نجوم على القوائم السوداء (2): هروب الزئبق وسقوط الحوت

| |






لا يكتمل موضوع الهروب من مصر، إلا بالحديث عن الرجل الزئبقي: أشرف السعد
ورجل الأعمال المقيم في لندن والذي يطل علينا من خلال القنوات الفضائية بلحيته الكثيفة مدافعاَ عن نفسه أو معبراً عن آرائه، لم يكن لحظة خروجه في المرة الأولى مدرجاً على قوائم المنع من السفر. فقد فرضت الحكومة المصرية الحراسة على ممتلكات رئيس مجموعة السعد للاستثمار لمدة 15 عاماً، بعد أن تبين تورطه في فضيحة شركات توظيف الأموال، إذ وصلت قيمة الأموال التي كان يديرها إلى نحو مليار جنيه، جمعها من خلال 82 فرعاً لشركاته في فبراير شباط عام 1991 بدأت رحلة السعد الأولى مع الهرب، حيث سافر إلى باريس عام 1991 بحجة العلاج، وبعد هروبه بثلاثة أشهر صدر قرارٌ بوضع اسمه على قوائم الممنوعين من السفر. وحُكِمَ عليه بالسجن لمدة سنتين بتهمة إصدار شيك بدون رصيد
وفي يناير كانون ثانٍ عام 1993 عاد أشرف السعد فجأة لتتم إحالته إلى محكمة الجنايات لعدم إعادته 188 مليون جنيه للمودعين بالإضافة إلى ثماني تهمٍ أخرى
وفي نهاية ديسمبر كانون أول عام 1993 أخلي سبيله بكفالة قدرها 50 ألف جنيه مع تشكيل لجنةٍ لفحص أعماله المالية، إلا أنه سافر مرة أخرى للعلاج في باريس في 4 يونيو حزيران عام 1995 ولم يعد حتى الآن. ومن الغريب أن مسؤولين كباراً كانوا بين المودعين في شركات السعد لتوظيف الأموال، إلا أنهم حصلوا على أموالهم قبل إحالته إلى المحاكمة
وإذا كانت القضايا المطلوب فيها أشرف السعد قد سويت، بعد أن قام المدعي الاشتراكي برد أموال المودعين في شركاته، فإنه مازال يرفض العودة، وانضم مؤخراً إلى جبهة إنقاذ مصر، وهي جماعة سياسية معارضة من الخارج
وعلى غراره أيضاً رجل الأعمال رامي لكح الذي أدرج النائب العام اسمه بعد يأسِ أحد وزراء المجموعة الاقتصادية من محاولة إقناعه بالعودة وسداد مديونياته. وكان الوزير نفسه قد نجح في مرةٍ سابقة في إقناعه بالعودة في ظروفٍ مشابهة. وبالفعل عاد رامي، وفي اليوم الذي نشرت الصحف فيه خبر عودته إلى القاهرة نشرت أيضاً خبر إحالة رجل الأعمال مصطفى البليدي إلى محكمة القيم وفرض الحراسة عليه وعلى أولاده. وكان قرار المدعي الاشتراكي كذلك هو منعه من السفر، إلا أن قرار المنع جاء بعد أن هرب مصطفى البليدي بالفعل قبل أكثر من شهرين

في المطار، أعلن رامي لكح اعتزامه خوض انتخابات مجلس الشعب بصفة مستقل، ونفذ وعده ونجح في الفوز بمقعد نيابي، لكن الصحفيين لاحظوا عند وصوله من باريس أنه دخل البلاد بجواز سفرٍ فرنسي. ولدى سؤاله عن ذلك قال بأسلوبٍ لا يخلو من التباهي: "أنا معي جنسية مزدوجة "

ولم يكن رامي لكح يدرك أن هذه الجنسية المزدوجة ستدخله متاهاتٍ وتقصيه عن مجلس الشعب

فقد نشرت صحيفة "الأهرام" خبر وصوله في اليوم التالي مع إشارةٍ عابرةٍ إلى دخوله بجواز السفر الفرنسي. وكانت هذه الإشارة كافية لفتح ثغرة في جدار قلعة رامي لكح الذي هرب إلى فرنسا، وسط أنباءٍ تتواتر بين فترة وأخرى عن مساعٍ تُبذل لتسوية مديونياته للبنوك الدائنة
وبالرغم من تحديد مكان هروب رامي لكح في فرنسا وضبطه، فإن السلطات هناك رفضت تسليمه وإعادته لمصر، لأنه يحمل الجنسية الفرنسية. ويعيش لكح في باريس حيث يدير شركة "لافاييست" الصحافية وشركة الطيران الخاصة "بورال إير" كما امتلك أيضاً صحيفة "فرانس سوار"

وضمت قوائم الإدراج رجل الأعمال عمرو النشرتي الذي كان يملك فرع شركة "سينسبري" في مصر، والذي لا يعرف أحدٌ كيف نجح في الهروب من مصر إلى بريطانيا. وكانت محكمة مصرية قد أصدرت حكماً بسجن عمرو النشرتي 15 عاماً وشقيقه هشام 7 سنوات وسعيد سيف اليزل 10 سنوات (مسؤول في شركة النشرتي) بعد إدانتهم بالاستيلاء على أموال بنك قناة السويس والبنك الوطني بدون ضماناتٍ أو بعضها وهمية، وغسل الأموال والتربح والرشوة والتزوير في أوراق رسمية
وبعد الهرب من مصر، أقام عمرو النشرتي في لندن، ليدير عدداً من المشروعات التجارية بعد أن استطاع الحصول على توكيلات لشركات عالمية، أما هشام فإنه يمتلك مجموعة فنادق بمدينتي لوزان وجنيف في سويسرا، ويديرها من هناك
وفي قائمة الهاربين أيضاً إيهاب طلعت، إمبراطور الدعاية والإعلان، والذي اتهم في قضايا عدة من قبل مع عبدالرحمن رئيس مدينة الإنتاج الإعلامي
وظل عبد الحكيم عبد الناصر نجل الرئيس المصري جمال عبد الناصر مدرجاً على تلك القوائم إلى أن توسط زعيم عربي لدى السلطات المصرية، قبل أن يساهم في تسوية مديونيات عبد الحكيم وإنهاء متاعبه المالية. ولم تكن هذه هي المرة الأولى التي يُوضَع فيها اسم أحد أبناء عبد الناصر على قوائم ترقب الوصول، فقد سبقه إلى ذلك شقيقه خالد عبد الناصر، عندما ورد اسمه في قضية تنظيم "ثورة مصر" الذي اغتال وأصاب بعض أعضاء السفارة الإسرائيلية في ثمانينيات القرن الماضي

ولسنواتٍ، تمكن رجل الأعمال الفلسطيني محمد علي الصفدي، أو "حوت السكر" كما كان يطلق عليه، من الهروب - عبر أحد الموانىء - من مديونيات وأحكام في قضايا تتعلق باتهامه بتحرير شيكات بدون رصيد لصالح شركات وبنوك. وكان الصفدي أقام في مصر شركة مجمع "الأخوة العرب" الصناعي وهو شركة مساهمة مصرية، قبل أن يتورط في قضايا مالية، هرب بعدها من البلاد إلى أن تمت استعادته من السعودية في منتصف العام 2004، نتيجة تعاونٍ بين الإنتربول المصري والسلطات السعودية


وسبق الصفدي في الهروب رجل الأعمال حاتم الهواري الذي تم إدراج اسمه مرتين، نجح في الأولى في التفاوض والعودة معززاً مكرماً، لكنه سرعان ما تورط مجدداً في مديونيات وقروض، قبل أن يتمكن من الهروب إثر إدراج اسمه على قوائم المنع من السفر. وقيل إنه هرب عن طريق لنش بحري من الغردقة، ثم استقل بعد ذلك إحدى السفن. وترك الهواري الذي هرب إلى كندا عام 1997، وراءه مديونيات ضخمة للبنوك والشركات والأفراد تقترب من 2 مليار جنيه، معظمها قام بتحويلها في حساباته بالخارج، بمساعدة شركتين ثبت قيامهما بعمليات غسيل أموال، حيث ساعدتا الهواري في تقديم بيانات ومستندات وهمية وبوالص شحن مزورة، واستطاع الهواري من خلالهما أن يحصل على 300 مليون جنيه من بنكي القاهرة والأهلي، ليحولها بعد ذلك إلى البنوك الأجنبية بالدولار. كان والد حاتم الهواري أيضاً قد سبقه بالهروب إلى كندا، بعد أن حصل على عدة ملايين من البنوك، لكن حاتم تفوق على والده وتجاوز المليار جنيه قروضاً من خلال عدد ضخم من الشركات الوهمية تجاوزت 13 شركة، أسند إدارتها إلى عدد من أقاربه . ويقيم الهواري حالياً في شقة أنيقة في لندن، ويمتلك محلاً شهيراً للأزياء يتردد عليه المشاهير في حي "ماي فير" بوسط العاصمة البريطانية
المفارقة في حادث هروب رجل الأعمال متعدد الجنسيات عادل آغا - يحمل جنسيات سورية وأمريكية ومصرية- إلى خارج مصر يوم ٧ يونيو حزيران 2008، المتهم فيها مقدم وأمين شرطة، أن التحقيقات كشفت عن مفاجأة أكبر، إذ تبين أن الهارب كان قد دخل مصر في عام ٢٠٠٦ دون القبض عليه، بالرغم من أنه مدرجٌ علي قوائم ترقب الوصول

وبحسب مقدم الشرطة فؤاد وليم فؤاد، الذي اتهم بتسهيل هروب آغا بأوراق مزورة، فإن الأول كان معيناً في ٧ يونيو حزيران 2008 ضابط إجراءات من الساعة ١٢ بعد منتصف الليل، وتقدم له راكب بجواز سفر أمريكي ضمن ركاب الطائرة المتوجهة إلى فرانكفورت، باسم عادل جوزيف عادل، وأضاف أنه كان رجلاً مسناً، يسير مستعيناً بعكاز


وأضاف وليم في أقواله، أن المسافر قدم جواز سفر دون أختام تثبت دخوله البلاد، وبرر ذلك بأن جوازه فقد واستخرج من القنصلية الأمريكية بديلاً عنه، كما قدم صورة من جواز سفره المفقود يثبت بها تاريخ وصوله في ٧ أكتوبر تشرين أول ٢٠٠٦، فتم الاتصال بقسم التحركات للكشف عن تحركات المسافر. كما تم الاتصال برئيس قسم جوازات مطار برج العرب العقيد يسري خضر، الذي كان في مأمورية بالعلمين، فأوصى بالكشف عليه، وقال: "إذا كان سليم.. أعمل له كارت وسفره"

أما أمين الشرطة خميس محمد إبراهيم فقال في تحقيقات النيابة، إنه ربما سحب أوراق الكشف بشكل خاطئ، فالتصقت ورقتان معاً، ما أدى إلى عدم الكشف عن اسم الراكب عادل جوزيف، فوضع الختم على "الكارت" الخاص به بطريق الخطأ. يذكر أن عادل آغا كان مطلوباً للمحاكمة والمثول أمام جنايات القاهرة في أول سبتمبر أيلول 2008، لاتهامه بالاستيلاء على مليار جنيه من بنك القاهرة، وبلغت مديونياته بالفوائد 2.6 مليار جنيه

وعن الفن وقوائم الترقب والمنع، حدث ولا حرج

وقد تم إدراج اسم الفنانة اللبنانية سوزان تميم - التي عُثِرَ على جثتها مقتولة في دبي في 29 يوليو تموز 2008- على قائمة الممنوعين من السفر من مصر بعد أن أصدر قاضي التحقيق في لبنان مذكرة غيابية بحق سوزان سجلت تحت رقم 41/2386 وذلك بناء على شكوى عادل معتوق.. ثم صدور مذكرة توقيف دولية عن قاضي التحقيق في بعبدا تحت رقم 1425/2004 وعممت بواسطة منظمة الإنتربول الدولية
وفي أغسطس آب 2004، ألقى الإنتربول المصري القبض عليها في مطار القاهرة، أثناء محاولتها مغادرة الأراضي المصرية، وذلك بناء على طلبٍ من نظيره اللبناني الذي يبحث عنها بتهمة "سرقة 230 ألف دولار من زوجها" عادل معتوق في بيروت، ثم أخلت السلطات القضائية المصرية سبيلها بكفالة من السفارة اللبنانية. غير أن سوزان نجحت في الخروج من مصر بالرغم من قرار منع السفر، ولم يعرف أحد بالأمر إلا بعد أن أصبحت في لندن ثم دبي التي شهدت نهايةً دامية لحياتها
ومن نجوم الفن الذين انضمت أسماؤهم إلى قوائم ترقب الوصول
الفنانة ماجدة الخطيب بعد هروبها إلى أثينا لصدور حكم قضائي بحبسها لمدة عام، إثر حادث سيارة قتلت فيه رجلاً بطريق الخطأ، وأقنعها محاميها بالسفر إلى الخارج قبل النطق بالحكم، ولدى صدور الحكم تم إدراج اسمها على قوائم ترقب الوصول، لكنها صممت على العودة إلى مصر وتقديم استشكال. وبالفعل، عادت ونفذت الحكم بالحبس، ثم استأنفت نشاطها الفني بعد الإفراج عنها

ودفع عدد كبير من نجوم الفن العرب ثمن الحب والغيرة

فقد جرى ترحيل الفنانة اللبنانية نبيلة كرم بشكل مفاجىء من القاهرة بحجة أنها شخصية غير مرغوب في وجودها. وألقي القبض عليها أمام باب المسرح، حيث كانت تستعد للمشاركة في بطولة مسرحية جديدة، ولم يشفع لها زواجها من مصري. وقيل إن إبعادها جاء نتيجة نفوذ وزير داخليةٍ سابق، سعى إلى إبعادها عن نجله الذي اشتهر بالمغامرات العاطفية ووقع في حبها
أما المطربة السورية ميادة الحناوي فقد تم ترحيلها من مصر بسبب الغيرة الشديدة من جانب نهلة القدسي زوجة الموسيقار محمد عبد الوهاب، حتى أنها لجأت إلى المطربة فايدة كامل زوجة وزير الداخلية النبوي إسماعيل، وقيل إنها وعدتها بأن تشدو بأغنيةٍ وطنية من ألحان عبد الوهاب إن هي ساعدتها في إبعاد ميادة الحناوي. ونجحت الصفقة في ترحيل ميادة ووضعها على قوائم المنع من دخول البلاد، لتؤدي فايدة كامل الأغنية الموعودة

واللافت للانتباه أن إدراج بعض الفنانين العرب على قوائم المنع من دخول مصر كان شفهياً في أحيانٍ عدة، إذ يتم إبلاغهم بذلك أثناء وجودهم بالخارج، مع "نصحهم" بعدم العودة. وقد يكون ذلك لأسباب سياسية مثلما حدث مع وردة الجزائرية في ستينيات القرن الماضي، وقيل إن الفنانة برلنتي عبد الحميد زوجة وزير الدفاع آنذاك المشير عبد الحكيم عامر، كانت وراء القرار. وبالفعل لم تعد وردة إلى مصر إلا في عهد الرئيس المصري أنور السادات

ومن النجمات اللاتي عانين لفترةٍ من المنع من دون سببٍ واضح المطربة اللبنانية ماجدة الرومي، بعد أن كال لها البعض اتهامات بمهاجمة مصر، مع أن ماجدة نفت ذلك جملة وتفصيلاً، قائلةً إنها نصف مصرية – من جهة الأم- فكيف تهاجم نصف كيانها تكوينها. وبعد سنواتٍ، عادت ماجدة الرومي إلى القاهرة بعد رفع قرار المنع

أما المطرب السوري مجد القاسم فتم ترحيله من مصر بسبب غضب السلطات المصرية من شقيقه فيصل القاسم مقدم برنامج "الاتجاه المعاكس" على قناة الجزيرة، وسط صيحات مجد بأنه غير مسؤول عن تصرفات وأقوال شقيقه. سرى قرار الإدراج لمدة تقترب من ستة أشهر، وحظي مجد بتعاطفٍ شعبي وإعلامي كبير، خصوصاً بعد رسالة استعطافٍ مؤثرة نُشِرَت في "بريد الأهرام"، ما دعا الجهات الأمنية إلى رفع اسمه من قوائم المنع، والسماح له بالعودة


كما تم منع المطربة اللبنانية نجوى كرم من دخول مصر، بعد أن تداولت صحف عربية خبراً - تبين لاحقاً عدم صحته- عن إساءتها إلى الرسول الكريم في حوار لها على إحدى القنوات الفضائية. وهكذا فوجئت نجوى لدى حضورها للقاهرة وبرفقتها شقيقتها على متن الطائرة اللبنانية المقبلة من بيروت بأن اسمها مدرجٌ على قوائم المنع من دخول مصر، ما دفعها إلى العودة على متن الطائرة ذاتها


ومن ألغاز قرارات الإدراج والمنع ما حدث عندما منعت سلطات الأمن في مصر الأمير عبد الرحمن بن ترك من السفر إلى اليابان على متن الخطوط الجوية السنغافورية، لوجود اسمه على قوائم المنع بناءً على طلب النائب العام. وبعد 48 ساعة فقط تم رفع الاسم والسماح للأمير عبد الرحمن بن ترك بالسفر. وقيل إنه كان هناك خطأ في إدراج الاسم، نظراً لانتهاء القضية التي جرى إدراجه على أساسها

وإذا كان كلام كثير قد أثير حول منع الداعية الإسلامي عمرو خالد من العودة إلى مصر، فإن أجهزة الأمن المصرية منعت الداعية الإسلامي الحبيب علي زين العابدين الجفري -اليمني الجنسية- من دخول البلاد. وقيل إن السبب في ذلك تَدخُلُ وزير مرموق، لتأثير الداعية اليمني على عددٍ من نجمات الفن ونجاحه في إقناعهن بالاعتزال. وبعد 48 ساعة سُمِحَ بدخول الحبيب علي الأراضي المصرية، بعد تَدخُل شخصياتٍ عربية كبيرة


ومن أشهر قصص الإبعاد عن مصر، قصة طرد سيدةٍ سورية كانت تحضر حفل زفاف إحدى سيدات المجتمع في مدينة الإسكندرية، بعد أن تعدت على بعض المدعوات بالضرب والسب والقذف وتفوهت بالفاظ وعباراتٍ ماسة بالشرف والعرض، وقالت بالحرف الواحد: "أنتوا المصريات نصفكم خدامات للعرب ونصفكم عاهرات للسواقين العرب". تم تحرير محضر لهذه السيدة برقم 1999 وتقدمت السيدات المعتدى عليهن بطلبٍ إلى وزير الداخلية بطرد السيدة السورية من البلاد، وأرفقن بالطلب صورة من التحقيقات


والأهم من قصة هذه السيدة - التي لا تمثل إلا نفسها ولا تجسد إلا موقفها، بعيداً عن أي نعرة شعبوية لدى البعض- هو منطوق الحكم الذي صدر ضدها والذي وضع بشكلٍ مفصل، ربما لأول مرةٍ، قواعد إبعاد الأجانب عن مصر. وجاء في هذا الحكم "إن الأجنبي عندما يخرج على النظام العام للدولة أو يهزأ بشعبها ويهين كرامة أبنائها ويخدش حياءهم وكبرياءهم ويتطاول على حرماتهم وأعراضهم، وهو قابعٌ على أرضهم ينعم بالإقامة فيها ولا يكترث بأحاسيسهم ومشاعرهم، فإن إبعادَ هذا الأجنبي عن البلاد أو منعَ دخوله إليها لا يكونُ مجرد حقٍ للدولة تترخص في استعماله كيفما تشاء ولكنه يصبح واجباً والتزاماً قومياً"


وفي الوقت الذي كان العالم يتابع فيه أنباء تفجيرات وهجمات الحادي عشر من سبتمبر أيلول في الولايات المتحدة، كانت أجهزة الأمن في صعيد مصر ترصد تحركات عددٍ من الأجانب وفدوا فجأةً إلى مصر بحجة أنهم مراسلون أجانب يجرون تحقيقات صحفية عن أسر المتهمين بالإرهاب
البداية كانت في أسيوط، وبعد أحداث سبتمبر مباشرة، حيث ضبطت أجهزة الأمن المصرية شخصاً أمريكياً يدعى جورجي قال إنه يعمل محرراً صحفياً في جريدة "واشنطن بوست"، وغنه حضر إلى مصر بعد هجمات سبتمبر بنحو أسبوعين وأقام في القاهرة لمدة ثلاثة أيام، ثم سافر إلى أسيوط كمحطةٍ أولى لعددٍ من المدن في صعيد مصر، حاملاً معه قائمةً كاملةً بأسماء القيادات الإرهابية الهاربة وأسرهم وأماكن إقامتهم
واسترعى انتباه الأمن المصري أن هذا الرجل لم يكن يحمل معه أي تصريح من هيئة الاستعلامات بالعمل في مصر، وقد تم ترحيله بعد ضبطه بأسبوعين


وفي الوقت الذي لم تكن فيه أجهزة الأمن في صعيد مصر قد أفاقت من قصة جورجي، وقع في قبضتها مواطن أمريكي ثانٍ يدعى دبلر نزونينست، ادعى هو الآخر أنه يعمل محرراً صحفياً، وكان يجوب أرجاء الصعيد بحثاً عن قيادات إرهابية هاربة. وقد جرى ترحيل دبلر صباح يوم 29 ديسمبر كانون أول عام 2001 برفقة ضابط أمريكي وأحد أعضاء السفارة الأمريكية في القاهرة
وقال المتحدث الصحفي باسم السفارة الأمريكية إن دبلر رُحِلَ من مصر على اعتبار أنه مطلوب جنائياً لدى إحدى محاكم نيويورك، نظراً لأنه مشتبه به، ويواجه اتهاماتٍ عدة
أما ما الذي كان يفعله في صعيد مصر، فهذا هو اللغز الذي يحتاج إلى تأمل


ودائماً، في قضايا الترحيل والمنع من السفر وترقب الوصول، لله في خلقه شؤون..وشجون أيضاً

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

19 التعليقات على "نجوم على القوائم السوداء (2): هروب الزئبق وسقوط الحوت"

أكتب تعليقا