وزراء في المصيدة

| |



رجال أعمال ومكتشفو آثار ولصوص تائبون

هؤلاء هم أبرز من نجحوا في النصب والاحتيال على وزراء مصر

فالوزير في بلادنا قد يصبح في لحظةٍ ما صيداً ثميناً لنصاب أو محتال، يرغب في استغلال هذا الوزير ومنصبه

وهكذا لم يكن الشاب محمد جاد الرب القادم من أسوان هو أول نصابٍ في حياة وزير الثقافة المصري فاروق حسني. فقبل هذا النصاب الذي زعم للوزير اكتشافه مقبرةً أثرية في سبتمبر أيلول عام 1996 سعياً وراء اقتناص مكاسب مالية، قبل أن يختفي ويحرج الوزير أمام وسائل الإعلام، جاءت الأثرية اليونانية ليانا سوفاليتزي لترفع شعار: وجدتها

كانت ليانا سوفاليتزي تروج لفكرةٍ مفادها أن مقبرة الإسكندر الأكبر موجودةٌ في واحة سيوة. وقف فاروق حسني إلى جانب الباحثة اليونانية وساندها في وجه كل من رفضوا حكاية مقبرة الإسكندر في سيوة، مع أن فريق المعارضين ضم علماء آثار وباحثين بارزين، بينهم الأثري المعروف المولود في الإسكندرية هاري تزالاس مدير معهد أبحاث الاسكندرية في العصور الوسطى، والذي قدم الأدلة الكافية من وجهة نظره على أن قبر الإسكندر الأكبر كان موجوداً محل مسجد النبي دانيال في قلب الإسكندرية

صدقها فاروق حسني، ربما لأن الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار في مصر آنذاك د. عبدالحليم نور الدين، كان من أنصار نظرية سوفاليتزي

غير أن سوفاليتزي – التي ظلت تحفر وتنقب في سيوة خلال الفترة بين عامي 1989 و1995- بررت الاعتراضات التي واجهتها بالتنافس المهني الشرس، فقالت إن وراء الحملة التي هدفت إلى إلغاء ترخيص العمل الخاص بها مجموعة من الأثريين اليونانيين عز عليهم أن ينسب هذا النجاح إليها‏،‏ فحرَكوا الحكومة اليونانية، والتي بدورها خاطبت الحكومة المصرية لإلغاء ترخيص البحث الممنوح لها من هيئة الآثار المصرية

وأصدرت الباحثة اليونانية كتاباً باللغة اليونانية‏ بعنوان "قبر الإسكندر الأكبر في واحة سيوة قصة الحفريات الأثرية والخلفية السياسية"، سردت فيه قصة الإسكندر ومعشوقته خميسة التي مازال يطلق اسمها على التل الأكبر في واحة سيوة، وعدَدت من الأدلة والبراهين ما رأت أنه يؤيد فكرتها
زعمت سوفاليتزي في مطلع فبراير شباط 1995 اكتشافها لموقع مقبرة الإسكندر الأكبر، إلا أن وفداً أثرياً رفيع المستوى انتدبته الحكومة اليونانية تفقد الموقع المزعوم في 7 فبراير شباط 1995 وخرج ليقول إنه لم يجد ما يثبت صحة مقولة سوفاليتزي، بل إن الوفد اليوناني قال إنه ليس واضحاً إن كان ما عثرت عليه سوفاليتزي هو معبد أم مقبرة، كما أن ما جرى العثور عليه ينتمي على الأرجح إلى العصر الروماني، أي بعد نحو 300 عام من وفاة الإسكندر الأكبر

وبعد تفنيد نظرية سوفاليتزي، اختفت تماماُ عن الأنظار بعد أن حصلت على ضجةٍ إعلامية ودعائية استفادت منها في إنجاز بعض مشروعات "البيزنس" الخاصة بها في مصر

وأدى ذلك إلى وضع وزارة الثقافة في موقفٍ حرج، سرعان ما دفع الحكومة إلى مراجعة سياساتها بشأن السماح بإجراء أي حفريات أثرية في مصر


وحكاية وزراء مصر مع النصابين حكاية طويلة، ويتذكر البعض كيف أوقع رجل الأعمال نبيل مشرقي رئيس الوزراء السابق د. عاطف صدقي في شراكه، إذ جعله يقص شريط الافتتاح لمشروعاته الوهمية لتلتقط له الصور الفوتوغرافية التي استغلها رجل الأعمال المذكور بعد أن تحولت إلى "عدة النصب" بالنسبة له.. قبل أن يلوذ بالفرار ومعه الملايين من أموال المخدوعين وصورة مكبرة له وهو يتبادل حديثاً باسماً مع رئيس وزراء مصر السابق


نائب رئيس الوزراء وزير الزراعة د. يوسف والي اضطر بدوره إلى نشر تكذيبٍ على صفحات الصحف القومية - نشرته صحيفة "الأهرام" على صفحتها الأخيرة- لمزاعم إحدى السيدات، بعد أن اكتشف والي أن هذه السيدة تدعي أنها زوجته وتستغل ذلك في الحصول على أموال وتسهيلات من جهات مختلفة..علماً بأن والي لم يسبق له الزواج


بعض النصابين يستغل تشابه الأسماء في النصب باسم هذا الوزير أو ذاك، وهو ما حدث مع د. ماهر مهران وزير السكان السابق – أيام كان لدى مصر وزارة للسكان- وقبله بزمنٍ طويل نال أحد النصابين علقةً ساخنةً عندما زعم أنه شقيق الوزير صلاح سالم في حكومة الثورة


أما الذي تولى مهمة تأديب النصاب بنفسه بعد أن اعتقلته أجهزة الأمن في أواخر خمسينيات القرن الماضي، فكان جمال سالم شقيق الوزير صلاح سالم


ومن النصابين باستخدام أسماء الوزراء، نذكر حكاية ياسر كمال الشاذلي

فقد وقع كثيرون ضحية لهذا المحامي النصاب، بعد أن أوهمهم بأن والده ليس هو أباه هو كمال الشاذلي الذي شغل منصب وزير الدولة لشؤون مجلس الشعب كما تولى منصب الأمين العام المساعد للحزب الوطني وأمين التنظيم، قبل أن يصبح المشرف العام على المجالس القومية المتخصصة


وفي الفترة بين عامي 2003 و2004 تقدم للنيابة 22 شاكياً اتهموا ياسر كمال الشاذلي بالنصب والاحتيال


النيابة وجدت نفسها أمام ثلاثة يحملون اسم كمال الشاذلي، الأول هو الوزير الذي استغل النصاب اسمه، والثاني هو والد النصاب ويدعى كمال الشاذلي، أما الثالث فكان مفاجأة، وكان اسمه المركب "كمال الشاذلي" وهو نجل النصاب، ويبدو أن والده كان يأمل في أن يستغل نجله يوماً تشابه الأسماء


الغريب أن المتهم أصر أمام النيابة على وجود علاقة معرفةٍ وثيقة بين عائلته وعائلة الوزير كمال الشاذلي، وقدم نسختين من جريدة "الأهرام"..في الأولى يعزي كمال الشاذلي - الوزير- كمال الشاذلي والد النصاب في وفاة عمة النصاب، والثانية يهنىء فيها كمال الشاذلي - أبو النصاب- كمال الشاذلي الوزير


وفي ظل الفساد، وغياب الشفافية، وانتشار الرشوة، يكونُ للأسماء والمناصب مفعول السحر


غير أن هناك فريقاً آخر من النصابين يرى أن أقصر الطرق إلى النصب تبدأ من الوزير نفسه، ولذا فإن الخطوة الأولى تكون عادة بتقديم النصاب نفسه للوزير أو المحافظ في صورةٍ أنيقة تعطي انطباعاً بالوجاهة والثراء. ثم تبدأ سلسلة خطواتٍ للإيقاع بالوزير أو المسؤول


وفي منتصف يونيو حزيران 2008 نشرت الصحف والمواقع الإلكترونية خبراً مفاده أن الأجهزة الأمنية في أسوان ألقت القبض على شخص حاول النصب عل محافظ أسوان، حيث ادعى أنه عضو مجلس شعب ومستثمر للحصول على مساحة أرض تبلغ 500 ألف متر مربع بطريق أسوان أبو سمبل السريع، بدعوى إنشاء مصنع للإسمنت بأسوان

أبلغ محافظ أسوان مدير أمن أسوان بالواقعة، وتم إعداد كمين لضبطه داخل مكتب المحافظ بعد صدور إذن من رئيس محكمة أسوان الجزئية بتسجيل لقائه مع المحافظ بالصوت والصورة. وحين ألقي القبض على المتهم، تبين أنه موظف سابق من مدينة حلوان


ومن ملف النصب على الوزراء، قصة "اللص التائب" الذي صافحه وزير الداخلية السابق محمد عبد الحليم موسى ومنحه مكافاةً مالية ليبدأ حياةً جديدة، وأصدر توجيهاته بأن تتكفلَ وزارة الداخلية بجميع نفقات أدائه فريضة الحج، ليكتشف الوزير نفسه بعد فترةٍ من الوقت أن هذا اللص -الذي ظهر في برامج تليفزيونية، مثل برنامج "فكر ثواني" مع نجوى إبراهيم- لم يكن تائباً وإنما محباً للشهرة والأضواء، وراغباً في صرف أنظار أجهزة الأمن عنه، حتى يواصلَ ممارسة هوايته في السطو على المساكن بهدوء..بعيداً عن رقابة رجال الشرطة والتحريات


اللافت للانتباه أن وزراء المجموعة الاقتصادية هم الأقل تعرضاً للنصب، ربما بحكم حذرهم في المسائل المالية والقانونية، خصوصاً فيما يتعلقُ بالأموال السائلة والشيكات وحساباتهم المعقدة لأية خطوة من الخطوات التي يتخذونها..هذا إذا استثنينا وزير اقتصاد سابقاً تردد في منتصف التسعينيات أنه تورط في صفقةٍ ساخرة مع أحد كبار تجار العملة، قبل أن يختفي هذا الحوت الكبير بعد أن حوَل أمواله إلى الخارج، كأنه فص ملح وذاب

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

9 التعليقات على "وزراء في المصيدة"

أكتب تعليقا