ثمن الصداقة في حكم مصر (1): المقاول والرئيس

| |





لم تكن مجرد صداقاتٍ عادية، تلك التي جمعت بين رؤساء وزعماء مصر وبين آخرين في فترات مختلفة من تاريخ المحروسة

الغريب أن هذه الصداقات الغامضة نمت وازدادت تشابكاً لتصل في مراتٍ إلى علاقات مصاهرة، ولتصبح في مراتٍ أخرى مدخلاً إلى علاقاتٍ آثمة

وفي كل الأحوال، كانت مصر هي التي تدفع ثمن تلك الصداقات

إحدى هذه الصداقات تسببت بدرجةٍ أو بأخرى في هزيمةٍ عسكرية قاسية تشبه الجرح الغائر في ذاكرة المصريين
صداقةٌ أخرى، أسقطت ملكاً عن عرشه، وثالثة كانت وراء تورط الدولة في استشارات سياسية معيبة ومشروعات اقتصادية خاسرة

ومع ذلك، استمرت هذه العلاقات "المتينة" بين رؤساء وزعماء مصر وبين آخرين استفادوا من هذه الصداقات، ربما سياسياً أو اجتماعياً، أو اقتصادياً.. لكن الفاتورة الباهظة لهذه الصداقات كانت أغلى من أن نتجاهلها أو نمر عليها مرور الكرام

وربما كانت أجواء الصداقات الجديدة التي تشهدها الساحة السياسية والحزبية في مصر دافعاً لنا كي نفتح هذا الملف الشائك، ونشير بأصابعنا إلى هذه العلاقات: بداياتها، ظروف نموها، تأثيرها على الحياة العامة وصنع القرار السياسي أو الاقتصادي في مصر..والأهم من ذلك كله: حساب "الفاتورة" التي دفعتها مصر ثمناً لتلك الصداقات الغامضة
والمعنى هذه المرة ليس في بطن الشاعر..وإنما على ألسنة الناس

نبدأ بالرئيس المصري أنور السادات والمهندس عثمان أحمد عثمان



يقول عنه الشاعر نجيب سرور في أشهر قصائده الممنوعة:

"أشكول أحمد أشكول
عثمان أحمد عثمان
عثمان يعني التعبان
بالفصحى ومين ها يقول
والباطل فن وكار
وسياسة (...) أفك
ار"

إنه باختصار، أشهر "عثمان" في تاريخ مصر الحديث
حتى إن البعض تحدث متندراً عن "الدولة العثمانية" في عهد السادات
لعب أدواراً مختلفة، وحمل ألقاباً أكثر، وتنقل ما بين وظائف ومناصب أكثر وأكثر، ما بين المهندس،‏ وصبي الميكانيكي‏، والمعلم،‏ والمقاول، والوزير،‏ والأب الروحي‏، ورئيس النادي الإسماعيلي..وصهر الرئيس

ومن حكايته مع السد العالي وحائط الصواريخ، ودوره في الانفتاح الاقتصادي، وعلاقته بعددٍ من رموز الانفتاح ممن هربوا بأموالهم إلى الخارج، مروراً بمشروعات هضبة الأهرام وقبة مسجد الحسين والصالحية..تبدو الشهية مفتوحة لمعرفة أسرار هذا الرجل


بل إنه يكاد لا يوجد شخص وُضِعَت عنه كتبٌ ومؤلفات تتباين فيها الآراء بشأنه، مثل عثمان أحمد عثمان. فإذا كان قد أصدر في إبريل نيسان 1981 كتاباً يحمل عنوان "صفحات من تجربتي" يقع في 648 صفحة من الحجم المتوسط، فإن الكاتب الصحفي عبد الله إمام أصدر في المقابل كتاباً يحمل عنوان "تجربة عثمان: الرد على كتاب المهندس عثمان أحمد عثمان" وصدر عن دار الموقف العربي عام 1981 ويقع في 184 صفحة. وفي العام نفسه أصدر النائب المعروف د. محمود القاضي - الذي رحل عن دنيانا في 9 سبتمبر أيلول 1982- كتابه "البيوت الزجاجية: وجهاً لوجه مع عثمان أحمد عثمان" الصادر عن دار الموقف العربي. كما صدر كتابٌ آخر هو "عثمان..اللغز والأسطورة" للكاتب الصحفي طلعت رميح عن دار سينا للنشر عام 1987

والشاهد أن الفتى اليتيم عثمان أحمد عثمان قَطَعَ رحلةً مثيرة، من حارة عبد العزيز المتفرعة من شارع مكة بحي العرب في مدينة الإسماعيلية..إلى أن وصل إلى ما وصل إليه في قاهرة المعز


يقول عثمان المولود في ‏6‏ إبريل نيسان ‏1917‏ في مذكراته‏:‏ "رحل والدي وأنا في الثالثة وتركني بلا موارد مع ثلاثة أشقاء وشقيقتين‏.‏ أكبرنا لم يتجاوز الثانية عشرة وحسين الصغير لم يزل رضيعاً،‏ وعندما حاولوا إقناع والدتي بالزواج أجابت لن أسعد نفسي،‏ وأشقي أولادي‏..‏ كان والدي يمتلك محلاً للبقالة وبعد وفاته ترك محمد المدرسة ليدير المحل‏..‏ كان عندنا عنزة ننظر إليها كأحد أفراد العائلة اسمها عيدة وكانت توفر لنا بعض مصادر غذائنا‏..‏ كانت أمي التي تقوم بتربية الطيور وبيعها لتغطي التزاماتنا لا تقرأ ولا تكتب لكنها علمتنا الكثير" (عثمان أحمد عثمان، صفحات من تجربتي، المكتب المصري الحديث، القاهرة، 1981)


نشأ عثمان في منزل مبني من الدبش والطين وسقفه "تعريشة"من الخشب وجريد النخيل..ليس فيه دولاب أو سرير..كان أفراد الأسرة يفترشون الأرض عندما يأكلون وعندما ينامون


وفي عام ‏1935 دخل كلية الهندسة بشهادة فقر، ‏إذ لم يكن يملك قيمة المصروفات المقررة وكانت أربعين جنيهاً. وأقام في شقة شقيقته المتزوجة من الشيخ علي حسب الله الأستاذ بجامعة الأزهر الشريف. والشقة تقع تحت الربع بباب الخلق، وكان شقيقه إبراهيم عثمان الطالب أيضاً بكلية الهندسة يقيم في هذه الشقة. وشقيقته هذه هي والدة وزير الإسكان سابقاً صلاح حسب الله، والدكتور عبد المنعم حسب الله المدير التخصصي لشركة المقاولون العرب

قاوم عثمان الحقد على الأغنياء بترديده حكمة أمه‏: "غير‏..‏ومتحسدشي"‏، إذ كان يمشي من منزل شقيقته في باب الخلق إلى كلية الهندسة بالجيزة، حتى استطاعت شقيقته تدبير مبلغ مئة وعشرين قرشا كي يشترك في الترام لمدة ثلاثة أشهر. نظر عثمان إلى النقود وظل يفكر كيف يستفيد من هذا المبلغ لأكثر من ثلاثة أشهر حتى هداه تفكيره إلى شراء دراجة، فسأل عن ثمنها فوجده جنيهين، فعاد بالقطار إلى الإسماعيلية وقصد محل "عجلاتي" وطلب من صاحبه شراء دراجة قديمة متهالكة، فاشترى واحدة ثم جمع القطع الناقصة وأعاد إصلاحها ولم تكلفه سوى ستين قرشاً فقط. وظلت الدراجة مع عثمان أحمد عثمان خمس سنواتٍ كاملة هي مدة الدراسة في كلية الهندسة


في عام ‏1948 قرر الزواج عندما رصد‏ ثلاثين جنيها شهريا للإنفاق على بيت جديد، وكانت العروس سامية هي الشقيقة الثالثة لزوجتي شقيقيه إبراهيم وحسين بنات إسماعيل وهبي المحامي،‏ وفي الصباحية نهض من فراشه في الخامسة صباحاً ليذهب إلى عمله كالمعتاد


بدأ حياته العملية في مجال المقاولات ببناء جراج لطبيب يوناني مستعيراً أدوات البناء التي لا تخرج عن ستة عروق خشب ولوح وسقالة وكان مكسبه منها‏ ستة‏ جنيهات،‏ ومنها بدأت العجلة في الدوران. وكان أول تعامل له مع شركة عبود باشا عام 1947، وأدرج عبد القوي باشا اسم عثمان أحمد عثمان ضمن أسماء المقاولين المقيدين في مكتبه. وفي عام 1950 تولى عملية إنشاء مدرسة البنات الابتدائية بالإسماعيلية. وعندما أصبحت المدرسة جاهزة للتسليم قامت قوات الاحتلال البريطاني بالإسماعيلية بالسيطرة عليها عام 1951 بعد أن أعلنت حكومة مصطفى النحاس باشا إلغاء المعاهدة . امتد عمل عثمان خارج الإسماعيلية لبناء سور مصنع السماد بالسويس.‏ جرَّب حظه عام 1951 ‏في السعودية ليرسو عليه عطاء تنفيذ الكلية الحربية بالرياض،‏ وفيها عرف الملايين عبر مقاولة بلغت قيمتها 7.5 مليون ريال سعودي


لقد هبط المال على عثمان أحمد عثمان فجأة - على حد قوله- وبأكثر مما كان يتوقع، ليوقع بعدها باسمه بالخرسانة المسلحة على الرخام والصخر والأسمنت في الكويت والإمارات والعراق والأردن وليبيا ولبنان


وفي مصر، كانت له بصمته في بناء جسم السد العالي،‏ وبناء قواعد للصواريخ في جبهة قناة السويس أثناء حرب الاستنزاف،‏ إضافة إلى تعمير مدن القناة بعد حرب أكتوبر 1973، وشق طرق وترع، وإقامة مطارات وتشييد جسور وكباري علوية وأنفاق ودشم الطائرات،‏ ومصانع ومساجد ومستشفيات وبنوك ومؤسسات حكومية. وهو الذي أعاد بناء كفر عبده بالقرب من السويس في شهرين،‏ وشق في الجبل نفق الشهيد أحمد حمدي الذي تصدع فجأة بعد فترة من بنائه وتم "إسعافه" بعمليات إصلاحٍ عاجلة


ارتبط اسم عثمان‏ بزراعة الجبل خضرة للنادي الإسماعيلي،‏ وإقامة مستشفى المقاولين العرب فوق الجبل. وعملت شركاته على تشييد عددٍ كبير من المنشآت المهمة في دولٍ مختلفة، مثل ستاد أكرا بغانا، مطار الناضور بالمغرب، كلية الهندسة باليمن، مبنى وزارة المالية بالجزائر، وغيرها الكثير


لكن التحدي الأكبر الذي خاضه في مصر كان عنوانه:‏ السد العالي


فقد أُعلِنَ عن فتح الباب للشركات للتقدم بعطاءاتها للمشروع.. ولما تقدم عثمان لها طلبت الدولة من المقاولين بتشكيل اتحادات فيما بينهم كشرط للدخول في المناقصة، فتعاونت ‏11‏ شركة مقاولات مصرية في تكوين اتحاد لتنفيذ بناء السد العالي،‏ في الوقت الذي تقدمت فيه شركة عثمان وحدها لتنفيذ العمل المطروح، بعد أن تحايل على الشرط بالتحالف مع شركات كرواتية على الورق


وفي 12 يناير كانون ثانٍ عام 1961 أشرف وزير الري والسد العالي المهندس موسى عرفة على جلسة فتح مظاريف العطاء، ليتبين أن عطاء اتحاد المقاولين يبلغ 27 مليوناً، في حين كان عطاء عثمان أحمد عثمان 15 مليوناً فقط


يومها قال عثمان إن الفارق غير موجود تقريباً اللهم سوى أرباح كل شركة من الشركات الإحدى عشرة التي دخلت في الاتحاد، بحيث حددت كل شركة لنفسها مليون جنيه أرباحاً.. فإذا حذفت الأرباح تبين أن العطاء واحدٌ بينه وبينهم
‏لم يصدق المسؤولون أن هذا المقاول يمكن أن يقوم بالعمل وحده وبمبلغ يقل بمقدار 12 ‏ مليونا عن منافسيه، فقرروا أن تشترك معه شركة قطاع عام هي شركة مصر للأسمنت المسلح بنسبة ‏30% . رفض عثمان المبدأ وقرر بدلاً من أن تشترك معه شركة لا يعرف عنها شيئاً أن يتنازل عن ‏50%‏ من شركته للدولة، لكن الدولة رفضت هذا العرض، فرضخ في نهاية الأمر


وفي حين يقدم عثمان شركته على أنها الشركة التي تقف وراء بناء السد العالي، يؤكد سامي شرف سكرتير الرئيس عبد الناصر للمعلومات في كتابه"سنوات وأيام مع جمال عبد الناصر: شهادة سامي شرف" (مكتبة مدبولي، 2006) أن"حجم الأعمال التي أوكلت لشركة "المقاولون العرب" في بناء السد العالي لم تتعد نسبة %12 بميزانية لم تتعد 40 مليون جنيه من جملة التكاليف التي بلغت 330 مليون جنيه. و"المقاولون العرب" قامت بأعمال حفر وهدم. ولم يشرف عثمان أحمد عثمان على أي عملية بل كان المشرفون هم أمين عمر وأحمد عوض

"مصر للأسمنت المسلح كان حجم أعمالها 60 مليون جنيه بنسبة 18 % وهو يعادل مرة ونصف حجم الأعمال الذي أنجزته "المقاولون العرب". وأهم الأعمال كالتبطين للأنفاق وبناء محطات الكهرباء والستارة الرئيسية للحقن قامت بها شركة مصر للأسمنت المسلح والهيئة العامة للسد العالي (ص 109)




على أنه بعد ستة أشهر من توليه بناء السد صدر قرار بتأميم الشركة بعد أن بلغت قيمتها الدفترية أربعة ملايين ونصف المليون جنيه. وهكذا، وبحلول عام 1961 تم تأميم شركته تأميماً نصفياً وأصبح هو رئيساً لمجلس إداراتها، ثم ما لبث أن أصبح التأميم كلياً في عام 1964، كما تغير اسمها من "الشركة الهندسية للصناعات والمقاولات العمومية" إلى "المقاولون العرب" - عثمان أحمد عثمان وشركاه.. وتمكن عثمان من أن يحتفظ بمنصبه فيها أيضاً كرئيس مجلس الإدارة، وتم تجديد رئاسته لمجلس الإدارة مرة أخرى في يوليو تموز 1968


وبذكائه الفطري، حافظ عثمان على توازنه وواصل أداء دوره، رافضا عرض الملك خالد بن عبد العزيز آل سعود الحصول على الجنسية السعودية وأخذ ما يريد من أموال،‏ وتحمل نفقات معيشته مع أسرته في أي مكان في العالم


وكان عثمان قد ذهب إلى صديقه السادات قبل التأميم بأيام فلم يشأ الأخير أن يفاتحه بما سوف يصيبه باعتبار ذلك سراً ملكاً لعبد الناصر وحده‏..‏ ويسأله عثمان بعدها‏:‏ لماذا أمموني؟ وأنا لست من النوعيات التي ينطبق عليها مثل هذا القرار،‏ فلا أنا إقطاعي ولا رأسمالي ولا مستغل ولا محتكر ولا ذنب للاستعمار وما لدي من أموال كونت بها الشركة وحصلت عليها بعرقي من خارج مصر،‏ وأتيت بها لتستثمر لصالحها فيها،‏ ويجيبه السادات‏:‏ هذه أشياء سوف تنتهي وعليك بالصبر

‏وإذا ما كان عثمان قد نفذ حلم عبد الناصر في بناء السد وظل حتى النهاية مؤيدا له ومتعاونا معه،‏ فإنه من بعد رحيله أظهر نفوره من سياسته، حتى أخذ يشير إليه في كتابه "صفحات من تجربتي" بتعبير نظام الحكم بدلاً من ذكر اسمه الحقيقي. أثار الكتاب زوبعة إثر صدوره في إبريل نيسان 1981، لما جاء فيه من انتقادٍ لعبد الناصر، ما اضطر السادات إلى إصدار أوامر بتشكيل لجنة تقصي حقائق لما ورد في الكتاب الذي نوقش في مجلس الشعب


وفي 12 مايو أيار 1981 صدر النص الكامل للتحقيق في وقائع الكتاب. وجاء في النص أن "الكتاب لم يقصد التعريض بذمة عبد الناصر أو النيل من ثورة يوليو"..لكن عثمان يعترف بأنه غضب لتأميم عبد الناصر شركة "المقاولون العرب"، وقال في حديثٍ صحفي له "بأنني زعلت من عبد الناصر شوية بسبب حكاية التأميم"

غير أن الحقائق تشير إلى أن الاعتماد كان متبادلاً بين عثمان والسلطة في عهدي‏ عبد الناصر والسادات

فقد استفاد الاثنان من جهده وشركاته وعلاقاته، وكان هو يحفظ عن ظهر قلب وصية أمه في الصغر.. "اللي مالوش كبير يشتري له كبير"

وجد عثمان في كلٍ من الكبيرين هدفه وطريقه إلى مزيد من النجاح


ويمكن القول تجاوزاً إن جمال عبد الناصر هو الذي وضع حجر الأساس لدولة "المقاولون العرب" عندما أعطى الشركة امتيازاتٍ عدة وسمح لعثمان بممارسة نشاطه داخل مصر وخارجها من دون قيود. أما السادات فهو الذي أسبغ على هذه "الدولة" صفتها السياسية..وربما يعود ذلك إلى "الخلطة السرية" التي يمتلكها عثمان وجمعت بين ثقافة المهندس وشطارة المقاول

ولذا فسر البعض موقف عثمان بأنه لم يكن كراهية لعبد الناصر، بقدر ما كان ثمناً لموقعه المقرب من السادات

ويروي نائب رئيس تحرير جريدة "الجمهورية" عبد الوهاب عدس في مقال له تفاصيل مهمة حول علاقة عثمان أحمد عثمان بالرئيس عبد الناصر، فيقول: "قلت له (يقصد عثمان) كيف كانت علاقتك بالرئيس الراحل جمال عبد الناصر في ذلك الوقت.. فقال لي عثمان أحمد عثمان: في أول زيارة لعبد الناصر للسد العالي وبعد انتهاء جولته.. وقف عبد الناصر يسأل: أين عثمان أحمد عثمان؟.. وكنت بجواره.. فقلت أنا يا ريس.. فاندهش عبد الناصر.. ورد علي قائلا: أنت عثمان.. اللي لابس أفرول.. وبتلف معانا طول النهار أنا كنت فاكر عثمان بكاتينه دهب وجالس في مكتبه في القاهرة.. وأضاف عثمان: أنا هنا يا ريس مقيم في هذه الخيمة إقامة كاملة وسط أبنائي العاملين، فقال عبد الناصر وهو يبتسم برافو عثمان.. وقبل أن يغادر عبد الناصر موقع السد العالي.. التفت لعثمان وقال له: مش عاوز حاجة يا عثمان.. فرد عثمان قبل أن يترك يد الرئيس.. أيوه يا ريس.. الجماعة اللي بيقيموا أصول المقاولون العرب تعبونا يا ريس.. فاتجه الرئيس عبد الناصر إلى المشير عبد الحكيم عامر وزير الحربية في ذلك الوقت والذي كان يرافقه وقال: ريحوا عثمان.. يا عبد الحكيم.. الراجل بيبني لنا السد العالي"


ويقول عثمان إنه بعد أن بنى فيلا لكل من كريمتي عبد الناصر بالأمر على قطعة أرض بمصر الجديدة، استدعته رئاسة الجمهورية وسألته عن التكاليف فرفض تقاضي أجر ورد أنها لم تتكلف شيئاً، فنهره ضابط الرئاسة ووبخه وقال له إنهم لا يريدون هدية من أحد ولابد من دفع ثمن بناء المنزلين
أصيب عثمان بحرجٍ بالغ وتضايق من هذا التقريع وتلك الإهانة، وقال إن البناء تكلف خمسة آلاف جنيه، بواقع ألفين وخمسمئة للفيلا، وهو مبلغ رمزي فقط حتى يتحاشى تطاول لسان ضابط الرئاسة بالرغم من أن الفاتورة الحقيقية هي مئة ألف جنيه، أي بواقع خمسين ألفاً لكل فيلا
ويضيف عثمان أنه مع ذلك، فقد فاصل ضابط الرئاسة لأنه استكثر الثمن الرمزي هذا، وطلب منه خفض المبلغ إلى ألف وخمسمئة جنيه لكل فيلا، فوافق على الفور وتم تسليمه شيكاً من الرئاسة بمبلغ ثلاثة آلاف جنيه
غير أن هذا الكلام أثار ردود فعلٍ واسعة، وانتقاداتٍ حادة لرواية عثمان
وفي كتابه "سنوات وأيام مع جمال عبد الناصر: شهادة سامي شرف" يقول المؤلف: "وعندما أصدر عثمان أحمد عثمان كتابه "تجربتي" وادعى فيه أن منزلي السيدتين هدى ومنى جمال عبد الناصر لم تُدفَع تكلفتهما الكاملة لأنهما بُنيا لابنتي رئيس الجمهورية السابق.. سارع الرئيس السادات بالتنصل مما جاء في كتاب صهره ورفيق مجلسه الدائم اتقاءً لرد الفعل الشعبي الذي كان قد بدأ يفصح عن نفسه في ذلك الوقت"

وبين زعيم رحل..ورئيس وصل، كان عثمان قادراً على أن يصطاد العصافير التي يريد على شجرة الحكم

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

13 التعليقات على "ثمن الصداقة في حكم مصر (1): المقاول والرئيس"

أكتب تعليقا