، إحدى قرى دلتا مصر- ظل جداراً قائماً بينه وبين آخرين، بمن فيهم عامر الذي ينتمي إلى عائلةٍ من أثرياء المنيا، وكان والده عمدة أسطال يمتلك نحو خمسمئة فدان


في موضعٍ آخر من كتابه، يقول جورج فوشيه: "ظل الطالب جمال عبد الناصر في الكلية الحربية بعيداً عن زملاء دفعته. كان فقيراً ووقف أصله المتواضع حجر عثرةٍ في طريقه، فانكب على مطالعة المؤلفات التي كشفت له عالماً جديداً بالنسبة إليه، عالم العلوم العسكرية، والسياسة الدولية، ولم يجد زميلاً يشاركه أحقاده وحماسته وعاطفته الوطنية إلا عندما أصبح "قائد جماعة" في الكلية وأصبح مسؤولاً عن تأهيل الطالب المستجد عبد الحكيم عامر عسكرياً"

مزيدٌ من الضوء على تلك الفترة يلقيه وزير الدولة البريطاني للشؤون الخارجية أنتوني ناتنغ في كتابه "ناصر"
Anthony Nutting, Nasser, London, Constable, 1972


وهذا الكتاب توجد له ترجمة باللغة العربية (أنتوني ناتنغ، ناصر، ترجمة شاكر إبراهيم سعيد، مكتبة الهلال، القاهرة، 1985)


يقول ناتنغ: "وسرعان ما أثبت عبد الناصر إلى جانب سعة اطلاعه وعمق بحثه، أن لديه موهبةً طبيعية للزعامة، وفي نهاية عامه الأول اصبح مسؤولاً عن مجموعة جديدة من المرشحين بينهم عبد الحكيم عامر، وهو شاب طويل نحيل، وكان خاله الفريق محمد حيدر آخر قائد عام للقوات المسلحة قبل ثورة 1952. وعلى الرغم من الفارق الكبير في خلفيتهما الاجتماعية، تطورت الصداقة بين عبد الحكيم عامر وعبد الناصر، تلك الصداقة التي دامت قرابة ثلاثين عاماً"


ومن تعارفٍ في القاهرة إلى صداقة في الإسكندرية، كما يقول الكاتب الصحفي الأمريكي روبرت سانت جون في كتابه "الرئيس: قصة جمال عبد الناصر"
St. John, Robert, The Boss: The Story of Gamal Abdel Nasser, New York, McGraw-HiII, 1960

يقول سانت جون: "وفي الليلة التي وصل فيها جمال عبد الناصر إلى الإسكندرية رحب به ملازم آخر كان نوبتجياً في تلك الليلة ولديه عِلمٌ بوصوله، وأعد له شخصياً حجرةً له وقدم نفسه لجمال برشاقةٍ قائلاً:
"الملازم عبد الحكيم عامر يا سيدي"
"وابتسم جمال..كانت معرفتهما ببعضهما البعض سطحية في الكلية. ذلك أن عامر كان في الفرقة التالية مباشرة لفرقة جمال. وتذكر أن هذا الرجل الشاب الرقيق المتسرع كان يطلق عليه "روبنسون" نظراً لإعجابه بالقصص التي من نوع قصة "روبنسون كروزو"


"ويمتد أصل عامر إلى جذورٍ أعمق من جذور ناصر في تربة الوجه القبلي ذلك لأنه وُلِدَ في قريةٍ في منتصف الطريق بين القاهرة وبني مر..كانا مختلفين في كثيرٍ من النواحي، ومع ذلك أعجبا ببعضهما البعض بشكلٍ غريزي، وفي تلك الليلة بينما كانا يتحدثان بدأت صدقةٌ بينهما"

مكث عبد الحكيم عامر 18 شهراً في الكلية الحربية


ثم أُعلِنت الحرب العالمية الثانية في عام 1939، فتم تخريج الطلبة على عجل، وكان من نصيب عبد الحكيم عامر تعيينه في باتانيا، على مقربةٍ من الإسكندرية


وفي باتانيا كان اللقاء الأول بين عبد الحكيم عامر، وجمال عبد الناصر، الذي قال عنه أنور السادات: "هذا اللقاء لم يكن شيئاً، لم يكن اللقاء الحقيقي بين الصديقين اللذين لم يفترقا بعد ذلك كثيراً في حياتهما"


لكن عبد الحكيم عامر يتحدث عن هذا اللقاء باعتباره نقطة بدايةٍ في تلك الصداقة. ويروي عامر لمجلة "آخر ساعة" ما جرى قائلاً: "كنتُ هناك في باتانيا وذات ليلةٍ وأنا في نوبتي الليلية، مر بنا عبد الناصر وقضى الليلة معنا. وتحادثنا مع بعضنا، وسرعان ما بدا لنا أن أفكارنا ووجهات نظرنا متشابهة وأصبحنا صديقين


"ومضت شهور ونُقِلتُ إلى السودان في يناير عام 1940، وهناك التقيتُ بجمال عبد الناصر ثانيةً، وكنا في أورطة واحدة، وتوطدت أواصر الصداقة بيننا، وسارت أفكارنا في طريقٍ واحد. ولم نكن مرتاحين للظروف والأحوال التي نعملُ فيها، وكنا نتألمُ للمعاملة التي يُعامِلُ بها كبارُ الضباط من هم أدنى منهم في الرتبة من الضباط الآخرين. ولمسنا حاجة الجميع إلى مراعاةِ القيم الإنسانية المقررة لجميع الآدميين وشعرنا بخيبة أملٍ مُرة لما نحن فيه من أوضاعٍ اجتماعية"


ويشير عبد الحكيم إلى واقعةٍ تكررت معه ومنه لاحقاً أكثر من مرة وتكشف جزءاً أصيلاً من شخصيته: الغضب..وقرار الاستقالة


إذ يقول: "ووقع خلاف شديدٌ ذات يومٍ بيني وبين قائد الفرقة في الخرطوم، بسبب بعض الترتيبات الخاصة بزيارةٍ للحاكم العام، وكان المسؤول عن هذه الإجراءات أربعة من الضباط، لم أكن أحدهم ولكن القائد أشركني في المسؤولية من غير مبررٍ لذلك، فقد كان يريد معاقبتي فحسب، ورفضت بعنادٍ قبول ذلك، وحاول إرغامي على الخضوع بكل الوسائل بالنصيحة والوعيد، وبكل ما في وسعه من حيلة!


"وقدمت استقالتي من الجيش، وكان جمال عبد الناصر يرقب هذا الموقف بهدوئه المعروف، وكان شديد الاهتمام بأمر مستقبلي، ووافق على أن لي الحق في رفض العقاب، ولكنه أيضاً كان قلقاً لاستقالتي وامتناعي عن العمل


"ومرت هذه العاصفة من تلقاء نفسها بعد أيامٍ قليلة، ولم يوقَع عليَّ عقاب، ولم يبرد القائد على كتاب استقالتي"



وفي كتابه الذي يحمل عنوان "حياة المشير محمد عبد الحكيم عامر" (دار الخيَّال، القاهرة، 2002) يقول رشاد كامل إن عامر طلب نقله من الخرطوم، وفي عام 1941 نُقِلَ إلى مركز التعليم في منقباد، وبقي هناك لمدة سنة ونصف السنة



ومن الخرطوم انتقل عبد الناصر وعامر إلى جبل الأولياء على النيل الأزرق في اتجاه الجنوب بمسافة خمسة وأربعين كيلومتراً، حيث أقامت مصر سداً كانت تحرسه بقواتها


وينتقل بنا روبرت سانت جون إلى تلك الفترة فيقول: "كان عامر وناصر الضابطين الوحيدين هناك، فكانت لهما حجرتان متجاورتان وكانا يأكلان معاً، ويصيدان الطيور البرية معاً وتشاركا في كتبهما وصحفهما. ونمت الصداقة بين عامر المتسرع الذي لم يكن من الممكن التنبؤ بشيء عنه وناصر الذي كان يتسم بالهدوء بصورة أقوى"


ويؤكد الكاتب الأمريكي أن ناصر وعامر خصا كثيراً من وقتهما في التحدث عن مستقبل مصر، واقترح عامر ضرورة محاولتهما التأثير على هذا المستقبل بالعمل بطريقةٍ ما داخل نطاق الجيش


"وحذر عامر ناصر بقوله: "ولكن فلنتذكر أننا لسنا سياسيين"!
فرد عليه وقال: "وأنا لستُ متأكداً من أننا نريد ذلك"
وقال عامر: ولكن إذا استطعنا أن نجعل عدداً كافياً من ضباط الجيش الشبان يفكرون كما نفكر، فقد نخرج من ذلك بشيء"

هذا التقارب الفكري والتنظيمي كان محور اهتمام الكاتب الصحفي الإنجليزي ويلتون واين في كتابه "عبد الناصر..قصة البحث عن الكرامة"
WYNN, WILTON Nasser of Egypt: The Search for Dignity,USA, Arlington, 1959

يقول واين: "ولعل أهم حادثة وقعت له (يقصد جمال عبد الناصر) خلال السنتين اللتين قضاهما في السودان كانت اجتماعه بملازم شابٍ آخر ذي عقليةٍ سياسية يدعى عبد الحكيم عامر الذي أصبح اليوم مشيراً وقائداً عاماً للقوات المسلحة ونائب رئيس الجمهورية العربية المتحدة. لقد شكلت صداقة عبد الناصر لعبد الحكيم عامر "حجر الزاوية في حركةٍ نُظِمَت ببراعةٍ داخل الجيش المصري عُرِفَت بلجنة الضباط الأحرار"


وشغلت قصة لقاء عامر وناصر صفحاتٍ من كتاب أنور السادات "صفحات مجهولة"، الذي صدر لأول مرة ضمن سلسلة "كتب للجميع" في نوفمبر تشرين ثانٍ 1954، ثم أعيد طبعه تحت عنوان "أسرار الثورة المصرية.. بواعثها الخفية وأسبابها السيكولوجية" ضمن سلسلة "كتاب الهلال" في يوليو تموز 1957

وتحت عنوان "اللقاء الأول بين عبد الناصر وعامر" يقول السادات في كتابه الذي نُشر مسلسلاً في جريدة "الجمهورية": "في خلال الأعوام التي كنا فيها نظهر لنختفي ونختفي لنظهر..كانت عينا جمال الفاحصتين تبحثان عن الرجال والأعوان، ولعل انتصاره الأول في هذا الميدان كان لقاؤه بعبد الحكيم، وبقصة هذا اللقاء يبدأ هذا الطور من أطوار التمهيد للثورة"

ويشير السادات إلى أن اللقاء الحقيقي والتعارف الكامل بين عبد الناصر وعامر بدأ في الخرطوم، موضحاً أن هذا التقارب استغرق بعض الوقت لأنهما كانا نقيضين في كل شيء، إذ يقول:
"كان جمال شيد التحفظ
وكان عبد الحكيم شديد الاندفاع
وكان جمال هادىء الأعصاب دائماً..مهما حدث ومهما رأى..وما أكثر ما كان يرى مما يشقي النفس الأبية
وكان عبد الحكيم سريع الانفعال، سريع الغضب تستفزه الصغيرة والكبيرة على حد سواء"


ونقرأ في كتاب السادات المذكور عن مرحلة تالية من صداقة عبد الناصر وعامر، إذ يقول: "وفي جبل الأولياء زادت الصداقة عمقاً بين الزميلين، واكتمل التفاهم بينهما في كل شيء..كانا يقضيان معاً سهراتهما يلعبان الشطرنج وكان يقضيان معاً أيامهما في رحلات الصيد
"وعندما يذكر أحدهما تلك الأيام وتلك الليالي، لا يكاد يذكر الشطرنج، ولا الصيد بقدر ما يذكر المشاجرات الكبيرة التي تقع بينهما..فليس يسيراً أن تقوم صداقةٌ حقيقية بين هذين الرجلين دون أن يسبقها عددٌ كبيرٌ من المشاجرات، ولم يكن في جبل الأولياء من الضباط سواهما..فكان جمال هو القومندان، وكان عبد الحكيم ضابطه الوحيد!

"ولم يكن بدٌ إذا تشاجرا صباحاً أن يصطلحا في المساء..وإذا تشاجرا مساء أن يصطلحا في الصباح، ولكن هذه الفترة قد انتهت بالتفاهم التام بينهما وبالتفكير المتصل الموحد في حالة الجيش، فقد اقتنعا تماماً أن المشكلة ليست مشكلة الكتيبة ولا القومندان ولا الرؤساء الإنجليز ولكنها مشكلة الجيش كله..والبلد كله.."

على المستوى الإنساني، نمت تلك الصداقة أكثر حتى إنهما سكنا لفترةٍ معا في شقةٍ واحدة قبل الزواج


ويروي السفير عبد العزيز جميل في مجلة "صباح الخير" 28 مايو آيار 1983 ذكرياته أيام كان ضابطاً مع عبد الناصر وعامر، فيقول إنه حدث ذات مرة أن دخل مع عبد الناصر وعامر مكتبة ليجد ناصر فيها كتاباً كان يبحث عنه، لكنه فوجىء بأن سعر الكتاب 120 قرشاً في حين أنه لم يكن في جيبه سوى خمسين قرشاً، فإذا بعامر يتسلل خارجاً من المكتبة ليعود إليها بعد قليل طالباً شراء الكتاب بعد أن باع طربوشه "النسر" - وكان من أشهر ماركات الطرابيش- حتى لا يحرم صديقه ناصر من كتاب يريده


وعندما قرر عبد الناصر الزواج من تحية كاظم في عام 1944، كان عامر أول من يعلم بأمر هذا الزواج، وما لبث الأخير أن تزوج بعد ذلك بشهور من زينب عبد الوهاب. وبعد أن نمت العائلتان وزاد عدد أفرادهما، تزوج حسين شقيق عبد الناصر من آمال ابنة عامر، كما أطلق عبد الناصر اسم عبد الحكيم على أحد أبنائه، في حين أطلق عامر اسم عبد الناصر على أكبر أنجاله


وفي حوارٍ صحفي، قال جمال عبد الحكيم عامر: "حتى عام 1967 كانت العلاقة العائلية جيدة جداً، لأن جمال عبد الناصر وعبد الحكيم عامر لم يكونا يفترقان أبداً، فمن الطبيعي أن تلتقي أسرتاهما باستمرار وخصوصاً في إجازة فصل الصيف التي كنا نقضيها في المعمورة حيث كان لكلٍ من أسرتي الرئيس والمشير بيتان متجاوران ومتشابهان أيضاً، وكان الرئيس جمال ووالدي يقضيان معنا إجازات الأسبوع وعندما يذهبان إلى القاهرة في بقية أيام الأسبوع كنا نحن وأسرة عبد الناصر نقضي هذه الأيام وكأننا أسرة واحدة"


ويتعين القول إن كلاً من جمال وعبد الحكيم وخالد محيي الدين بعد العودة من السودان وفي أعقاب أزمة 4 فبراير 1942 جربوا مسار الإخوان المسلمين عبر صلتهم بالضابط الإخواني المتقاعد محمود لبيب الذي وصلهم بالمرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين الشيخ حسن البنا والذي أقرّ لهم عضوية التنظيم السري الخاص في شعبة مستقلة للضباط. كان معهم في ذاك التنظيم عبد المنعم عبد الرؤوف ومعروف الحضري وحسين حمودة وأبو المكارم عبد الحي وصلاح خليفة، وهم من بقوا فيه حتى بعد يوليو 1952، وكذلك كمال الدين حسين وحسين الشافعي وغيرهم ممن أوقف علاقته بالتنظيم عشية حرب فلسطين كما فعل عبد الناصر وصحبه


ثم جاءت حرب فلسطين 1948، التي زادت من عمق الصداقة بين عبد الناصر وعامر


وروى عبد الناصر بالتفصيل ذكرياته عما جرى على أرض فلسطين في كتابه "يوميات عبد الناصر عن حرب فلسطين" الذي نُشِرَ مسلسلاً على صفحات مجلة "آخر ساعة" شتاء 1955، وتولى إعداد اليوميات وكتابتها رئيس تحرير "آخر ساعة" آنذاك محمد حسنين هيكل


وبعد الهزيمة في حرب فلسطين، شعر عبد الناصر ورفاقه أن الثورة أصبحت ضرورة ملحة. ويروي عبد الناصر كيف أن قائد قوات الفدائيين في حرب فلسطين المقدم أحمد عبد العزيز همس له في أذنه قبل أن يموت قائلاً:
"جمال. المعركة الحقيقية ليست هنا، إنها في مصر"

لقد عاد هؤلاء الضباط من حرب فلسطين مهزومين مكلومين يغلي في داخلهم غضبٌ ضد الملك ونظامه أكثر من العدو. بدا رفاق عبد الناصر مصممين على إنشاء تنظيم للضباط يحتفظ باستقلاله عن الأحزاب – ومنها الإخوان – ويجمع كل التنظيمات العديدة المتناثرة في أوساط الضباط، وكلها تشترك في معاداة الاحتلال البريطاني وفي النقمة على سلوك الملك فاروق، شخصاً كان أم حاكماً، خصوصا في حرب فلسطين

في تلك الفترة، بحث عبد الناصر عن حلفاء جدد وأفكار أخرى للمعركة، وهكذا أقام اتصالات مع الحركات الماركسية وبخاصة منظمة "حدتو" بواسطة أصدقائه التقدميين خالد محيي الدين ويوسف صديق. من جهة الوفد كان لناصر صديق عزيز هو أحمد أبو الفتح نقيب الصحفيين وصهر المخلص له ثروت عكاشة


ويقول ثروت عكاشة في كتابه "مذكراتي في السياسة والثقافة" (مكتبة مدبولي، القاهرة، 1988) والذي أعادت دار الشروق طبعه عام 2000: "بعد عودتنا من حرب فلسطين عينت برئاسة هيئة أركان حرب الجيش، وعين جمال مدرساً بكلية أركان الحرب، وعبيد الحكيم عامر برئاسة سلاح المشاة، وبدأ كلاهما يدعو إلى تشكيل تنظيم الضباط الأحرار، وانضممت إليهما بصورةٍ تلقائية نظراً للصلات القوية بيننا"


وظهرت اللجنة التأسيسية لتنظيم الضباط الأحرار التي انتُخِبَ عبد الناصر رئيساً لها


لقد كان عامر أحد الذين وهبوا عبد الناصر كل اهتمامهم وصداقتهم، حتى يمكن القول بأنه ذاب في شخص عبد الناصر حقيقة وواقعاً. وكان عبد الناصر يسند إلى عامر مهمة البحث عن ضباط يصلحون للانضمام إلى خلايا التنظيم السري للضباط الأحرار. ونجح عامر في تلك المهام لارتباطه بصداقاتٍ قوية مع زملاء الكلية الحربية وسلاح المشاة الذي انضم إليه وضباطٍ آخرين في أسلحة أخرى مختلفة، حملوا كل التقدير للصاغ عبد الحكيم عامر، ذلك الصعيدي الشهم المعروف عنه سخاؤه وكرمه، فضلاً عن مشاعره الريفية الصادقة وسلوكه الإنساني دائماً الذي يتسم بالفروسية والود

وفي الجزء الأول من مذكرات صلاح نصر بعنوان "الصعود" (دار الخيَال، القاهرة، 1999) يقول المؤلف: "وللتاريخ فقد كان عبد الناصر هو العقل المدبر للتنظيم بينما كان عبد الحكيم عامر هو الدينامو أو المحرك لنشاطه، وبلا شك كان له الفضل في تجنيد أكبر عدد من الضباط الأحرار"


بل إن عامر وقف وراء تجنيد اللواء محمد نجيب نفسه، وكانت نقطة البداية أثناء حرب فلسطين


يقول محمد نجيب: "ولم أترك يوماً واحداً يمضي دون الاتصال بمن أثق في رجولتهم من الضباط.. أحرضهم على إجادة القتال، واحرضهم في الوقت نفسه، على الاهتمام بما يدور في العاصمة. وكان الصاغ أ. ح. عبد الحكيم عامر قد عين أركان حرب للوائي، وقد وجدت فيه ضابطاً ذكياً دقيقاً..وعندما سمعني أردد هذه الآراء ذهب إلى صديقه البكباشي أ. ح. جمال عبد الناصر وقال له –كما أخبرني فيما بعد- "لقد عثرت في اللواء محمد نجيب على كنزٍ عظيم"

وكان عبد الناصر قد أقنع رفاقه بضرورة اختيار شخصية عسكرية كبيرة تعلن الثورة باسمها حتى تبدو أكثر إقناعاً للجماهير، وعندما بدأ اقتراح الأسماء كان محمد نجيب مرشحاً من عبد الحكيم عامر، فيما رشح الباقون اللواء فؤاد صادق


بدت الاعتبارات التي رجحت اختيار محمد نجيب موضوعية لاعتباراتٍ عدة، لكن الفريق الآخر رأى في اختياره نصراً شخصياً لعبد الحكيم عامر وهزيمة لهم، واعتبروا أن عبد الناصر مال إلى هذا الاختيار مجاملة لصديقه..ثم لم يلبث هذا الإحساس أن تفاقم بعد الثورة

وفي 22 يوليو تموز 1952 كان فاروق على شاطىء الإسكندرية برفقة حاشيته وحكومته كما هي عادته في كل عام، ولكن بعد أكثر من 200 كيلومتر، كانت ساعة الصفر قد حانت بالنسبة للضباط الأحرار

وهكذا ولدت ثورة 23 يوليو

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

8 التعليقات على "ثمن الصداقة في حكم مصر (5): جيمي.. وروبنسون كروزو"

أكتب تعليقا