ثمن الصداقة في حكم مصر (4): الرجل الأول..والأول مكرر

| |




كانوا يطلقون عليه سراً اسم الرجل الأول "مكرر"

ارتبط اسمه برتبته العسكرية: "المشير"، واختارت دائرته المقربة أن تناديه "يا ريس".. لكن نفوذه الأبرز ظل حتى النهاية مستوحى من صفته الأهم: صديق الرئيس

وصداقة الرجل الأول في بلادنا تعني الكثير

كانا معاً في كل مكان: الكلية الحربية في القاهرة عام 1937، السودان عام 1941، حرب فلسطين 1948، إنشاء وتكوين تنظيم الضباط الأحرار الذي قاد ثورة 23 يوليو 1952
مدنٌ وشوارع ومنازل لا تُنسى، التقت فيها مصائر الرجلين الأول و"الأول مكرر"، حتى انتهى الأمر بينهما بموتٍ مأساوي

الفراق بين الصديقين حمل عنواناً لافتاً: الحب..والحرب
وما بين الحب والحرب حرف واحد..وعلاقة من أخطر ما يكون

الحب كان اسمه برلنتي..والحرب كان قناعها حرب السويس 1956 وجوهرها حرب يونيو حزيران 1967
والأكيد أن ما أقامته الصداقة بين جمال عبد الناصر وعبد الحكيم عامر في سنوات، هدمته حرب يونيو 1967 في ساعات
لقد ابتلعت الهزيمة العسكرية كل ما أمامها، وتدحرجت رؤوس على مذبح السلطة..وكانت رأس عبد الحكيم عامر أبرز تلك الرؤوس التي أسقطتها حرب 1967
وتبقى قصة المشير عبد الحكيم عامر مأساةً تستحق أن تُروى، فالصداقة القوية بين عبد الناصر وعامر دفعت الأول
للتراجع في أكثر من مناسبة كلما احتدم الخلاف مع المشير لحرصه على العلاقة الشخصية بينهما، الأمر الذي أعطى عامر حقوقاً يرى كثيرون أنها أكثر مما يستحق

وفي المقابل، يؤمن أنصار المشير عامر بأنه تحول إلى كبش فداء في محرقة ما بعد حرب يونيو 1967، وإنه ليس المسؤول الأول أو الوحيد عن تلك الهزيمة العسكرية لمصر والعرب

كان عامر يقولُ عن نفسه: "أنا لا أفهم في السياسة..أنا أفهم فقط أن الخط المستقيم أقصر مسافةٍ بين نقطتين"
وبالرغم من ذلك، فقد تنقل عامر بين أرفع المناصب السياسية، وقاد المؤسسة العسكرية لكي تكون درعاً للسلطة التنفيذية

وإذا كان عامر قد نجح في أن يصبح السند الأساسي والأمين للنظام طيلة السنوات الأربع عشرة التي قاد خلالها القوات المسلحة، فإن الأكيد بالمقابل هو أن ثمن ذلك كان باهظا على تركيبة النظام وسمعته وأدائه

والشاهد أن عبد الناصر كرر خطأ الملك فاروق، وكأن الجمهورية في مصر تسير على خُطى الملكية..حتى في أخطائها


يقول الكاتب الصحفي محمد حسنين هيكل إن المشير عامر لبعض الفترات ونتيجة للظروف كان أحبَ أعضاءِ مجلس قيادة الثورة إلى جمال عبد الناصر. ويرى هيكل أن جزءاً من مأساة 1967 كان نتيجة حب عبد الناصر لعامر، ذلك أن هذا الحب حال دون أن يقتنع عبد الناصر بدرجةٍ كافية بأن عبد الحكيم عامر لا يصلح للقيادة

وبكلماتٍ دالة، يقول هيكل: "إن عبد الحكيم عامر كان نصف فنان ونصف بوهيمي، ولطيفاً جداً، ولكنه عسكرياً توقف عند رتبة الصاغ، أي أنه يستطيع أن يقود كتيبة لكنه لا يستطيع أن يقود جيشاً"

ويأخذ المؤرخون على الملك فاروق عجزه عن اختيار قائد محترف للجيش، إذ استند إلى حيدر باشا، الذي كان موضع ثقته ويدين بالولاء المطلق له، لكنه لم يكن يعرف كثيرا عن الجيش ولا اهتم بتدريبه وتسليحه، كان في الأصل ضابط مطافئ ونجح مدير مكتبه أو سكرتيره صلاح سالم في أن يحجب عنه ما يريد من معلومات ووقائع، وكان أن ظهر ضعف الجيش في حرب ١٩٤٨، والتي سميت النكبة

ويبدو أن عبد الناصر وقع في الخطأ نفسه، فقد أسلم الجيش لموضع ثقته المطلقة المشير عبد الحكيم عامر، الذي توقفت معلوماته وتدريباته العسكرية عند رتبة "رائد" وكان أن ترك الجيش لمدير مكتبه شمس بدران، وكانت النتيجة أن وقعت الهزيمة في ١٩٦٧ وسميت هذه المرة "النكسة"

وفي 17 يوليو تموز 2007 وتحت عنوان "اللواء فؤاد نصار يواصل حواره لـ "المصرى اليوم": (٢-٤) أمريكا شاركت في القتال خلال حرب أكتوبر .. وأسقطت طائرة مصرية" نشرت جريدة "المصري اليوم حديثاً حملَ فيه اللواء فؤاد نصار مدير المخابرات الحربية أثناء حرب أكتوبر ومدير المخابرات العامة الأسبق، المشير عبد الحكيم عامر والرئيس جمال عبد الناصر مسؤولية الهزيمة، مؤكداً أن تعيين عامر الذي كان مجرد رائد رئيساً للأركان رسَّخ عادة مصرية استمرت بعد ذلك وهي تعيين أهل الثقة وليس أهل الخبرة


وبالحرف الواحد قال اللواء نصار عن النكسة: "نعم.. عامر هو المسؤول عنها. كيف يتحول رائد شاب إلى مشير بقرار واحد وليكون قائداً للقوات المسلحة.. عملية الترقية هذه كانت ذات دوافع شخصية كاملة"


لم تصمد الصداقة أمام نيران القصف الخارجي، فتحولت إلى قصف داخلي
الصداقة التي بدأت بالأحضان، انتهت بلعبة لي الذراع
ومن صداقةٍ أذهلت الجميع بقوتها ومتانتها، إلى نهاية غامضةٍ قيل إن سببها سمٌ داخل علبة جوافة


إنها صداقة عُمرٍ ولدت عام 1937 وماتت عام 1967.. 30 سنة هي عمر تلك الصداقة التي جمعت بين الرئيس جمال عبد الناصر والمشير محمد عبد الحكيم عامر

لم يتجاوز فارق السن بينهما عامين، إذ ولد جمال عبد الناصر في 15 يناير 1918، في حين ولد عبد الحكيم عامر في 11 ديسمبر كانون ثانٍ ١٩١٩.. غير أن شهر سبتمبر أيلول جمع بينهما عند الرحيل، فقد مات عبد الناصر في 28 سبتمبر 1970، فيما فارق عامر الحياة في 14 سبتمبر 1967
كلاهما من أبناء الصعيد، الأول من بني مر، مركز الفتح بمحافظة أسيوط، والثاني من أسطال مركز سمالوط بمحافظة المنيا..لكن القاهرة شهدت لقاءهما الأول والأخير
صداقة ربما تكون ابنة واقع تكامل الشخصيتين: جمال الجاد القارئ والساحر بغموضه.. وعبد الحكيم المرح الدافئ والآسر للقلوب

ويذكر أمين عام رئاسة الجمهورية عبد المجيد فريد أن: "علاقته (أي عبد الناصر) مع المشير عامر علاقة خاصة وتحتاج إلى دراسة، لأنه هو الوحيد الذي كان تتميز علاقته مع الرئيس بحاجة خاصة، وقال لي مرة الرئيس في جلسةٍ من الجلسات: "إحنا أصلاً صعايدة سوا، وطلعنا ضباط سوا ..وأخذنا شقة مع بعض في القاهرة.. وهو اللي علمني السجاير.. ورحنا سوا مع بعض في منقباد وجه قبلي، وعبد الحكيم أنا الوحيد اللي أدخل بيته، وأدخل أسرته حتى لو ما كانش موجود..والعكس عندي بييجي ويدخل عندي وعند أسرتي دون إذني.. الوحيد".. فكانت علاقته مع عبد الحكيم علاقة خاصة جداً"


والثابت أن ما غلب على عامر من شعور طوال نحو ثلاثة عقود من العلاقة مع عبد الناصر - بمدها وجزرها - هو خليطٌ من إعجاب وولاء ومحبة، متراكبة مع بعض من غيرة، ومن سعي حثيث للندية
يقول عضو تنظيم الضباط الأحرار أحمد لطفي واكد: "قبل أن ألتقي بعبد الحكيم عامر لأول مرة في أوائل عام 1951، كان عبد الناصر قد حدثني عنه بكثيرٍ من المحبة والثقة حتى تصورتهما "توأمين"، ولما عرفت عبد الحكيم اكتشفت أن ما بينهما من علاقةٍ يتجاوز الالتقاء الفكري والوطني والسياسي إلى حبٍ أخوي صوفي"
وكان عبد الناصر يقول: "إذا أردت أن أفكر في أي موضوعٍ أو أحل أية معضلة فإنني أتكلم بكل حريةٍ مع عبد الحكيم إلى أن تتبلور أفكاري"

صداقة تشبه اللغز

الكاتب الصحفي أحمد بهاء الدين يقول: "في تقديري أن فك لغز شخصية جمال عبد الناصر الشديدة التميز والتفرد في التاريخ المصري، والعملاق الذي خرج من تراب مصر بعد قرونٍ من الرقاد كفرعون جديد جبار، لا يمكن أن يتم فهمه إلا إذا أمكن فك لغز علاقته بثلاث شخصياتٍ وصداقات كان لها أكبر الأثر في حياته. علاقته ب"عبد الحكيم عامر" الذي سلمه الجيش بكامله، وانشق عليه وصار نداً له دون أي ند منذ الستينيات، ومع ذلك ترك له كل هيلمانه وتأثيره في أهم أحداث حكمه حتى النهاية المُرة
"وعلاقته ب"أنور السادات" الذي كان يبدو أنه يختلفُ عنه، في كل شيء، ومع ذلك فقد اختاره لأن يكون خليفةً له. ولستُ من أنصار النظرية أو النظريات التي تعتبرُ هذا من باب الملابسات غير المقصودة، ولكن أعتقد أنه كان اختياراً مدروساً ومقصوداً، رغم التشهير الذي لا مثيل له الذي قاده السادات بحنكةٍ ومهارةٍ وشراسة ضده بعد وفاته
وعلاقته ب"محمد حسنين هيكل" الصحفي الذي لم يكن من أقرب الناس إليه في أول الثورة، ولكنه صار بعد ذلك أقرب الناس إليه على الإطلاق، فجعله شريكاً في الحكم على أعلى مستوى"

لقد لاحظ عبد الناصر بذكاء أن عامر يجيد مد جسور الصداقة بسرعة آسرة، وعززت ذلك قدرته الفذة على تجنيد أعضاء في تنظيم الضباط الأحرار. كل هذه العوامل البدئية كونت له في نفس ناصر مساحة لم ينافسه فيها أحد. في المقابل، أيقن عامر منذ بدء تقاربه مع ناصر أنه وجد ضالته في عقل هادئ وقماشة قائد يضمه تحت مظلته ويعامله بتكامل لا تفاضل
ويصف وزير الداخلية السابق عباس رضوان علاقة الرئيس والمشير منذ بداية التعارف بينه وبينهما في عام 1949 بأنها "صداقة ليس لها مثيل، ووصلت إلى حد الوفاء النادر الذي لا يشكك فيه أحد بأي شكلٍ من الأشكال، بل الذي يحاول أن يشكك فيه فهو الخاسر"


ويضيف عباس رضوان قائلاً: "قال لي جمال عبد الناصر أكثر من مرة إن الوحيد الذي يمكن أن يتقبل عني الرصاص هو عبد الحكيم عامر ، الوحيد الذي يمكن أن يفديني بروحه هو عبد الحكيم عامر"
ويشير عباس رضوان إلى الخلافات في الرأي التي تزايدت بين الصديقين، قبل أن يقول: "ولكن للأسف أستطيع أن أقول إن هناك أناساً حاولوا بقدر المستطاع أن يزيدوا من سعة هذه الفجوة حتى لوعادت الأمور لوضعها الطبيعي ويترقبوا وينتهزوا فرصة أي خلاف ليزيدوا من اتساعه إلى أن وصلت الأمور إلى ما حدث بين الصديقين"

وفي حديث لمجلة "الوادي" في أغسطس آب 1982 سُئِلَ الفريق أول متقاعد صدقي محمود قائد سلاح الطيران عن الصراع بين عامر وعبد الناصر ، فقال: "هذا الصراع لم ألمسه إطلاقاً رغم صلتي الشديدة بهما وبحكم العمل وبحكم الصداقة، ولكن حدث مرةً أو مرتين خلافٌ بين عبد الناصر والمشير، وأراد المشير أن يستقيل ولكنني تدخلت ومنعته من تقديم استقالته"
وحتى آخر يوم لي في الخدمة كنت أعتبر عبد الناصر والمشير توأمين"
ويضيف صدقي محمود قائلاً: "أذكر أنه في حفل قران حسين عبد الناصر شقيق الرئيس جمال عبد الناصر على ابنة المشير، كنتُ أقف مع الرئيس ثم جاء حسين وسلم علينا ثم قلت لعبد الناصر: لو كان عندي 30 % في القوات الجوية من الضباط الذين في رتبة حسين في كفاءته وأخلاقه لكنت سعيداً جداً، وهذا ليس لأنه شقيق سيادتك
فقال لي عبد الناصر:
فعلاً يا صدقي..حسين هو الهدية الكبيرة التي أقدمها لعبد الحكيم عامر"



ويحكي الفريق أول متقاعد صدقي محمود قصة أخرى عن متانة الصداقة بين عامر وعبد الناصر، فيقول: "في زيارة لنا لموسكو كنت أنا والمشير والمرحوم الفريق أول سليمان عزت (قائد القوات البحرية) دعانا السفير مراد غالب على عشاءٍ خاص جداً في منزله، وكان حاضراً معنا المرحوم علي شفيق (مدير مكتب المشير أيامها وزوج الفنانة مها صبري) ثم تطرق الحديث عن الحب، ثم قال المشير:
ما هي أسمى درجات الحب؟
فقال كلٌ منا إجابته، فقال المشير:
لا..إن أسمى درجات الحب هو حب الصديق للصديق!
فقلت له: تقصد علاقتك بالرئيس جمال عبد الناصر؟
فقال المشير عامر: بالضبط"


واختتم الفريق أول صدقي محمود شهادته بقوله: "لذلك فأنا مندهش لأن يقال إنه كان هناك صراع على القمة بين عبد الناصر والمشير فذلك شيء لم أشعر به مطلقاً"


ويؤكد الفريق عبد المحسن مرتجي إن "عبد الحكيم عامر ده ظل لعبد الناصر"


هذا الظل لم يكن شبيهاً في جوانب عدة من الأصل


وإذا كان عامر شخصية وطنية تؤمن بالقومية العربية وتتسم بالأريحية ونزاهة اليد وتملك القدرة على كسب صداقة وولاء من حوله، فإن هناك من نظر إليه أيضاً على أنه رجل ملذاتٍ، يخلط العام بالخاص، منساق وراء عاطفته أكثر من عقله، يحيط نفسه ببطانة سيئة الخلق والسيرة، وينشغل بالشللية على حساب كفاءة الجيش


وفي حديثه للكاتب الصحفي عبد الله إمام، رسم سامي شرف مدير مكتب الرئيس عبد الناصر لشؤون المعلومات ملامح شخصية المشير عامر، إذ قال: "رؤيتي لشخصية المشير عامر إنه كان دمث الخلق، شهماً، لطيف المعشر، ضاحكاً، حبوباً، لا يرفض طلباً لأحد. تلك هي الصورة التي كونتها عن عبد الحكيم عامر خلال ثمانية عشر عاماً كنت إلى جواره ومشاركاً في جميع مهامه بالخارج كمستشارٍ له، ومتصلاً به كل يوم ربما أكثر من مرة، فقد كانت تعليمات الرئيس أن كل ورقةٍ تُعرَض عليه تُرسَل إلى المشير في نفس اللحظة دون استشارة، والقرارات التي تصدر دون أن يكون شريكاً فيها يكون أول من يعرفها
"كان عبد الحكيم هو الوحيد الذي يعرف تحركات الرئيس السرية
"هذه مقدمة ضرورية حتى أوضح ما أطلق عليه اسم علاقة "التوأمة" التي كانت تربطهما، ولم يكن عبد الحكيم يقول إن صوته في جيب عبد الناصر، لأن عبد الناصر لم يكن يحتاج إلى من يضع صوته في جيبه"

ولكن ما الذي حدث بالضبط وأدى إلى إنجاح عملية فصل التوأمين السياميين: ناصر وعامر؟
كيف بدأت هذه الصداقة، وكيف استمرت، وكيف تحطمت، وما هي المطبات التي اعترضتها، والأحداث التي كانت تدور خلف الكواليس، وكيف تحدى عبد الناصر جميع رفاقه أعضاء مجلس الثورة بعامر، وانتصر له، وأيده، وفرضه قائداً للجيش؟

للإجابة على ذلك، ربما يتعين أن نبدأ من داخل أسوار الكلية الحربية

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

6 التعليقات على "ثمن الصداقة في حكم مصر (4): الرجل الأول..والأول مكرر"

أكتب تعليقا