أبو غزالة..من "النجم الساطع" إلى "خريف الغضب" (5): رقصة واحدة تكفي

| |






"تحلم راقصات أن تُكنَ أخوات الفجر
كي ترقصن في الأعجوبة المنسية بفعل مكر الأثواب البهية"
(إدمون غابيس، "غياب المكان"، "العتبة - الرمل" ( 1943 - 1988)، مطبوعات غاليمار، عام ١٩٩١)


في السياسة كما في عُلب الليل: رقصةٌ واحدة تكفي

وربما كانت هذه الرقصة، سبباً في تغيير وجه ووجهة السياسة الدولية في واحدة من أدق فترات الحرب الباردة

إنها رقصة صممها من أرادوا أن يحاربوا الاحتلال السوفيتي في أفغانستان، فصنعوا وحشاً آخر

والأكيد أن قرار دعم المقاتلين أو "المجاهدين" الأفغان من صناعة أنظمة عدة في المنطقة وخارجها، بتنسيق أمريكي، لكن أياً من هؤلاء لم يكن يتوقع المساهمة دون أن يدري في صناعة حركة طالبان الأفغانية، أو تنظيم القاعدة..وربما تمهيد الطريق إلى هجمات الحادي عشر من سبتمبر أيلول 2001

والقصة التي بين أيدينا، استغرقت خمسة عشر عاماً من الكاتب جورج كريل - الذي توفي عام 2006- كي يجمع تفاصيلها ويوثقها في كتاب يقع في 550 صفحة

Crile, George. Charlie Wilson's War: The Extraordinary Story of How the Wildest Man in Congress and a Rogue CIA Agent Changed the History of Our Times, New York: Grove Press, 2003

والكتاب الذي بين أيدينا صدر عام 2003 فلم يعارضه أحد، وتحول إلى فيلم يحمل العنوان نفسه، بدأ عرضه في 21 ديسمبر كانون أول 2007 من بطولة توم هانكس وجوليا روبرتس وفيليب سيمور هوفمان، ومن إخراج مايك نيكولز، كما تناولته قناة History في برنامج وثائقي مدته ساعتان في 22 ديسمبر كانون أول 2007، من دون أن يصدر تكذيب رسمي وموثق لتفاصيله حتى الساعة..الأمر الذي يدفعنا إلى اعتماد ما ورد فيه، بالرغم من غرابة ما تتضمنه تلك التفاصيل المذهلة التي جمعها صحفي بارز عمل طوال ثلاثين عاماً مع شبكة CBS وخاصة في برنامج 60 دقيقة


إنها قصة عضو كونغرس عابث من تكساس، يدعى تشارلي ويلسون، وكيف قاد سراً أكبر عملية في تاريخ الاستخبارات المركزية الأمريكية لدعم وتسليح المقاتلين الأفغان ضد الوجود العسكري السوفيتي في ثمانينيات القرن الماضي. وفي عام 1980 تمكن ويلسون بوصفه عضواً في لجنة الاعتمادات الفرعية بالكونغرس، من مضاعفة المبلغ المخصص لدعم المقاتلين الأفغان من خمسة ملايين دولار إلى عشرة ملايين دولار، ثم نجح في تأمين مبلغ 750 مليون دولار سنوياً لهؤلاء "المجاهدين" بحلول نهاية عقد الثمانينيات

ولعل السبب الرئيسي في موقف النائب الديمقراطي تشارلي ويلسون هو عداؤه الشديد للشيوعية، إلى جانب تأثير عشيقته جوان هيرينغ المنتمية إلى اليمين المحافظ، والتي حثته على مساندة المقاتلين الأفغان ضد الوجود العسكري السوفيتي، وساعدته،بوصفها قنصلاً فخرياً لكل من باكستان والمغرب، في أن يلتقي الرئيس الباكستاني الجنرال محمد ضياء الحق ويزور معسكرات اللاجئين الأفغان..لتبدأ العجلة في الدوران

في الفصل العاشر من كتاب جورج كريل "حرب تشارلي ويلسون"، تطل حكاية المشير محمد عبد الحليم أبو غزالة
في هذا الفصل الذي يحمل عنواناً مثيراً هو "عضو الكونغرس يأخذ راقصته الشرقية إلى الجهاد"، يبدأ الكاتب في جمع خيوط الحكاية وكيف تلاقت مصائر أبطالها

والبداية من كيلغور، شرق تكساس، حيث كانت كارول شانون وهي بعد في السادسة من عمرها تهوى الرقص، ولكن كنيسة الأسرة كانت تعتبر الرقص رجساً من عمل الشيطان، وتنصح الأب بوصفه رب المنزل بطرد هذه الروح الشريرة من رؤوس أبنائه. ولما كان الأب لا يحفظ تعويذة فقد لجأ إلى الضرب

لم تعرف الصغيرة كارول سبباً لثورة أبيها وإعمال حزامه الجلدي في جسدها حتى يدميه، ولا سبب لكمه لها، وأحست بالارتباك لحظتها ولم تجد غير الهرولة إلى غرفتها وإغلاق الباب دون والدها والعودة للرقص على أنغام الموسيقى واستراق النظرات إلى المرآة ، في حين أخذت ضحكاتها تتعالى

بعد سنواتٍ انتصر فيها عنادها على سوط أبيها، وتزوجت كارول الفتاة بالسياسي الشاب الطموح جو شانون وسرعان ما رشح نفسه لمقعد في مجلس الشيوخ. غير أن عضو الكونغرس تشارلي ويلسون قرر مساندة صديق ينافس جو في الدائرة الانتخابية نفسها. وقبل أن يسقط جو من عليائه نتيجة فوز خصمه، قال جو لزوجته كارول: إن ويلسون هذا ليبرالي خطير، وسيتسبب يوماً في تدمير الولايات المتحدة..وأضاف قائلاً: إنه العدو

لكن كارول بدلاً من أن تمقت الرجل، أُعجِبَت به



ومع تدهور علاقتها بزوجها سعت لإرضائه وإغوائه، من خلال الالتحاق بدورة لتعلم الرقص الشرقي. وذات ليلةٍ، طلبت منه أن يغلق التلفاز، ثم أوقدت شموعاً وراحت ترقص له على ضوء الشموع. غير أنه بعد لحظاتٍ أطفأ الشموع وأعاد تشغيل جهاز التلفاز

لم تتخلَ كارول عن هواية الرقص، وكانت فتاة دالاس رائعة الجمال بشهادة فوزها بلقب ملكة البحار ثم ملكة التزلج وملكة النفط، وكانت في الثلاثين من عمرها، يميزها شعر أسود فاحم، وتثير إعجاب الرجال. خُيِلَ إلى كارول أنها عاشت حياة سابقة تحت اسم الملكة الفرعونية نفرتيتي، وكانت حين ترقص تطلق سراح روحها، وتنسى رعب الطفولة الذي عاشته


في عام 1978 دعتها فرقة فورت وورث السيمفونية لأداء رقصةٍ فردية في عرضٍ يحمل اسم "شمشون ودليلة"، وكان هذا سبباً في شهرتها ودخولها المجتمع الراقي. أحس زوجها بالهوان فتركها بعد أسبوع، لكنها في عُرف الرجل الآخر، النائب الذي ساهم في فوز خصم زوجها، بدت وكأنها حلم لا يُقاوَم من "ألف ليلة وليلة". أصبح الاثنان صديقين بعد أحد عروضها، وسرعان ما غرقا في بحر الشهوة إن لم يكن الحب. وعندما كان ويلسون يواجه اتهامات بتعاطي الكوكايين في حوض سباحةٍ في لاس فيغاس – وهي اتهامات أُسقِطَت لاحقاً- لم يكن يلجأ إلى عشيقته سيدة المجتمع الراقي جوان هيرينغ التي كان يُطلق عليها "ملكة تكساس"، وإنما إلى الراقصة كارول شانون


وبعد وصلة رقص خاصة أدتها له كارول، قال لها "والآن يا عزيزتي، إذا كنتِ جادة بالفعل بشأن هذا الرقص الشرقي، تعالي معي إلى القاهرة، وسأجعلكِ ترقصين لوزير الدفاع المصري نفسه". كانت الدعوة نصف جادة، ولكن بمضي الوقت بدأ النائب عن تكساس يسائل نفسه: إنها فكرة لا بأس بها..أن يجلب معه في جولته الخارجية المقبلة راقصته الشرقية الخاصة ..ولم لا؟


بعد شهرين من لقاء حميم جرى بينهما في منزله في العاصمة واشنطن والمطل على نهر بوتوماك ونصب لينكن التذكاري ومبنى الكابيتول والبيت الأبيض، شعرت كارول شانون بأنها تعيش قصة خرافية حين جلست إلى جواره في مقعد بالدرجة الأولى وهما يسافران في رحلة سترقص فيها أمام وزير الدفاع المصري المشير محمد عبد الحليم أبو غزالة


تصف كارول شعورها قائلةً: كنتُ قد شاهدتُ المسلسل "ملكة ليوم واحد"
Queen for a Day
لكن ويلسون جعلني ملكة لثلاثة أسابيع. وعندما هبطت الطائرة في مطار إسرائيلي التقى عضو الكونغرس دبلوماسياً من السفارة الأمريكية كان يعرف السياسة المتبعة، واكتفى بتحية القادم ثم قدم إليه لفافة أوراق مالية هي عبارة عن المبالغ المالية المعتادة التي تقدم لرجال الكونغرس المسافرين، ثم تركه لأصدقائه الإسرائيليين، وأولهم زيفي رافياح

وكان ويلسون يختفي صباحاً مع زيفي، ويترك كارول مع سائق السفارة لزيارة المناطق المقدسة. وذات يوم عاد من رحلته المعتادة وهو يكاد يطير فرحاً ليحدثها عن صفقات سرية تتعلق بدبابات T-55 وصفقات سرية مع باكستان. تقول كارول في مذكراتها: لم أتحدث يوماً بهذا السر، قبل الآن، وكان ويلسون يبدو وكأنه منقذ العالم

سعى ويلسون مع شخصياتٍ معنية في مؤسسة الصناعات العسكرية الإسرائيلية إلى بحث مشروع تطوير هذا النوع من الدبابات، وأيضاً ملف الطائرة المقاتلة "لافي" Lavi فضلاً عما يمكن أن يوفره عضو الكونغرس، نيابة عن إسرائيل، للرئيس الباكستاني ضياء الحق، ما يمهد لسلسلة تفاهماتٍ سرية بين الجانبين. كما طالب ويلسون إسرائيل بالتفكير في سلاح يمكن أن يستخدمه الأفغان في إسقاط المروحيات العسكرية السوفيتية، على أن يتولى هو إقناع أعضاء الكونغرس بتمويل تصنيع هذا السلاح


كان ويلسون يخطو بذلك فوق أرض محرمة على أمثاله، إذ إنه ليس مسموحاً لأعضاء الكونغرس بتفويض قوى أجنبية بتصميم وتصنيع أسلحة، كما أنه لا يحق لهم التعهد بأن يمول البنتاغون مثل هذه المشروعات العسكرية، لكنه كان يريد ضم الإسرائيليين إلى الحرب الأفغانية ضد القوات السوفيتية، والتي تمولها سراً وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية
وقبيل مغادرته إسرائيل، قدم له الإسرائيليون تصميماً لسلاح بمواصفات مكتملة، وهو صاروخ متعدد القذائف، يمكن أن تحمله البغال على ظهورها، يحمل اسم حصان تشارلي Charlie Horse الأمر الذي أسعد تشارلي ويلسون وجعله يتعهد لهم بعرض فكرة التصميم على وكالة الاستخبارات الأمريكية


في 31 مارس آذار 1983، بدأ دور الراقصة يتبلور، لكنها هذه المرة كانت في قلب الحدث وطرفاً لاعباً فيه. في ذلك اليوم صعدت كارول قدميها على متن أغرب طائرة تجارية من نوعها، فالطائرة لم تكن تحمل علامة توضح هويتها ولا حتى رقماً مجهولاً عند الذيل. وفي تلك الطائرة المتجهة من القدس إلى القاهرة في رحلةٍ مكوكية تتم بمقتضى نصوص معاهدة كامب ديفيد، جمع ويلسون مجموعة غريبة تبدو غير متجانسة، تضم زيفي رافياح الذي كان ويلسون يشك دائماً في أنه عميل للموساد، وزوجة رافياح، والنجمة السينمائية الإسرائيلية غيلا ألماغور، وإلى جوارها كارول شانون، راقصة تكساس الحالمة


كان التباين بين المسافرين واضحاً بل وأقرب إلى موقف كوميدي في مسرحية هزلية، فهذه الفتاة من تكساس يعتريها حماس بريء لمهمة تجهل خفاياها، وعملاء تصطك أسنانهم من الخوف من بلد مجهول بالنسبة لهم يدخلونه لأول مرة وهم يعلمون أنهم ليسوا محل ترحيب، ويكاد الواحد منهم لا يصدق أنه على ظهر طائرة مجهولة الهوية. غير أن عضو الكونغرس كان مطمئناً وأردهم أن يقابلوا صديقهم المصري الكبير الذي سيوفر لهم الحماية، وسيكون شخصياً في استقبالهم على أرض المطاروبحسب الكتاب، فإن ذلك الصديق لم يكن سوى: المشير محمد عبد الحليم أبو غزالة (ص 143)


ولكن كيف تعارف ويلسون وأبو غزالة؟


يقول الكتاب إن صلة التعارف بينهما كان دينيس نيل، رجل العلاقات وجماعات الضغط في واشنطن، الذي بدأ نشاطه في مصر عام 1980، والذي حث المشير على أن يقابل عضو الكونغرس الذي يملك علاقاتٍ واسعة ونفوذاَ كبيراً. وبالنص، يقول المؤلف جورج كريل: "لم يتطلب الأمر جهداً كبيراً، إذ تبين أن أبو غزاالة كان الرجل المناسب لويلسون: أحد أبطال حرب 1973، كارهٌ حقيقي للشيوعيين، مسلم يحتسي الخمر، محب للنساء، ويملك مخزوناً لا ينتهي من النكات العرقية من كل بلد في العالم. لقد رآه ويلسون شخصاً مرحاً للغاية، وكما فطن نيلن وتوقع فإن صداقة نمت بينهما"


وبعد أن تعمقت العلاقة بينهما، أضيف إلى تشارلي ويلسون لقب آخر: بطل المساعدات الخارجية لمصر..وإسرائيل
ويشير دينيس نيل إلى دور لوبي "جنرال ديناميكس" في تقديم تشارلي إلى مصر، على اعتبار أن طائرات اف-16 تعد محور المساعدات الخارجية لمصر، واف-16 يتم تصنيعها في تكساس. غير أن المكون الضروري الذي أضافه دينيس نيل إلى تلك الصورة هو وجه أبو غزالة المبتسم. وبمجرد أن تنبه ويلسون إلى أهمية هذا الأمر، حتى حرص على أن ينال أبو غزالة قسطاً عادلاً من أموال دافعي الضرائب في الولايات المتحدة. وكلما جاء أبو غزالة في زيارة إلى مكتب ويلسون، كان يحظى بمعاملة توازي ما يلقاه زيفي رافياح من معاملة خاصة، وهذا يعني الكثير (ص 144)


وكان أسلوب أبو غزالة في حشد واستمالة جماعات الضغط مماثلاً لما يفعله العميل الإسرائيلي زيفي رافياح، وحرص العاملون في مكتب ويلسون على الاستجابة لكل ما يطلبه أبو غزالة


وعندما كانت طائرة عضو الكونغرس تقترب من مدرج مطار القاهرة، كان قد رعى للتو صفقة تقضي بمنح مصر مساعدات خارجية تقدر قيمتها بمليار دولار. وكان أبو غزالة يدرك أهمية العرفان بهذه البادرة. وإذا كان هذا يتطلب فرش البساط الأحمر لعضو الكونغرس ومجموعة من الإسرائيليين ممن اصطحبهم ويلسون معه في رحلته لمصر، فليكن
وحين فُتِحَ باب الطائرة التي بلا علامة تدل على هويتها، فوجىء ركابها بفرقة موسيقية عسكرية تعزف لحن "زهرة تكساس صفراء اللون" The Yellow Rose of Texas . كان كبار الضباط المنتشرين فوق مدرج المطار، يؤدون التحية لويلسون كما لو كان هو أيضاً برتبة مشير


عاودت كارول أحلام نفرتيتي

وقالت كارول فيما بعد، وهي تستعيد تلك اللحظات: استقبلوني كملكة

وفي الفندق، سجل ويلسون الراقصة كارول تحت اسم السيدة ويلسون، هامساً لها بأنه مخالفٌ للقانون بأن يناما معاً في غرفة واحدة إن لم يكونا متزوجين. وفي سبيل بث الطمأنينة في نفوس الضيوف الإسرائيليين، وضع أبوغزالة حراساً مسلحين على أبواب غرفهم، وخيُلَ للنجمة غيلا أنها حبيسة وسجانها يقف على الباب، لكن كارول شانون كانت تعيش أحلى أيامها وقد أسعدتها كلمات المشير وهو يقول لها إنه يتطلع إلى مشاهدة رقصها في تلك الليلة

بدا إحضار ويلسون لراقصةٍ شرقية إلى مصر الأمر، مثل بيع الماء في حارة السقائين!

لكن كارول شانون كان تجهز لمفاجأة
في تلك الليلة، قررت كارول أن ترقص على طريقتها الخاصة


في البداية قالت للمشير: "لا تتنفس"، ثم أخرجت سيفاً من غمده وأخذت تهزه على بعد بوصات من وجه أبو غزالة. كان ذلك بعد أقل من عامين من حادث المنصة الذي اغتيل فيه السادات وآخرون في أكتوبر تشرين أول 1981، ما دفع حراس المشير إلى أن يهبوا واقفين من مقاعدهم، محاولين انتزاع السيف من يدها، لكن ويلسون أشار إليهم بأن يبقوا في أماكنهم قائلاً : "دعوها، إنه جزءٌ من الرقصة"، فيما كانت كارول بذراعيها المكشوفتين وبطنها العارية التي تتماوج تتجاوز كل المحظورات، وهي تحاصره بملابس الرقص، وتظهر لعينيه فقط، صدرها العارم وبطنها المترعة بالأحلام (ص 145)


ها هي امرأة تتجسد أمام ناظريه كوعدٍ مُلحٍّ وعابث..كلعنةٍ تارةً، أو لذة مرات
قطعة قطعة، كان يتخفف من أثقاله أمام عريها الأنيق
وبدا أبو غزالة – ولعب دوره في الفيلم اليهودي المغربي أهارون إيبالي- مأخوذاً لدرجة أنه لم يقلق حين حرَكت السيف من منطقة بالقرب من رأسه إلى أذنه، ثم صدره، فمنطقة الحزام، قبل أن تستقر عند موضعٍ حساسٍ في جسده


كانت هذه اللحظة المثيرة أشبه بإمضاء تركته راقصة تكساس، في ذروة رقصتها التي تُصيب بالدوار
وبالنسبة لها، كان لتلك الحركة معنى واحد، إذ تقول: "إنها اللحظة الوحيدة التي يكون لي فيها سلطة حقيقية على رجل"
لكن في تلك الليلة في القاهرة، فاق الأمر طاقة واحتمال الحراس الشخصيين للمشير، حين سحبت سيفها كما لو أنها ستغرسه مباشرة في صدر أبو غزالة. وقف رجال الحراسة على أطراف أصابعهم، ما زاد من حدة تأثير رقصتها، في حين ضحكت هي بجرأة أمام الرجل القوي الذي ترقص أمامه

ويقول المؤلف: "في لحظة، كانت تهدد رجولة المشير، وها هي تعيد الكَرة بضحكة تبدو كأنها دعوة"

أما كارول شانون - التي أدت دورها في الفيلم تريسي فيليبس- فتتذكر قائلة: "لقد بدأ يرغي ويزبد من عينيه"، وتضيف قائلةً: "لقد تعين على تشارلي أن يقول له: "لا تستطيع أن تلمسها". لقد احترم ذلك، لكنه أبلغني أنه يريدني أن أعود إلى مصر لأحل ضيفةً عليه"


وهنا يتعين أن نشير إلى أن الرقابة على المصنفات الفنية في مصر برئاسة علي أبو شادي، وافقت على عرض فيلم Charlie Wilson’s War بعد أن اكتفت بقص مشاهد الرقصة المثيرة للجدل التي قادت إلى صفقة لضخ مزيد من الأسلحة للمقاتلين الأفغان


وبينما انشغلت كارول والزوجان الإسرائيليان رافياح بركوب الجمال في الصحراء وزيارة منطقة الأهرامات، تضمنت الرحلة صفقاتٍ أكثر جدية


ففي وزارة الدفاع المصرية، أبلغ ويلسون المشير برغبته في تجاوز خجل وتردد وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، ثم سأله إن كان يوجد في ترسانة الأسلحة المصرية سلاحٌ يمكن أن يحدث فرقاً بالنسبة للأفغان. ابتسم أبو غزالة وأبلغه بأنه لا داعي لأن يبحث أبعد من ذلك، إذ كانت ترسانة السلاح المصرية تحتفظ بأسلحة سوفيتية من فترة ما قبل تغيير السادات موقفه السياسي من موسكو في سبعينيات القرن الماضي، وكانت المصانع الحربية المصرية تصنع أسلحة ومعدات بترخيص سوفيتي. وكانت مصر تزود بالفعل الأفغان بأسلحةٍ عبر المخابرات الأمريكية، لكن المشير أبلغه بأنه لا قيود على ما يمكن أن يقدمه هو من أسلحة، سواء على مستوى الكمية أو التقدم (ص 146)


وبحكم الصداقة التي تجمع بينهما، طمأنه المشير بأنه لن توجد مشكلة في أن تقدم مصر تلك الأسلحة، من دون حاجة لتدخل أي شخص آخر. وأكد أنه لا حاجة لمحادثات على مستوى وزارة الخارجية، وأنه ما على تشارلي سوى توفير المال ليمنحه المشير كل شيء آخر لإسقاط الطائرات السوفيتية المقاتلة


لقد حقق تشارلي ويلسون كل ما يريده من هذه الرحلة، فقد أحضر جواسيس ونجمة سينما من إسرائيل إلى القاهرة، وفوَض الإسرائيليين لتصميم سلاح مضاد للطائرات لمصلحة الاستخبارات الأمريكية، وتفاوض بشأن صفقات سلاح سرية مع وزير الدفاع المصري، كما جعل كارول شانون تحقق حلمها لتعود إلى بلدها قائلةً إنها رقصت في القاهرة وفازت بقلب فرعون من هذا العصر


القصة تناولتها أكثر من صحيفة أمريكية، بينها "واشنطن بوست"، و"وول ستريت جورنال" التي قالت إن جهود إقناع مصر بإرسال سلاح سوفيتي إلى أفغانستان جاءت في إطار التمويه على قيام الغرب بمساعدة المجاهدين الأفغان، وادعاء أن هذا السلاح تمَّ الاستيلاء عليه من الجيش السوفيتي


أما صحيفة "لفكين ديلي نيوز" فقد نقلت تفاصيل أكثر عن الراقصة التي تعيش في شيكاغو، وتبلغ حالياً من العمر 60 عاماً، وهي أم مطلقة لفتاتين تمارسان الرقص الشرقي أيضاً




وفي لقاءٍ آخر، اجتمع دينيس نيل وأبو غزالة على هامش معرض باريس للطائرات مع تشارلي ويلسون الذي حضر إلى باريس برفقة عشيقته جوان هيرينغ، ذات الصلات الواسعة في الولايات المتحدة ومنطقة الشرق الأوسط. وفي اللقاء بدا المشير ودوداً مع جوان، ولم يأتِ على ذكر الراقصة كارول شانون. وشدد أبو غزالة لصديقه ويلسون على أنه يملك السلاح الذي يحتاجه المقاتلون الأفغان، وطلب من عضو الكونغرس أن يحضر إلى القاهرة برفقة جوان هيرينغ ليرى بنفسه (ص 180)


ويتحدث الكتاب عن الصداقة الحميمة بين عضو الكونغرس والمشير، والتي لعبت دوراً مؤثراً في الحشد والتعبئة لدعم المقاتلين الأفغان ضد القوات السوفيتية ، إذ يقول ويلسون: "كنا توأمي روح في كل شيء.النساء والويسكي والمحادثة" (ص 310). وكان تشارلي قد اختار أبو غزالة ليكون إشبينه في حفل زفافه الذي كان مقرراً أن يقام في باكستان، لكن مشروع الزواج لم يكتمل


ويكرر المؤلف أن أبو غزالة كان يعاقر الخمر بكثرة (ص 311). ثم ينبه إلى أنه في الوقت الذي كان ويلسون يؤكد فيه أن أبو غزالة مستعد يملك أسلحة يمكن شراؤها قادرة على إسقاط الطائرات الحربية السوفيتية (ص 305)، كانت وزارة العدل الأمريكية تحقق في تهم بالفساد ترتبط بأعمال شركة شحن كان المشير قد أقامها لنقل البضائع التي توفرها المساعدات الخارجية الأمريكية للقاهرة


في غضون ذلك، سافر غست مع تشارلي إلى القاهرة لتفقد الأسلحة المعروضة، وكان المشير يحاول إقناعهما بأن أفضل سلاح للأفغان سيكون ZSU-23 الذي يمكن أن تحمله البغال، غير أن تجربة ميدانية في الصحراء أثبتت فشل هذا الاقتراح (ص 313).كما فشلت محاولة المشير بيع الاستخبارات الأمريكية شحنة تشمل 800 صاروخ سوفيتي محمول على الكتف ومضاد للطائرات، تعود إلى فترة حرب أكتوبر 1973 لأنها لم تكن بحالٍ جيدة أو تصلح للاستخدام


على أن الصورة تغيرت حين التقى غست أفراكوتوس وتشارلي ويلسون مع خبراء الهجمات المضادة، الذين عرضوا أسلحة تناسب المقاتلين الأفغان ومن ذلك صواريخ الكاتيوشا التي يصل مداها إلى عشرة كيلومترات، وألغام مصرية تم تطويرها لاحقاً بحيث يتم لصقها مغناطيسياً إلى الشاحنات السوفيتية في طريق سالانغ


ويقول المؤلف إن عميل الاستخبارات الأمريكية غست أفراكوتوس استفاد من الأموال التي تمكن تشارلي ويلسون من الحصول عليها لدعم المقاتلين الأفغان. وبحلول فبراير شباط 1985 فوَض أفراكوتوس الجانب المصري لإنشاء خط إنتاج لتصنيع الكاتيوشا – قبل أن تنتعش أسهم صواريخ ستينغر في الحرب الأفغانية ضد السوفيت اعتباراً من عام 1986- وقدم طلبية بالحصول على 700 قطعة منها بحلول نهاية العام


كما لعب أفراكوتوس دوراً في تفويض الاستخبارات الأمريكية لوزارة الدفاع المصرية لإقامة خط إنتاج لتصنيع الذخيرة اللازمة لبنادق إينفيلد Enfield وبذا تخلص من عبء التعامل مع ابتزاز السوق السوداء، وبدأ يتعامل بموجب اتفاق بين حكومتين وبسعر ثابت (ص 267)

وفي بلد يتسم بطبيعة جبلية وعرة، بدت البغال أنسب وسيلة بالنسبة إلى المقاتلين الأفغان كخطوط إمداد ونقل الأسلحة

ولذا اضطرت باكستان، إلى استيراد آلاف من الحمير والبغال بأسعارٍ باهظة من البرازيل ومصر في عام 1985 لدعم حرب "المجاهدين" ضد الاتحاد السوفيتي في أفغانستان. ويقول الكتاب إن "شحنة واحدة في وقت مبكر من هذه المخلوقات البائسة تم شراؤها في البرازيل، لكنها نفقت بالكامل قبل وصولها إلى باكستان


في نهاية المطاف، استخدم "المجاهدون" البغال التي تم جلبها من ولاية تينيسي لنقل الإمدادات، وفي أروقة لانغلي (مقر وكالة الاستخبارات الأمريكية)، سرعان ما ترددت شائعات (أكدها في وقت لاحق أكدت جواسيس الوكالة) تفيد بأن "مقاتلين من أجل الحرية" كانوا يمارسون الجنس مع هذه الحيوانات"


استعان أفراكوتوس بوكلاء في جميع أنحاء العالم بحثاً عن أفضل صفقة من البغال. وعندما قدم المصريون واحدة من أولى الصفقات الرئيسية في هذا المجال، أصيب الباكستانيون بجنون الغيرة، وبدأت إسلام آباد تشكو من المخاطر الصحية بسبب نفوق عدد من البغال بعد وقت قصير من وصولها، وأصرت على شهادات صحية للدفعة التالية، مفترضةً أن ذلك سيدفع الاستخبارات الأمريكية إلى شرائها من أسواق باكستانية


إلا أن المسؤول المصري عن مبيعات السلاح، اللواء يحيى الجمل - أحد مساعدي أبو غزالة- كان يتطلع إلى إتمام الصفقة المقبلة التي تتضمن 2500 بغلاً بسعر 1300 دولار للبغل الواحد، تقدم قيمتها فور التسليم عداً ونقداً، ولذا أدار المسألة بحنكة


وقدمت مصر مع كل حمار وبغل بطاقة هوية وشهادة تطعيم، وكما لو أن هذا لم يكن كافياً للسخرية من الباكستانيين، أمر اللواء يحيى بتزويد كل حمار بقطعة من البلاستيك تحمل اسماً عربياً. ويضيف أفراكوتوس قائلاً: "بل إن يحيى أعطى كل بغل أو حمار جواز سفر"

وعندما وجد ويلسون ذات مرةٍ أن سياسة الهاتف ليست مناسبة في معالجة أزمة مستوى الجودة بالنسبة لمبيعات السلاح، دعا أبو غزالة لقضاء عطلة نهاية الأسبوع في منتجعٍ تحيط به غاباتُ الصنوبر شرق تكساس، وهو مكانٌ يقصده عادةً الكبار طلباً للراحة وركوب الخيل والصيد. كان المنتجع باهظ التكاليف، لكن ويلسون لم يهتم لذلك وجمع للمشير بعض تجار السلاح.. وكانوا قطعة من الغاتوه، ولم يشأ أن يترك الغاتوه دون تحلية، فدعا الراقصة كارول شانون التي نالت إعجاب المشير، وهمس في أذن ضيفه: هنا لا يسترق أحد السمع، ولا تُلتقط الصور، وأردف قائلاً: كلمة شرف

ولكن في مذكرات كارول وفي كتاب "حرب تشارلي ويلسون" صورة نادرة للمشير والابتسامة تملأ وجهه، وهو يتابع كارول وهي ترقص له في المنتجع


هكذا، تتكلم الصورة ويصمت الكلام

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

32 التعليقات على "أبو غزالة..من "النجم الساطع" إلى "خريف الغضب" (5): رقصة واحدة تكفي"

أكتب تعليقا