ثمن الصداقة في حكم مصر (3): "اضربهم بالجزمة يا ريس"

| |






بدهاءٍ يُحسدُ عليه، تحرك عثمان في المساحات الفارغة، حتى تمكن من تحريك بيادقه إلى الأمام على رقعة شطرنج الوطن

وبسلاسةٍ، استيقظ المصريون على حقيقة أن "المهندس عثمان" أصبح أحد أفراد الدائرة الضيقة لصنع القرار، في بلدٍ كانت تتبدل فيه الخرائط الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وتنقلب رأساً على عقب، لتقود طبقة المُلاك ورجال المال والأعمال الجدد أغرب عملية استيلاءٍ على مقدرات الدولة والمجتمع

وفي سبعينيات القرن العشرين التي شهدت سطوع دور عثمان السياسي ونفوذه، بدا أن مصر تنتقل من موقعٍ إلى موقع ومن بنيةٍ اقتصاديةٍ واجتماعية إلى بنيةٍ اقتصاديةٍ واجتماعية أخرى، عبر علاقةٍ محرمةٍ شرعاً وقانوناً بين رجال المال الجدد ورموز الحكم والإدارة

كان حِلفُ الدولة ورجال المال يعلن كل يومٍ عن مجدٍ جديد، والناس يرزحون تحت وطأة أزمةٍ جديدة
أبواق الإعلام التي تدور في فلك النظام تتحدث عن أخبارٍ ترفع الرأس..والشعب يعاني من أوضاعٍ ترفع الضغط

ومع رياح التغيير..تغير موقع عثمان أحمد عثمان

تحت عنوان "كيف نشأت وتطورت الدولة الرخوة في مصر؟ (٢-٤) رخاوة السبعينيات" يقول د. جلال أمين في دراسة نشرتها جريدة "المصري اليوم" في 8 مايو أيار 2007 : "من أبرز الأمثلة على الفارق بين نظام الحكم في السبعينيات ونظام الستينيات ما طرأ على مركز عثمان أحمد عثمان وشركته "المقاولون العرب" في الاقتصاد المصري وعلى علاقته بالدولة، كان عثمان أحمد عثمان في ظل عبد الناصر يبدو مع كل قوته وثرائه، كالموظف الذي يتلقى الأوامر من رئيس الدولة، ويخشى أن يفقد رضا الدولة عنه، فأصبح في ظل أنور السادات، وكأنه شريكٌ أساسي في الحكم، يوجه النظام ويعطي النصائح التي يستمع إليها الرئيس، ويستجيب لها برضا كامل إلى درجة التزاوج من الأسرتين
"

وعثمان في رأي فريقٍ من معاصريه، رجلٌ مثير غامض، يبتسم في وجهك مؤكداً أنه مجرد "رجل بسيط مؤمن بالله والوطن" ثم يخشع ويحرك حبات مسبحته حين يتحدث عن رسالته التي هي رسالة كل مخلوقٍ على وجه الأرض: عمارة الكون، أي تعميره






وفي ظل ما أطلق عليه أحمد بهاء الدين وصف "انفتاح السداح مداح"، وقعت ثلاث ظواهر مهمة، فقد انتشرت الرأسمالية العائلية، واختلطت السياسة بدوائر المال والأعمال، وبالتالي تطورت أشكال الفساد وآلياته

وربما كانت مجموعة (عثمان أحمد عثمان) هي الأكثر تعبيراً عن هذا التغيير، فقد انتقلت المجموعة (وليست الشركة) من قطاع المقاولات والتشييد إلى قطاعات متعددة أخرى بينها قطاع المصارف حيث دفع المهندس عثمان أحمد عثمان لإنشاء سلسلة البنوك الوطنية وبنك المهندس وبنك قناة السويس، وكلها ظهرت أسماؤها فى قضية نواب القروض
كذلك فقد أنشأ المهندس عثمان أحمد عثمان - الذي كانت مجلة "فوربس" تورد اسمه طوال فترة رئاسة السادات ضمن قائمة أغنى أثرياء العالم- شركاتٍ خاصة ملحقة بالمقاولين العرب، وتحتل بعض مواقع ومكاتب الشركة الأم وتنقل ثمرات "المقاولون العرب" لجيوب غير حكومية

هنا يقول الكاتب الصحفي محمود المراغي في مقال نشره الموقع الإلكتروني لجريدة "الشعب" في أكتوبر تشرين أول 2002: "وبنفوذٍ خاص جرى احتلال المناصب والمواقع المختلفة، ثم حدث الصدام المكتوم بين المجموعة وجهاز الرقابة الإدارية الذي تم إنشاؤه في الستينيات وجرى تجميده (أو إلغاؤه) بقرار من الرئيس السادات عام 1980، واستمر التجميد لمدة عامين حين أعاد الرئيس مبارك الجهاز للحياة، وإن كان السؤال ظل معلقاً: أين ذهبت أوراق الرقابة الإدارية؟"

وفي كل الأحوال، فقد حرص عثمان حتى قبل توليه الوزارة على تعزيز علاقاته مع الوزراء وكبار المسؤولين. ومن ذلك أنه طرح في مطلع السبعينيات مشروعاً في ميدان الحجاز بحي مصر الجديدة لبناء عماراتٍ من ثلاثة أدوار ببدروم خاص، ثمن كل منها عشرين ألفا بالتقسيط المريح، فكان للوزراءِ - باستثناء قلةٍ بينهم وزير الأوقاف عبد الحليم محمود- نصيبُ الأسد من هذا المشروع

وفي كتابه "شخصيات لها تاريخ" (دار الشروق، القاهرة، 2008) يتحدث د. جلال أمين عن عثمان أحمد عثمان، المقاول الذى بدأ مسيرة صعوده فى عهد عبد الناصر، وواصل تألقه فى عهد السادات. وينال عثمان بعض من سهام المؤلف، الذي يرى أن فهمه لمعاني الوطنية والانتماء والإيمان والعمل والإخلاص والثروة، كان أقرب إلى فهم السادات منه إلى عبد الناصر، وقد كان الأخير يفهم هذه المعاني فى أبعادها وأطرها الاجتماعية، أما السادات فقد فهمها بمنطق فردي، بما تضيف إليه شخصياً وما تحققه له من منفعةٍ ذاتية

على أن هناك من يرى أن أحد أبرز أسباب التحول الاقتصادي في عهد السادات هو ذلك الاقتراب بين الرئيس وأصهار ينتمون للطريق الرأسمالي ولقطاع الأعمال، مثل عثمان أحمد عثمان وسيد مرعي وأحمد عبد الغفار

ويلاحظ أحمد بهاء الدين أن السادات كان ينظر إلى عثمان كأنه عثر على توأمه وشقيق روحه.. ومن بعد نسب الأرواح، تم نسب وشائج الدماء ليتزوج محمود ابن عثمان الأكبر بجيهان صغرى بنات أنور السادات

وإذا كانت اختيارات الرجلين‏-‏ اللذين كانا ينتميان للجيل نفسه وللطبقة نفسها‏-‏ قد اختلفت في مرحلة البداية،‏ فاتجه عثمان إلى عالم المقاولات،‏ واتجه السادات نحو العمل الوطني،‏ فإن السادات وعثمان بلغا طوال عقد السبعينيات نقطة الوفاق والاتفاق. وهنا يطرح صلاح عيسى تساؤلاً مشروعاً، إذ يقول: "فهل اكتشف السادات في كهولته أنه أخطأ حين أصبح ثائراً ولم يواصل السير في طريق المقاولات،‏ وآمن بأن المقاولين ينفذون ما يعجز الثوار عن تنفيذه من أحلامهم؟ وهل اكتشف عثمان أنه أخطأ حين لم يسع هو وأمثاله من المقاولين للحكم مع أنهم ينفذون أكثر مما يتكلمون بل دون أن يتكلموا؟‏!‏ الغالب أن ذلك هو ما حدث‏"

لم تكن تلك المرة الوحيدة التي يتحدث فيها أحد عن تبادل الأدوار بين عثمان والسادات..أو بين المقاول والرئيس

ففي حوار مع ماهر حسن في جريدة "العربي" التابعة للحزب الناصري بتاريخ 3 ديسمبر كانون أول 2007، وتحت عنوان "نقيب النقباء كامل زهيري: حرية الصحافة هي الحل.. وهذه نصيحتي لمكرم" يقول نقيب الصحفيين المصريين سابقاً كامل زهيري: "وقد رفضت طلباً بتأييد السادات حرصاً على استقلال النقابة وتخوفاً من نكوصه، ورغم ذلك فقد بلغني أنه في زيارته لإحدى مدن القناة في أحد مؤتمرات الحزب سألوه عن النقابة فقال: آه ما أنا قلت نحولها لناد. ومثلما كان للسادات عيون علي فقد كانت لي عيون عليه أيضاً، وكان لي زملاء صحفيون في الرئاسة كان منهم فتحي رزق، وطلبت منه أن يصف لي ما دار هناك فقال لي إنه ظل يمشي مع عثمان أحمد عثمان ثم دخلا غرفة للاستراحة فطلبت وصف الغرفة فقال لي إن الغرفة كان بها سريران سفريان تمددا عليهما وتحدثا بعد فترة رياضة المشي.. فقلت: يعني هناك رئيس يريد أن يكون مقاولاً، ومقاول يريد أن يكون رئيساً"

نموذجٌ يرشحه البعض لرصد إخفاق معادلة المقاول والرئيس، تمثلَّ في مشروع الصالحية

فقد أقنع عثمان صديقه الرئيس بمشروع الصالحية لتعمير الصحراء. والصالحية الجديدة التي تقع في مركز الحسينية بمحافظة الشرقية ، كانت نواة لمشروع استصلاح كان مخططاً لها منذ أيام عبد الناصر، لكن المشروع ظل يحبو حتى انطلق فعلياً في عام 1979. فقد اصطحب عثمان السادات والكاتب أحمد بهاء الدين في طائرة ليريهما الأرض على الطبيعة، وإن كان عثمان لم يذكر الكاتب الكبير بكلمة واحدة في حكاية الصالحية. وفي الطائرة ذهل السادات بما نهب من أموال الدولة على أرض الصالحية التي أُنفِقَ عليها ما يقرب من 630 مليون جنيه ولم يُستصلَح منها سوى 1% فقط. هنا ردد السادات مقولته الشهيرة: "أخيراً وجدنا نقطة البداية لحل مشكلاتنا وسنحصل على كفايتنا من الطعام عام 1985"، وافتتح مشروع "الثورة الخضراء"، وعيَّن حسين عثمان - شقيق المهندس عثمان- مشرفاً على المشروع بدرجة نائب رئيس وزراء


وبينما يقول فريقٌ إن شركة "المقاولون العرب" تسلمت الأرض وحوَّلتها إلى أرضٍ مستصلحة زراعياً وإنها نجحت في المشروع الزراعي وملحقاته من الإنتاج الحيواني ومحطات الألبان ومشروعاته ومحطات الدواجن الضخمة، إلى أن بدأ ضربها في 1988 بعد ضمِّها إلى وزارة الزراعة، حتى وصلت إلى مستوى يسمح ببيعها بثمن ..يصر فريقٌ آخر على أن المشروع لم يحقق النتائج التي كانت متوقعة، وأنه كبَّد الدولة خسائر مالية تقدر بملايين الجنيهات. ومن هؤلاء المنتقدين وزير الإسكان والتعمير الشهير المهندس حسب الله الكفراوي الذي قال في حديث صحفي أجرته معه "المصري اليوم" في 23 مارس آذار 2008 إن "مشروع الصالحية فاشل ولم - ولن - ينفع حتى الآن" وأضاف موضحاً "لأن رفع المياه فيها مكلف، والتربة ليست الأفضل وتوجد مناطق أفضل منها.. ولو كنت "مزنوق" وليس أمامي سوى هذا الموقع ربما كنتُ تقبلت الأمر، ولكن لو كان لدي خيارات أخرى أفضل، إذاً هناك خطأ ما.. وهذا المشروع درسته شركة المقاولون العرب"

كان هذا طبعاً قبل أن يبيع هذه المشروعات لاحقاً وزير الزراعة د. يوسف والي، بأقل من 326 مليون جنيه، بالرغم من أنها تكلفت ملياراً و900 مليون جنيه

ويردد البعض أنه بعد استيلاء الحكومة على المشروع جاء أحد الخبراء الأجانب لزيارة المشروع، فقال تعليقاً ظريفاً مفاده أنه "أثناء وجود "المقاولون العرب" كانت الأرض خضراء واللافتات صفراء، أما بعد ذلك أصبحت الأرض صفراء واللافتات خضراء". والأرض الخضراء تشير إلى الإنتاج والمحصول، أما اللافتات الصفراء فهي تشير إلى شعار "المقاولون العرب". ولاحقاً، فإن الأرض الصفراء تشير إلى الخراب مع اللافتات الخضراء التي ترمز إلى شعار وزارة الزراعة

ولم تكن الصالحية المشروع الوحيد الذي تبناه عثمان وأثير حوله الجدل. القائمة تشمل أيضاً مشروع إنشاء مزرعةٍ سمكية في مريوط، وغيرها من المشروعات الخاسرة

وكان لعثمان رجاله في عالم المال والأعمال والسياسة


ومن هؤلاء توفيق عبد الحي - الهارب من مصر منذ اتهامه بأنه "تاجر الفراخ (الدجاج) الفاسدة"- والذي أجرت معه جريدة "الشرق الأوسط" حواراً في قصره في مدينة أنتويرب البلجيكية ونُشِرَ في 3 مايو أيار 2001
جاء في الحوار ما يلي


"* كنت تُصنَفُ قبل خروجك من مصر باعتبار أنك من المقربين للمهندس عثمان أحمد عثمان أنك "فتى التنمية الشعبية المدلل"، ومن خلال ذلك حصلت على الكثير من التسهيلات؟
ـ كنت أمثل الجانب المعارض داخل الاتحاد القومي أو الاتحاد الاشتراكي، وكان هناك كثير من الاعتراضات على سياسة الحكومة كنا نبلغ بها "المعلم" عثمان، وبعد هزيمة 67، حدث تغير في عمل "التنظيم الطليعي" التابع للاتحاد الاشتراكي، وكنت على رأس المظاهرات عام 1968 كما ذكرها محمد حسنين هيكل في كتابه "خريف الغضب"، التي طالبت بمحاكمة المسؤولين العسكريين الذين تسببوا في النكسة"
"* كيف كانت علاقتك بالمهندس عثمان أحمد عثمان وزير التنمية الشعبية وصهر السادات؟
ـ أنا الذي كنت أقوم بكل شيء، وكثيراً ما كنت أبلغه عن اعتراضات الشباب عن سياسات معينة انتهجها السادات، ولكن افترقت مع عثمان بعد أن أشيع أنني ناصري حتى النخاع، ومن ضمن تلك الاعتراضات ما نشرناه ايام عبد الناصر في "صوت الجماهير" مقال بعنوان "أهل الثقة أم أهل الخبرة"، وأيام السادات قدنا أول منبر ديمقراطي، ضد سياسات الاتحاد الاشتراكي، وضد رئيس الجمهورية، ولا أنكر أن عثمان كان يقلل كثيراً من حدة المواجهات مع الحكومة"


امتدت علاقة عثمان مع السادات لتضع تحت مظلتها السلطة الرابعة: الصحافة

فقد كان عثمان صديقاً مقرباً ومؤثراً في عقل ومواقف رئيس مجلس إدارة "الأهرام" سابقاً عبد الله عبد الباري، الذي لم ينس لعثمان أنه لم يتخل عن أسرة عبدالباري طوال فترة اعتقاله في السجن بعد إدانته بتهمة لقائه بأحمد أبو الفتح صاحب جريدة "المصري" في الخارج

وتحكي الكاتبة الصحفية سناء البيسي في مقال بعنوان "عثمان أحمد عثمان‏..‏المعلم" منشور في جريدة "الأهرام" بتاريخ 30 أغسطس آب 2008 كيف استقبلها السادات هي وعدد من الصحفيين ذات يومٍ في استراحته بالإسماعيلية. وتقول: "ويومها في تجوالنا وقعدتنا وطعامنا وشرابنا وضحكاتنا وإنصاتنا ظل علي يمينه عثمان‏..‏ عثمان أحمد عثمان‏..‏ مؤانساً موافقاً مداعباً مقرظاً مرابطاً مستشاراً وخبيراً‏..‏ ويومها تجول السادات بعينيه فينا يستشف جوهرنا نحن مجموعة الصحفيين والكتاب الذين وقع اختياره علينا لتحقيق حلمه في إصدار جريدة "مايو" التي أسند رئاسة تحريرها للكاتب الصحفي القدير إبراهيم سعدة‏..‏ وبعدما اطمأن إلى حسن اختياره مال على عثمان ليقول له بصوتٍ مدو كان رَجعُه في آذاننا زغاريد موكبِ العروس القادم‏:‏ أنا رأيي يا عثمان إنك تبني لكل واحد منهم فيلا بجنينة‏..‏ سامع يا عثمان‏..‏ وسمع عثمان ساعتها،‏ لكنه لم يسمع بعدها،‏ فهناك أوامر يصدرها الناس الكبار لها نفس وقع إمضاءاتهم على نوعية من الطلبات يذيلونها بعبارة للأهمية ليتعرف عليها طاقم التنفيذ كي تنام في عسل رفوف الأرشيف،‏ والظاهر أن جملة سامع يا عثمان كانت من تلك الفصيلة‏!"

وفي السياق نفسه، تأتي شهادة الكاتب محمود السعدني في مجلة "المصور" في عدد ‏7‏ مايو أيار ‏1999‏ حول وساطة عثمان لدى السادات ليعفو عن السعدني ويسامحه بعد هجومه عليه من المنفى لسنواتٍ عدة، إذ قال له السادات: "خلاص يا واد يا محمود والله ما في حاجة في نفسي من ناحيتك أبدا‏..‏ ارجع يا وله وكل شيء ح ينحل ووعده بالعودة". وكانت المرة الوحيدة التي تدخل فيها عثمان بالحديث عندما قال الرئيس أنور السادات لمحمود السعدني‏:‏ "بس أنت لسانك وسخ يا وله وعاوز قطعه‏"..‏ فعقب عثمان قائلا‏:‏ "ده يستاهل قطع رقبته"‏..‏ وضحك، فقال محمود له بحدة‏:‏ أنت ما تشتمش خالص يا عم عثمان اللي يشتم الرئيس وبس‏"!‏..وضحك السادات وتم الصلح

حتى الفن، كان عثمان رسول السادات إلى أهله


وفي حديث لجريدة "المصري اليوم" في 24 سبتمبر أيلول 2008 يحكي الفنان نور الشريف كيف علم بأن الرئيس السادات غضب منه ذات مرة، فيقول: "حدث ذلك بسبب مسرحية "بكالوريوس في حكم الشعوب" التي عرضت قبل إعلان عودة تعدد الأحزاب، فالمسرحية كانت ضد الحكم العسكري في دولة ما، وفوجئت بالراحل عثمان أحمد عثمان يقول لي "الرئيس السادات زعلان منك لأنك تسخر منه في مسرحيته"، وطلب مني عرض المسرحية في قصر عابدين فقلت له "لا المسرح صغير ولا يوجد به تكييف.. ووقت ما يحب الرئيس هنعرض المسرحية في أي مسرح آخر تحت أمره"

"وبعد ساعة وجدت الوزير عثمان أحمد عثمان يقول لي إن مجلس الشعب كله سيحضر العرض اليوم في المسرح نفسه؟ وكان المجلس كله برئاسة صوفي أبو طالب في العرض يومها، وكان أول يوم أقابل فيه منصور حسن وزير الإعلام. ويومها سألني الممثلون في العرض "هنغير حاجة في النص؟".. فقلت لهم "ولا كلمة لأننا مش بنقول حاجة غلط"، وبعد العرض كنت أتصبب عرقا وخائفا جدا إلا أن الترحيب والتصفيق شجعاني"


دعونا لا ننسى أن "المعلم" الذي تمتع بعلاقاتٍ واسعة في صفوف أهل الفن، سمح لصديقه نور الشريف بتصوير فيلمه "قطة على نار" (بطولة بوسي ونور الشريف وفريد شوقي، إخراج سمير سيف إنتاج عام 1977) في عزبته الخاصة

ويذكر لنا التاريخ القريب التطور الدرامي لصعود المستشار أنور عبد الفتاح أبو سحلي (1919 - 11 يناير 2000). إذ إنه حين توجه عثمان إلى القاهرة بعد حصوله على الابتدائية ليكمل دراسته، التحق بالقسم الداخلي بالمدرسة السعيدية، والتقى في هذه المدرسة زميله الصعيدي أنور عبد الفتاح أبو سحلي. وكان أبو سحلي ينتمي إلى عائلة إقطاعية تأثرت بالإصلاح الزراعي فأبُعِدَ عن مناصب القضاء، وعمل لفترةٍ مستشاراً قانونياً لدى شركة "المقاولون العرب
وبوساطة من عثمان أحمد عثمان أعيد إلى القضاء، ليصبح رئيس محكمتي شمال وجنوب القاهرة عام 1977 والنائب العام في عام 1978، ووزير العدل في العام التالي. وأثناء رئاسته محكمة جنوب القاهرة، تفرغت هذه المحكمة وهذا القاضي للإجهاز على جريدة "الأهالي" التي يصدرها حزب التجمع المعارض، ومصادرة أعدادها الواحد تلو الآخر

ويأخذ كثيرون على عثمان أنه كان أحد الذين لا يكفون عن تحريض السادات ضد خصومه السياسيين في كل المناسبات،‏ إذ تعود أن يقول له كلما تطرق الحديث إلى المعارضين،‏ سواء كانوا أفراداً أم أحزاباً أم دولاً،‏ "اضربهم كلهم بالجزمة يا ريس"..‏ ويبدو أن تلك هي النصيحة التي استمع إليها السادات،‏ حين أمر بشن حملة اعتقالات سبتمبر أيلول ‏1981‏ ضد خصومه من مختلف الأطياف والاتجاهات السياسية والفكرية والدينية


وفي حوار مع نقيب الصحفيين مكرم محمد أحمد في جريدة "المصري اليوم" في 10 سبتمبر أيلول 2006 تحت عنوان "مكرم محمد أحمد: السادات طلب مني الهجوم على هيكل.. ورفضت" يقول النقيب: "لي تصورٌ حول رجال السادات في هذه المرحلة.. وأعتبر هذا التصور مهماً لفهم تداعيات الأحداث فيما بعد. كان حول السادات فريقان، الأول عاقلٌ وناضج وهم: سيد مرعي ومنصور حسن وجيهان السادات، وفي مرحلةٍ مبكرة كان هيكل "قبل الخصومة بين الاثنين". هؤلاء كانت لديهم القدرة على رؤية العلاقة الصحيحة بقوى المثقفين.. وكانت تعملُ على تهدئة ثورة الرئيس ضد البابا والأقباط والمثقفين، الفريق الثاني كان أبرز رموزه عثمان أحمد عثمان ومحمد عثمان إسماعيل". ثم يضيف قائلاً: "وأعتقد أن هذا الفريق الأخير هو المسؤول بشكل ما عن انتصار تيار توسيع الأزمة والفجوة بين السادات وتيارات المجتمع"

وقبل أيام من حادث المنصة، تجاهل السادات تحذيرات الأمن وذهب إلى المنصورة في قطار خاص وسيارة مكشوفة وافتتح مشروعات استصلاح أراض في الشرقية والبحيرة وشارك في مؤتمر حزبي. وأثناء عودته من المنصورة عاد بالطائرة فوجد عثمان أحمد عثمان فسأله: "أنت رايح فين يا عثمان"، فقال له "رايح مصر"، فقال له السادات "تعال معي في الطائرة
وبحسب شهادة وزير الداخلية آنذاك النبوي إسماعيل، فإن السادات قال: "شفت يا عثمان الناس بتعمل إيه.. واقفة من الصبح بكل هذا العدد لتحييني"، فقال له: "عثمان هذا استفتاء لا يقبل الشك عليك يا ريس". فرد السادات بالقول: "انظر إلى شعور هؤلاء وشعور الآخرين الذين يريدون قتلي"، فاندهش عثمان وقال: "مين يا ريس اللي عايز يقتلك؟"، فقال السادات:
"النبوي كلمني هذا الصباح وأخبرني أنه تم اكتشاف تنظيم يسعى لاغتيالي"
قال له عثمان: "خلاص يا ريس نهدي شوية وبلاش تنقلات كثيرة حتي نترك الفرصة لـ "النبوي"، حتى ينظف البلد من هذه الأشكال"، فرد السادات قائلاً: "أما أنت عبيط يا عثمان.. العمر لا يتقدم دقيقة ولا يتأخر دقيقة.. والبرنامج لازم يسير كما هو"

أرسل إلى عثمان يطلب منه الاستعداد لمصاحبته في رحلته إلى وادي الراحة في سيناء،‏ التي كان يعتزم القيام بها في أعقاب العرض العسكري احتفالا بعيد النصر في ‏6‏ أكتوبر تشرين أول ‏1981..لكن السادات‏-‏ الذي كان قد ضرب الجميع بجزمة عثمان القديمة، على حد قول صلاح عيسى‏-‏ لم يعد من العرض،‏ لأن بعضهم كان قد رد على ذلك باغتياله
حكم القدر، وضع حداً لصداقة عثمان والسادات التي بدأت خيوطها تتجمع منذ أربعينيات القرن الماضي، حتى أنهتها الرصاصات التي دوَّت في حادث المنصة..ليتوقف بشكل مبدئي الجدل حول "المعلم" عثمان، قبل أن يبدأ الحديث عن اتهامات وجهتها نقابة المهندسين إلى نقيبها السابق عثمان، ووصلت إلى الرقابة الإدارية، ومنها اتهامه في مشروعات
"الوفاء والأمل" و"بنك المهندس" و"إسكان النقابات المهنية" الذي تأسس عام 1980
بعد رحيل السادات، بدا أن نشاط ودور "المقاولون العرب" يتقلص ربما نتيجة تضييقٍ وحصار حكومي استهدف بنيتها ومشروعاتها التى ازدهرت وقت السادات مثل الصالحية وفوديكو وغيرهما. إلا أن العمل في "المقاولون العرب" استمر حتى بلغ حجم مشروعاتها في 1997-1998 نحو 4.7 مليار جنيه مصري
المقولة التي ترددت على ألسنة البعض وقتها أن العهد الجديد ينظر بعين الريبة إلى تعاظم نفوذ عثمان في عهد السادات، وأن مبارك لم يكن سعيداً بالتقارب بين الرئيس السادات وصهره، الذي بدا في وقتٍ من الأوقات أكثر تأثيراً على القرار السياسي من نائب الرئيس

غير أن "شيخ القبيلة" - والد محمود وأحمد وإبراهيم ومحمد وهادية‏- فضَّل الهدوء ولزم الصمت في سنواته الأخيرة، ربما لانشغاله بقضايا أخرى أكثر أهمية بالنسبة له، مثل خلافه مع نجله المهندس محمد، الذي كان يطالب بنصيبه في شركات والده حتى وصل الأمر إلى ساحة القضاء.. قبل أن يوافيه الأجل في 30 إبريل 1999عن عمرٍ يناهز ‏81‏ عاما في مستشفى المقاولون العرب، إثر أزمة قلبية بسبب وعكةٍ صحية ألمت به نُقِلَ على إثرها إلى المستشفى قبل وفاته بعشرة أيام


ومن جامع عمر مكرم شُيعت جنازة عثمان‏، الذي‏ عاش حياته بالطول والعرض، قبل أن يُنقَل الجثمان إلى مدينة الإسماعيلية، حيث شُيع أيضا وسط حشدٍ هائل من محبيه والعاملين في شركاته - الذين بلغ إجمالي عددهم آنذاك 70 ألف عامل- من جامع أبو بكر الصديق ومنه إلى مدفنه

وعلى موقعٍ من امتداد جسر 6 أكتوبر في حي مدينة نصر، علَق العاملون في "المقاولون العرب" لافتة ضخمة مجللة بالسواد كُتٍبَ عليها "سنواصل العمل ونحن نبكي، لأن هذا ما تعلمناه منك". كان ذلك شعوراً بالوفاء لرجل بنى الشركة العملاقة، وصنع لنفسه شعبية كبيرة في صفوف أبناء شركاته

ومع اكتمال الدائرة، طُوِيت صفحة لا تُنسى من دولة بناها المقاول..واعترف بها الرئيس

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

12 التعليقات على "ثمن الصداقة في حكم مصر (3): "اضربهم بالجزمة يا ريس""

أكتب تعليقا