ثمن الصداقة في حكم مصر (2): "ساكن قصادي"

| |




من الفوز بمناقصة بناء جسم السد العالي عام 1957 إلى انتخابه عضواً في مجلس الأمة عن دائرة أبو المطامير في محافظة البحيرة في 9 يناير كانون ثانٍ 1969، وقعت أحداث ومحطات كثيرة في حياة عثمان أحمد عثمان

بعض هذه المحطات طريف، مثل عضويته الشرفية في النادي الأهلي في 8 يناير كانون ثانٍ 1966، ورئاسته لمجلس إدارة النادي الإسماعيلي - الذي قدم له خدمات لا تُحصى- في 2 يوليو تموز 1966، ثم رئاسته لنادي "المقاولون العرب" في أول ديسمبر كانون أول 1968 - وفي أغسطس آب 1977 أصبح رئيساً فخرياً للمقاولون العرب لمدى الحياة- كما أصبح رئيساً شرفياً لنادي الاتحاد الليبي في 26 فبراير شباط 1970





لكن كل هذا يبدو عادياً في حياة ومسيرة رجل مثل عثمان أحمد عثمان

وما يهمنا هنا هو علاقة الصداقة المتينة التي جمعت بينه وبين الرئيس المصري أنور السادات

وحكاية عثمان مع السادات تبدأ عندما كان الاثنان يسكنان متجاورين في منطقة الهرم قبل ثورة يوليو 1952، ومن ثم تعارفا وتوطدت العلاقة بينهما لتصبح في فترة من الفترات أشبه بالتوأمة. ويؤكد عثمان أنه كان بينه وبين السادات نوع من "التوافق النفسي"، فقد كانا جارين وبينهما "عشرة عمر"

يقول عثمان: "عندما أُعلِنَت أسماء وأعضاء مجلس قيادة الثورة لم أجد في الأسماء من أعرفه إلا محمد أنور السادات الذي عاش خلال مراحله الأولى فترة في الإسماعيلية، ثم رأيته في بورسعيد عقب العدوان الثلاثي عام 1956. وكنت قد حضرت من السعودية خصيصاً لكي تشارك شركتي في تعمير بورسعيد، وذهبت أزوره في بيته وفتح لي باب منزله بنفسه وهو يرتدي الجلباب. وكلفني ذات يومٍ بإدخال بعض التعديلات على منزله، وطلب أن نبني فيللا لابنته، ثم طلب بناء فيللا لكريمته الثانية. وتكررت الزيارات العائلية"




وعندما استدعاه السادات لكي يشغل منصب وزير التعمير، قال له: "عثمان أنا عاوزك وزير تعمير عشان أضمن إن كل حاجة تمشي مضبوط"

وهكذا اختير عثمان وزيراً للتعمير في حكومة د. عبد القادر حاتم في 28 أكتوبر تشرين أول 1973، ليظل في الوزارة لمدة ثلاث سنوات عاصر أثناءها ثلاث حكومات متعاقبة. فقد اختير وزيراً للإسكان والتعمير في حكومة د. عبد العزيز حجازي في 26 سبتمبر أيلول 1974، ثم احتفظ بالحقيبة الوزارية نفسها في حكومة ممدوح سالم في 16 إبريل نيسان 1975، إلى أن خرج من الوزارة في نوفمبر تشرين ثانٍ 1976

واللافت للانتباه أن عثمان كان ينتقد جميع أعضاء الحكومات الثلاث التي شارك فيها، حيث قال عنهم: إن عقولهم لم تستطع أن تطوع نفسها لكي تتعلم منه (ويقصد السادات)، سياسة الخط المستقيم التي بح صوته وهو يتحدث عنها. شتان ما بين هذا العملاق الذي لا يخاف إلا ربه ويثق في قدراته وبين هؤلاء الأقزام الذين يخافون من كل رجلٍ ناجح (يقصد نفسه) حتى ولو كانوا هم الذين سيجنون ثمار نجاحه

والسادات عند عثمان كان "حاجة ثانية".. فقد كان يقول عنه: "هو الإنسان الوحيد الذي عندما يرى أمراً لا أراه..لا أملك إلا ان أسلم برأيه"!



وبدا طبيعياً أن يرافق عثمان الرئيس السادات في زيارته الشهيرة للقدس في 19 نوفمبر تشرين ثانٍ 1977، والتي يؤكد عثمان أنها وراء استرداد مصر لسيناء. يقول عثمان: "وتحدد موعد زيارته لإسرائيل في نوفمبر عام 1977. وقلتُ له بتلقائية سأذهب معك يا سيادة الرئيس". ويؤيد ذلك ما قالته جيهان السادات قرينة الرئيس المصري لمحاورها أحمد منصور في حلقة برنامج "شاهد على العصر" التي عرضتها قناة الجزيرة الفضائية في 5 مارس آذار 2001: "والله هأقول لحضرتك، عثمان أحمد عثمان هو اللي قال له عايز آجي معاك، وكان قدامي الحديث"


أما اتفاقيات كامب ديفيد التي وقعها السادات مع رئيس الوزراء الإسرائيلي مناحم بيغن في 17 سبتمبر أيلول 1978، فهي في نظر "المعلم" عثمان حركة سياسية كبيرة وحركة بارعة من سياسي بارع

ولا بد من القول إنه عندما دخل عثمان الوزارة، تحول إلى رفيق السادات وشريكٍ له في عددٍ من القرارات الاقتصادية، حتى إن الكاتب الصحفي موسى صبري –رجل السادات المخلص- قال إن الموافقة على أي مشروعٍ اقتصادي كانت تمر من بين أصابع عثمان أحمد عثمان

وحين كان عثمان بعيداً عن الوزارة، لم يخل من مناصب أخرى، إذ شغل منصب أمين الحزب الوطني بالإسماعيلية في نوفمبر 1978، كما كان رئيساً للمجموعة البرلمانية بالإسماعيلية عام ‏1976


وفي مارس آذار 1979 أصبح عثمان نقيب المهندسين

وقيل إن الدولة ساندت عثمان في دخول نقابة المهندسين لإجهاض الصوت المعارض للسادات داخلها. وهكذا ظل عثمان نقيباً للمهندسين لسنواتٍ، وانتخب نقيباً لفترة ثانية عام 1983

ولعب عثمان دوراً في التقريب بين السادات و"الإخوان المسلمون" بحكم صداقة عثمان لهم


ويتعين أن نشير هنا إلى أن "المعلم" أفرد في سيرته الذاتية مكاناً لتفاصيل كثيرة عن علاقته بالإخوان المسلمين،‏ حيث كان حسن البنا مؤسس الجماعة ومرشدها الأول هو في الوقت نفسه مدرس اللغة العربية والدين في مدرسة عثمان الإسماعيلية الابتدائية،‏ وكان البنا وقتها لم يزل في العشرينيات.‏ هكذا تفتحت عيناه على الرجل الذي قُدِرَ له أن يؤسس جماعة الإخوان المسلمين. ولعل هذه الصلة بين مدرس وتلميذه تركت أثرها في نفس الصبي، وآتت ثمارها فيما بعد ليرتبط بجماعة الإخوان المسلمين. كان البنا مدرساً للغة العربية والدين في مدرسة الإسماعيلية الإبتدائية، وكان خال عثمان هو الشيخ محمود حسين من علماء الدين في الإسماعيلية. وقدم شقيقه الشيخ محمد حسين إلى حسن البنا، وتأكدت أواصر الصداقة بين الشيخ حسن البنا وبين الشيخ محمد حسين خال عثمان. وكان حسن البنا يذهب كل يوم بعد صلاة العشاء إلى "مندرة" الشيخ محمد حسين ليبحثا في أمور الدين. وأصبحت الجلسة دائرة المنتدى الديني وحسن البنا يتصدر ذلك المنتدى. وتطورت جلسات المنتدى من "المندرة" لتصبح الإسماعيلية كلها منتدى



والثابت أن الجماعات الإسلامية في مصر بدأت تظهر بشكل فعال في عام 1972 بعد أن أفرج السادات بالإفراج عن قيادات الإخوان المسلمين بالمعتقلات، وقرر التحول عن التوجه الاشتراكي للدولة. وفي حوار أُجري معه بعنوان "النبوي إسماعيل وزير الداخلية الأسبق يكشف لأول مرة: اعتقالات سبتمبر ناقشتها لجنة رباعية.. "أنا والسادات ومبارك وأبو غزالة".. والسادات صاحب القرار"، سئل النبوي إسماعيل: "من أشار على السادات بخروج الجماعات من السجون؟" فرد قائلاً: "عثمان أحمد عثمان ومحمد عثمان إسماعيل الذي تولى محافظ أسيوط"



ويتوقف كثيرون عند اجتماعٍ شارك فيه رؤساء اللجان الدائمة بمجلس الشعب، في أعقاب المظاهرات التي اندلعت بالجامعات احتجاجاً على سياسة حكومة د. عزيز صدقي، وكان يتزعم الطلاب قوى اليسار والناصريين إذ كانت تسيطر على اتحاد الطلاب واللجنة الوطنية العليا بجامعة القاهرة

في هذا الاجتماع اقترح بعض الأعضاء، مثل عثمان أحمد عثمان ويوسف مكاوي ومحمد عثمان إسماعيل، إنشاء تنظيم للجماعات الإسلامية في الجامعات بهدف الرد على جماعات اليسار والاشتراكيين، وبادر بعض أعضاء اللجنة بالتبرع بالأموال اللازمة لإنشاء هذا التنظيم. وتم إنشاء تنظيم شباب الإسلام بجامعة القاهرة وجامعات أخرى، وحظي هذا التنظيم بمساندة صريحة من الأمن واستُخدِمَ لمواجهة وتصفية قوى اليساربدأ تنظيم شباب الإسلام بالقيام بالعديد من الأنشطة داخل الجامعة من معسكرات صيفية وتنظيم لرحلات الحج والعمرة وذلك بتمويل مباشر من الدولة


وعملت جماعة شباب الإسلام على تغيير بعض أنماط وأشكال الحياة الجامعية، مثل تغيير البرنامج الدراسي ودعوة الطلاب إلى الاشتراك في الأنشطة ودروس القرآن والحديث وفرضت وقف المحاضرات والأنشطة الأخرى في أوقات الصلاة، والفصل بين الجنسين في قاعات المحاضرات ومنعت إقامة الحفلات الموسيقية والراقصة وأي صور أخرى للهو داخل الجامعات


ومن هنا يمكن فهم دور عثمان في التقريب بين جماعة الإخوان المسلمين والسادات


ففي كتابه "ذكريات لا مذكرات" (دار الاعتصام، القاهرة، 1985) يقول المرشد العام للإخوان المسلمين عمر التلمساني: "وفى مرةٍ أخرى طلب منا السيد" عثمان أحمد عثمان" وقد كان وزيرا للإسكان حينذاك أن تلقاه مجموعة منا فذهبت مع الدكتور أحمد الملط والحاج حسني عبد الباقي والأستاذ صالح أبو رقيق وقابلناه فرأى أنه من الخير أن نقدم للسادات وجهة نظرنا في الإصلاح كتابة حتى يدرس الأمر في رويةٍ وعلى مهل فكتبنا له وجهة نظرنا في تسع صفحات فلوسكاب حملها اليه السيد "عثمان أحمد عثمان" ثم كانت لي مقابلات مع السيد محمد حسني مبارك وكان نائباً لرئيس الجمهورية في ذلك الحين لقيته في منزله في مصر الجديدة منفرداً مراراً . ومعي الأستاذ مصطفى مشهور مرات أخرى لبعض استفسارات عن بعض ما جاء بتلك الصفحات التسع" (ص 61)


الرئيس السادات قال من جهته في تصريحاتٍ مسجلة: "جمعية الإخوان المسلمين غير شرعية زي ما قلت للتلمساني لكن بروح العائلة قلت له روح سجل وخذ الإذن لكن من هنا لهناك خلي الدعوة ماشية بس لا سياسة في الدين ولا دين في السياسة"


وعلى الرغم من أن هذا الظهور بدأ باتفاق الضوء الأخضر الشهير بين الإخوان المسلمين والرئيس السادات الذي حاول الاستفادة منهم في ضرب اليسار، وبالرغم من أن العثمَانين اللذين توسطا بالاتفاق عثمان أحمد عثمان ومحمد عثمان إسماعيل أبلغا الإخوان بأنه لا موافقة قانونية ولكن سماح بالعمل دون عقبات، فإن الحركة الإسلامية الشابة التي كانت بدأت تموج بها جامعات ومساجد مصر وقتها هي التي جعلت من هذا الضوء الأخضر جماعة حقيقية من لحم ودم، بعد أن كانت الجماعة القديمة قد اختفت أو أوشكت على الاختفاء

وأفرزت الجامعات المصرية في فترة الاحتضان الرسمي تلك، رموز الجيل الوسيط مثل عبد المنعم أبو الفتوح وعصام العريان وإبراهيم الزعفراني وحلمي الجزار، خاصة أبو الفتوح الذي يُنسب الفضل في ضم القسم الأكبر من هذه الحركة إلى الإخوان المسلمين التي ضخت الدماء في شرايين وعروق كانت قد جفت تماماً. ومع تقدم العمر وحكم الموت كان الوافدون الجدد قد أصبحوا كل جسم الحركة تقريباً

وحتى عام 1977 كانت الجماعات الإسلامية التي تساندها الدولة مالياً وأمنياً هي الطرف المسيطر على الجامعات المصرية، بعد أن تمكنت هذه الجماعات بمساعدة الأمن من منع أي نشاط للجماعات اليسارية داخل الجامعات، وجرى منع واستبعاد أعضاء تيار اليسار من الانضمام إلى اتحادات الطلاب، وذلك إما بالشطب أو الاعتقال أو التصادم المباشر

غير أن الطلاق وقع بين الدولة والجماعات الإسلامية في نهاية عام 1977 وتحديداً بعد زيارة الرئيس السادات للقدس ومحادثات السلام مع إسرائيل، لتبدأ تلك الجماعات رحلة المواجهة مع نظام الحكم، وعقد مؤتمرات وتوزيع نشرات ضد الحكومة والمطالبة بتطبيق الشريعة الإسلامية




وبعد اختطاف وزير الأوقاف السابق د. حسين الذهبي من منزله الكائن في منطقة حدائق حلوان جنوب القاهرة ، صباح يوم الأحد الثالث من يوليو تموز عام 1977، أصدرت جماعة المسلمين المعروفة إعلامياً باسم التكفير والهجرة بياناً تعلن فيه مسؤوليتها عن الحادث، وحددت مطالب عدة لكي تفرج عن الشيخ المختطف، وهي الإفراج فوراً عن أعضاء الجماعة المقبوض عليهم وكذلك المحكوم عليهم في قضايا سابقة، دفع مئتي ألف جنيه مصري كفدية، وأن تعتذر الصحافة المصرية عما نشرته من إساءات في حق الجماعة، وكذلك نشر كتاب شكري مصطفى "الخلافة" على حلقات في الصحف اليومية


ويقول د. محمد الذهبي نجل وزير الأوقاف السابق "برنامج "الجريمة السياسية: اغتيال الشيخ الذهبي ج 1"، قناة الجزيرة الفضائية، 10 مايو أيار 2007) ما يلي: "في بعض أصدقاء الوالد وزملاؤه يعني أفتكر منهم دكتور اسمه دكتور إبراهيم الخولي وكان في دكتور إبراهيم نجدة كان نائب رئيس جامعة الأزهر وأعتقد يمكن شيخ الأزهر نفسه في ذلك الوقت أعتقد كان الدكتور بيصار (ملاحظة: الإمام عبد الحليم محمود كان شيخاً للأزهر آنذاك، وخَلَفه في المنصب وزير الأوقاف الشيخ محمد عبد الرحمن بيصار في عام 1979) أن هما راحوا يعني حسب ما أنا عرفت أن هما راحوا لعثمان أحمد عثمان لأنه كان برضه علاقته بالوالد كويسة أن هما عرضوا أن عثمان أحمد عثمان عرضوا أنه يدفع المبلغ المطلوب. فاللي فهمته أن رئيس الوزراء في ذلك الوقت قال لهم لا يعني دول شوية عيال وكده وإحنا كله ساعة ولا اثنين وهنمسكهم يعني"

وهذا يعني ببساطة أن البعض رأى في عثمان بنكاً يمكن أن يدفع فدية مالية لجماعة إسلامية اختطفت وزير الأوقاف السابق

من هنا، يرى من رصدوا تلك الفترة من عمر مصر أن عثمان ورفاقه أطلقوا قوى إسلامية لمواجهة تيار اليسار، فإذا بالوحش الذي صنعوه يخرج عن السيطرة

ولعل هذا الأمر يثير في الأذهان سؤالاً له وجاهته ومشروعيته: هل يصلح المقاول في عالم السياسة؟

دعونا نشير هنا إلى واقعة ذات دلالة


في عام ‏1961‏ طلب المهندس عثمان أحمد عثمان، رئيس مجلس إدارة شركة المقاولون العرب‏، التي كانت تقوم بالأعمال الإنشائية الخاصة ببناء جسم السد العالي‏، مقابلة المشير عبد الحكيم عامر الذي كان الإشراف على تنفيذ المشروع،‏ ضمن مهامه السياسية الكثيرة آنذاك‏،‏ ليعترض على اقتراح تقدم به وزير السد العالي‏، بتمديد الفترة اللازمة لتنفيذ المرحلة الأولى منه،‏ بحيث تنتهي عام ‏1966 ‏


وقال عثمان للمشير‏ إن العقبات التي تواجه التنفيذ يمكن التغلب عليها لو أن الدولة وفرت له ما يوازي نصف مليون جنيه من العملات الأجنبية ليشتري معدات متطورة للحفر والنقل، بما يؤدي إلى تسريع الإيقاع‏، وبذلك توفر الدولة أكثر من مئتي مليون جنيه‏، ستضيع في حالة التمديد‏‏


اقتنع المشير عامر برأي عثمان‏، واتصل بوزير الاقتصاد وطلب منه أن يصرف له العملات الصعبة التي يحتاجها، وقال له مداعباً‏:‏ "إيه رأيك نعينك وزيرا للسد العالي يا عثمان؟‏!‏"وقال عثمان‏:‏ "يا سيادة المشير،‏ أنا لا أنفعكم، ولا أنفع مصر إلا كمقاول"‏


ويقول الكاتب الصحفي صلاح عيسى في مقال له بعنوان "كلٌ مُيسر لما خلق له" (مجلة "الأهرام العربي"، 29 سبتمبر أيلول 2007) إنه "من سوء الحظ أن عثمان أحمد عثمان عدل عن هذا التقييم المنصف لنفسه،‏ وللآخرين فيما تلا ذلك من سنوات،‏ ولو أنه تمسك به،‏ لما ترك ما يتقنه،‏ إلى ما لا يعرف فيه، ولما خاض عباب السياسة،‏ وزيرا ونائباً لرئيس الوزراء وقطباً من أقطاب الحزب الحاكم،‏ ليصبح‏-‏ في السنوات الأخيرة من حكم الرئيس السادات‏-‏ أقرب الناس إلى قلبه،‏ وأكثرهم تأثيراً فيه،‏ وأقواهم نفوذاً في بلاطه،‏ على نحو استثار ضيق كثيرين ممن كانوا يحيطون بالرئيس،‏ كانوا يعتقدون‏-‏ عن حق‏-‏ أن تأثيره كان سلبياً،‏ وإن ما كان يقنعه به من آراء في السياسة العامة،‏ كان يفتقد للحصافة،‏ أو على الأقل يصدر عن رجل لا خبرة له بهذه الأمور،‏ ولا علم له بها،‏ فهو قد يكون مقاولاً عظيماً،‏ لكن تفكيره السياسي لم يكن يزيد على تفكير عوام الناس،‏ فضلاً عن هذا فقد كان نفوذ عثمان الكبير في بلاط السادات من الأمور التي أثارت الريب حول نزاهة الحكم،‏ حتى شاع مصطلح الدولة العثمانية على ألسنة الناس في تلك السنوات تعبيراً عن الشك في أن الصلة القوية بين الرجلين،‏ تخفي في ثناياها نوعاً من التربح من المال العام،‏ وهي كلها أقاويل،‏ لم تثبت بعد ذلك صحتها‏"



وبعد السد العالي، دخل عثمان مرحلة حائط الصواريخ بتكليف مباشر من الرئيس السادات


يقول عثمان "إن ميزانية المشروع كانت أربعين مليوناً.. وعندما كلفني بها الرئيس طلب مني إنجازها في شهرين فقط وحذرني من أن يضرب اليأس نفسي لأن الإسرائيليين لن يتركوني أنهي عملي.. ومع ذلك انتهى العمل في أقل من الزمن الذي كان محدداً سلفا.. ورغم كل الصعوبات التي واجهتنا التي كان أقلها ضربات الجيش الإسرائيلي التي أسقطت من كتيبة المقاولون العرب ما يقرب من خمسمئة شهيد"


وكانت إسرائيل تقصف هذا المشروع الضخم بإصرار، حتى إنها هدمت القواعد أكثر من خمس مرات بعد بنائها،‏ وفي كل مرة تعجن مواد البناء بدم القتلى، إلى أن بنيت دشم الطائرات وقواعد الصواريخ على امتداد الجبهة كلها



شهادة الكاتب الكبير أحمد بهاء الدين تلقي مزيداً من الضوء على صداقة الرجلين

"كنتُ قد كتبتُ خطاب السادات الذي كان سيلقي في السويس وقتها وبعد أن عدت من الإسماعيلية استمعت إلى السادات وهو يلقي خطابه ولم يغير حرفاً واحداً فيه ولم يقدم كلمة ولم يؤخر أخرى، ولكنه غيَّر شيئاً واحداً فقط، ففي الحديث عن مشاركة كل العمال من خلال كل شركات المقاولات في بناء حائط الصواريخ غيَّر الرئيس هذه الجملة وقصر الفضل فيها على ذكر شركة المقاولون العرب وعمال المقاولون العرب عثمان أحمد عثمان"


في تلك الفترة، احتاج السادات جهود عثمان كي يتخلص من رجال ونفوذ عبد الناصر، وقرَّبه إليه كي يساعده في تعمير مدنه المهجرة وبناء مدن جديدة، مثل مدينة العاشر من رمضان،‏ ومدينة السادات،‏ ومدينة الملك خالد،‏ ومدينة العبور،‏ ومدينة ‏15‏ مايو.‏ كما كان السادات في حاجة لعثمان كي يتولى توسعة قناة السويس بعد تطهيرها من الألغام، بهدف استثمارها كممر رئيسي للملاحة الدولية والعلاقة بين السادات وعثمان أحمد عثمان - نجم الانفتاح الكبير- يطول شرحها، لكنها وصلت في مرحلةٍ من المراحل إلى علاقة مصاهرة، بعد أن تزوج نجله محمود عثمان من جيهان ابنة السادات في 2 يناير كانون ثانٍ 1977

واستقر في ذهن الجميع أن عثمان هو رفيق السادات في رياضة المشي اليومية – كان السادات يمشي لمدة ساعتين يومياً- ومستشاره وصهره، وصديقه الذي لا يطيق فراقه،‏ فإذا اختفى من مجلسه سأل عنه بإلحاح وقلق،‏ شأن من يشعر بأن شيئاً منه ينقصه‏


ويرى الكاتب الصحفي محمد حسنين هيكل "إن أكبر إنجاز لعثمان كان في الطريقة التي وثَّق بها علاقته وصداقته بالسادات، حتى أصبح كل شيء في حياته الشخصية والسياسية"‏. أما موسى صبري فيذهب إلى القول بأن عثمان وصل إلى قلب الرئيس لأنه ابن بلد لا يتكلف الكلام المنمق،‏ بل يتحدث بتلقائية وبساطة ويبدي للرئيس آراءه بلا تكلف،‏ ومعنى ذلك أن عثمان كان يخاطب الجانب السطحي في شخصية السادات الذي لم تكن له طاقة على دراسة الأمور،‏ أو التعمق في التفاصيل


في هذه الأثناء، كبرت شركة "المقاولون العرب" وتضخمت، وتحولت إلى ما وصفه ديفيد هيرست مراسل صحيفة "غارديان" البريطانية إلى "شركة الوزراء"، إذ كان يعمل لدى عثمان في وقتٍ من الأوقات - حسب قول الجريدة البريطانية- 30 وزيراً ومستشاراً ومحافظاً ومسؤولاً، شغلوا مواقع حساسة


جاء ذلك في وقتٍ جمع فيه عثمان بين منصب عضو البرلمان ونائب رئيس الوزراء، وأصبح "إكسلانس"، كما سماه ذات مرةٍ توفيق عبد الحي، الذي اتهم بالتربح من بيع طيور جارحة ودواجن منتهية الصلاحية لمعدة المصريين


من جهته، رأى عثمان أنه يستفيد من خبراتٍ وكفاءاتٍ معينة ليس ذنبها أن أصحابها كانوا وزراء ومحافظين. والشيء المؤكد أن "المقاولون العرب" مع مجيء السادات للحكم وصدور القانون رقم 43 لسنة 1974، تحولت إلى شركة متغلغلة في مختلف المجالات الاقتصادية، من المقاولات إلى الاستثمارات والمنتجات الخشبية والعمل المصرفي والمواد الغذائية..إلخ


لقد خرج المارد من القمقم..ولم يعد بمقدور أحدٍ إعادة عقارب الساعة إلى الوراء

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

6 التعليقات على "ثمن الصداقة في حكم مصر (2): "ساكن قصادي""

أكتب تعليقا