كتاب الرغبة (16): مدينة النعناع..ودرب الزعفران

| |





"بعنايةٍ فتحت بيد ثوبها وعرضت لي ثديين ناعمين دافئين كما لو تقدمُ يمامتين حييتين للإلهة. أحبيهما جيّداً، قالت لي، فأنا أحبُهما جداً، إنهما حبيبان، أشبه بطفلين صغيرين. عندما أكونُ وحيدة أهتمُ بهما. ألعبُ معهما، أمتّعهما. أغسلُهما بالحليب. أرشُ عليهما مسحوق الزهر. وشعري الناعم الذي يمسحهما جدُ عزيز على أطرافهما الصغيرة. أداعبُهما برعشة. أمددهما في الصوف ليناما. وبما أنه لن يكونَ لي أطفالٌ أبداً، كوني، يا حبيبتي، رضيعاً لهما، بوّسيهما مكاني، بما أن فمي بعيد عنهما"
(بيير لويس، قصيدة "ثديا مناسيديس"، ديوان "أغاني بيليتيس" (Les Chansons de Bilitis),The songs of Bilitis، 1845)


هذه روايةٌ تدورُ أحداثُها في أفق شخصياتٍ نسائية، وعلاقاتهن المثلية

سهام، ليال، نور، ميمي.. هن نساء الروائية إلهام منصور، وهن في معظمهن مثقفات وتلميذات وجامعيات وربات بيوت ينفردن في قراءة واقعهن وتحليله، وقد يستغرق ذلك صفحاتٍ عدة تخرجُ الرواية عن سِكتها وتدخلها في تداعيات نفسية وتحليلية

وعلى الرغم من تباين مستواهن التعليمي والثقافي فإنهن يطرحن أنفسهن بجرأةٍ، في إطار عالم المثلية النسائية، ويغدو التعبير عن مشاعرهن وعواطفهن لغة يفيض قاموسها بمفرداتٍ وجمل إنشائية، غالباً ما تتبادلها المراهقات فيما بينهن. وفي إطار محاولاتِ التقارب التي يقمن بها باتجاه بعضهن البعض، تسقط الرواية في فخ اللغة المباشرة

في هذه الرواية ("أنا هي أنتِ"، إلهام منصور، رياض الريس للكتب والنشر، 2000) تبرز بكثير من الجرأة والصراحة والعفوية مسألة تشكل هاجساً مرعباً عند كثيراتٍ تقودهن الظروف الاجتماعية والنفسية إلى علاقاتٍ مثلية، لا ترضي فيهن موضعَ الشبق وحسب، وإنما عطشهن إلى المستحيل

أما الكاتبة فهي إلهام منصور، أستاذة الفلسفة في الجامعة اللبنانية، والروائية، والتي صدرت لها مجموعة من الروايات والدراسات الفلسفية المختلفة

ومع أنّ روايتها التي بين أيدينا تتناولُ موضوع العلاقات المثلية بين النساء، فإنها تقول إن الجنسَ في كتبها ليس ابتذالاً، بل على العكس هو جزءٌ مهم من الحياة، وهي تضعه في مكانِه الضروري داخل النص


وفي حديثٍ صحفي أُجريَ معها، تقول إلهام منصور: "بعد كتابة "أنا هي أنت" سمعتُ أسئلة من هذا النوع ولو أنها أسئلة غير مباشرة. كان جوابي دائماً: لو كنت سحاقية لما ترددت لحظة في إعلان ذلك. لكن لدي صديقات عديدات أحبهن، وليس الحب لشخصٍ من جنسنا نحن النساء بالضرورة حباً مثلياً، كما يحلو لبعض الأذهان الغبية اعتباره"

وتضيف الروائية اللبنانية قائلة: "الجنسُ في الكتب الأخرى لا يدخلُ في تفاصيل العلاقة ولكنه يدخل في الكتابة الإيروتيكية الإيحائية وبعض القراء والنقاد، خاصة في رواية "أنا هي أنت" طالب بتفصيلات حول هذا الموضوع، ولكنني مقتنعة بما قمت به؛ لأن التفصيل هنا لا يضيفُ شيئاً إلى الرواية"


الرواية التي تقع في 215 صفحة، مليئةٌ بالحشو والدروس التي تربط بين ثقافة الغرب والتحرر الجسدي، والفقرات التي تتحدثُ عن تاريخ المثلية وتفسيرات هذا السلوك لدى فريقٍ من النساء. والمشكلة الحقيقية هي أن هذا العمل الروائي لا هو بالدراسة الاجتماعية أو التاريخية الموثقة، ولا هو بالنص الذي يفيض رقةً وشاعريةً. غير أن مصدر تَفرُدِها يعودُ ببساطة إلى أنها قد تكونُ أولَ روايةٍ عربية معاصرة مكتوبةٍ من السطر الأول وحتى السطر الأخير عن العلاقاتِ المثلية بين النساء، بل إنها رواية يغيبُ فيها الرجل، لتكون كلُ بطلاتها من النساء

نلتقطُ خيطَ البدايةِ مع الفتاة سهام، التي تتذكرُ فِعلَ السحر في لمساتِ أمها لها أمام التليفزيون، وهي تُمسِدُ لها عنقها وظهرها

"أجلسُ بالقرب منها على الأرض أضع رأسي على ركبتها فتُدخل يدها من قبة قميصي وتبدأ حفلة الدغدغة التي كانت تؤدي بي أحياناً إلى النوم وغالباً إلى اللجوء إلى سريري لممارسة تلك العادة" (ص 10)

وللنساءِ ملعبُ خيالاتٍ لا ينضب

بعدها يأتي دور أستاذتها في المدرسة التي كانت تحاول بأية طريقة أن تلامس جسدها. ظلت الفتاة تنفر من أنوثتها ومظاهرها البادية عليها، ربما بسبب سرٍ تفصح عنه لاحقاً: تحرش الأب

"لماذا لم يخلقني الله امرأةً طبيعية، هل يمكن أن يكون ذلك النذل هو الذي أفسد حياتي كلها؟ لقد مات الآن، ويا ليت كل الذين مثله يموتون، الكل يعتقد أنه مات بسكتةٍ قلبية وأنا متأكدة أنه انتحر بعد فِعلتِه الشنيعة تلك. صحيحٌ أنه كان ثملاً ولم يدر ماذا يفعل، لكن هل الإسراف في الشرب جعله لا يميز بيني وبين أمي؟ هل اختلطت لديه الأمور إلى هذه الدرجة كما حاول أن يقول، أم أنه، بلا وعيه، كان يشتهيني أنا؟ إلى متى سأحتفظ بهذا السر الذي كاد يقضي علي وعلى كل ما أطمح إلى تحقيقه؟ ربما كان من الأفضل لي أن أعرض قصتي على طبيبٍ نفساني" (ص 71)

لعبةُ التخيلِ تأخذ أبعاداً أخرى، حين نجد سهام تَعدِلُ عن هذه الرواية التي تتهم فيها الأب، فتلقي عليها ظلالاً من الشك، قائلة: "تريدين الحقيقة؟ ما عدتُ أذكر تماماً إن كان ذلك الحادث قد وقع فعلاً. أحياناً كثيرة يتراءى لي أنه من صنع خيالي. أحياناً كثيرة يتراءى لي أنه من صنع خيالي، كما لو أنني افتعلته لأبرر به ميولي الحالية. في الحقيقة ما عدتُ أدري إن كان قد حصل فعلاً أو أنه كان رؤيةً حصلت لي وأنا بين النعاس والنوم. رأيته يدخل غرفتي وأنا مستلقية على سريري، نام بجانبي وكان عضوه منتصباً، صرختُ به فخرج مهرولاً واختفى. هل أتى فعلاً؟ هل كنت أحلم؟ لا أستطيع الجزم. كل ما أذكره الآن هو أنني كنتُ أغارُ على أمي منه، كنتُ أريدها لي وحدي، كنتُ أنزعجٌ جداً حين كانا يدخلان غرفتهما ويقفلان الباب. ربما كنتُ أريدُ أن يفعلَ ذلك معي كي تكرهه أمي" (ص 103)

ولأن الذنبَ خفي، ولأن الذنبَ مراوغ، نحملُ على أكتافِنا جثة الشمس، لنواريها في فناءِ البيت، أو بين شقوقِ الذاكرة

وبسبب تردي الوضع الأمني في لبنان، تقرر الأم إرسال الابنة إلى باريس حتى تستكمل دراستها في المرحلة الثانوية
في باريس، التقت سهام زميلتها الفرنسية كلير، لتبدأ رحلتها الأولى في عالم المثلية

وفي بلاد الاغتراب، يمكنكَ أن تملأ حلقَ الآخرين بالغبار دون أن تجرحَ القانون أو الهواء

"كانت سهام قد أصبحت لا تستطيع العيش من دون كلير التي ملأت صورتها كل فضائها الواعي واللاواعي تماماً كما أصبحت صورتها هي تسكن كل عالم كلير. عشقٌ متبادل لا تعكّره المحرمات لأنهما من جنسٍ واحد" (ص 14)

مشروعُ ضحيةٍ: الكائن الرخو
رائحة الخضوع، ولون المسايرة، وملمس المجاملة..حواسُ تقود إلى الفريسةِ التي ارتضت طوعاً الانضمام إلى النادي الكبير، المسمى الرخويات

دامت العلاقة بين الفتاتين حتى فترة الربيع، إلى أن قررت الأم زيارة ابنتها والاطمئنان عليها، الأمر الذي أصبهما بالقلق والحزن لأنهما ستفترقان لفترة. "ليلة وصول أم سهام أحضرتا المشروب والأكل والسجائر وجلستا معاً تمارسان كل ما يحلو لهما تحقيقاً لرغباتهما المتماثلة، واستمرتا حتى الصباح في شبه انخطاف، كل واحدةٍ مأخوذة بالأخرى التي تعشق" (ص14)

تلتقطُ الأم تلك التفاصيلَ المربكة عن علاقةِ ابنتها بالفرنسية كلير، وميول سهام المثلية، حتى تحين لحظة المواجهة. "اعترفي الآن ما هي علاقتك بكلير؟ أنا لست غبية وما أحدس به هو حتماً صحيح يا سافلة!" (ص 21)

أمام هذا التعبِ الآثمِ تصمتُ، ربما كي تحميَ خيبتها!
والصمتُ، صراخٌ لا يمكن شرحه

ردُ فعل الأمِ تَمثلَ في الاتصال هاتفياً بكلير ونعتها بأسوأ الصفات، وتهديدها إن هي اقتربت من سهام أو تكلمت معها بعد الآن. تصارحُ كلير في غضبٍ صديقتها بتهديد الأم ثم تسألها بأسلوب استنكاري قائلة: "ألهذه الدرجة أنتم متأخرون في لبنان؟ تقولين إن أمك مثقفة وواعية جداً فما هذه الثقافة وما هذا الوعي؟ أقبلُ بأن تقول لي إنني سحاقية، لكن أن تنعتني بالقذارة والمرض وبتلويثِ ابنتها، فهذا ما لا أسمح به إطلاقاً" (ص23)

الدفاعُ الذي أجرته الروائية على لسانِ سهام لم يتجاوز الجمل والعبارات المحفوظة والمكررة، من عينة "عندنا في لبنان، السحاقية منبوذة ولا تجهر بما هي عليه بل تحاول أن تخفي ذاتها، حتى إن المراقب لمجتمعنا لا يستطيعُ أن يتلمسَ وجودَ علاقةٍ من هذا النوع، وإن وُجِدَت فعلاً، وهي موجودة، فهي تُمارسُ بسريةٍ مطلقة لا يرشح منها شيء إلى الخارج. حتى إن كل حركاتِنا النسائية في لبنان لم تجرؤ على إثارة الموضوع، إنه مُحرٌم وعيبٌ ودليلُ انحطاطٍ ومرض" (ص 24)

تمارسُ سهام والأم لعبة القناع، فالأم تعرف وترفض ما تعرف، والابنة تعرف أن أمها تعرف، لكنها بذكائها تدرك أيضاً أن أمها ترفضُ ما تعرف

هكذا يُولَدُ حيزٌ للمناورة والتهرب من الحقيقة


يقعُ الانفصالُ الحادُ بين سهام وكلير، فتُغرِقُ الأولى نفسها في الحزن ثم تنشغل بالقراءة والبحث عن ذاتها وعن حقيقة ميولها. تكتشفُ الشاعرة اليونانية سافو والفرنسية جورج ساند، وتكتبُ فيما بعد خواطر واستيهامات عن كلير وجسدها، وتخاطبُ نفسها قائلة: "انتهت مرحلة باريس، سألغيها من حياتي، سأضعها بين مزدوجين مقفلين إلى الأبد، سأدفن معها سري الذي لا يعلم به أحد سوى من أخذه معه إلى القبر" (ص34)


إلا أن الجامعةَ تفتحُ لها ذراعيها.. لتبدأ رحلة عشقٍ أخرى في حياة سهام: نور


وحين ترى سهام الدكتورة نور في قاعة المحاضرات لأول مرة يغمرها شعورٌ مبهم. "ولم أنتبه إلى ذاتي إلا حين اختلطت في رأسي صورٌ عديدة: صورة الدكتورة نور وصورة المعلمة الابتدائية تتوسطهما صورة أمي وظهرت صورة كلير كلمع البرق ثم اختفت" (ص 35)
تجد سهام نفسها تقول: "هذه هي، لقد وجدتُ ما أريد" (ص 35)، علماً بأن أستاذتها الجامعية نور "امرأة في منتصف العقد الخامس من عمرها، عيناها زرقاوان، شعرها قصير ولونه يميل إلى الأشقر المحمر، تقاسيم وجهها ناعمة، لا نتوءات فيها، يكسو بشرتها قليلٌ من النمش الذي يعطي لطلعتها نوعاً من الجاذبية" (ص36)


تغرقُ سهام في بحر النمش
"اكتشفتُ لاحقاً أن ذلك النمش العسلي اللون كان منتشراً على جسدها، حتى في الأماكن الحساسة حيث كانت تنقلب تلك الجاذبية إلى رغبةٍ جنسية واضحة" (ص 36)


تقيمُ سهام علاقةً مثلية مع نور، لتتحولَ الأستاذةُ إلى عشيقة
"هي التي كانت تأمرُ وتنهى في الصف. كنا ندخلُ شقتها فتنقلبُ الآية، أصبحث، أنا، السيد وتصبحُ هي، الجارية. تحضر العشاء بعد أن تخلعَ ثيابها وترتدي ذلك القميصَ الأزرق الذي يستثيرني، أقتربُ منها أداعبُ حلمات ثدييها وهي تفرمُ الخضار أو تغسلها، تديرُ وجهها نحوي، تقبلني على ثغري وتطلبُ مني، بكل لطفٍ، أن أمهلها كي تنتهي من عملِها وتقول مبتسمةً: "لدينا كل الوقت". أبتعدُ عنها وأحاولُ مساعدتها قبل أن ننتقلَ معاً إلى تلك الكنبة العريضة، في صالون شقتها، تلك الكنبة التي ما زالت تشهد لكل ما فعلناه معاً والتي ما زالت تنضحُ بعرق جسدينا" (ص 39-40)


لكن الأخيرة تقررُ الابتعاد بعد أن وقعت في غرام زوج أختها، فتسعى سهام إلى الانتقام من المرأة التي تُرَدِدُ عنها وصف "الخائنة" بمحاولة التقرب من أستاذة جامعية أخرى، هي الدكتورة ليال!


وبعد حوار قصير ومباشر بينهما، تدركُ ليال ميولَ سهام، خصوصاً بعد أن حدثتها عن علاقتها السابقة، فتقول لها: "سهام انظري إلي جيداً، أنا لستُ موضوعاً للنقلة transfert. وأنا لستُ مثل أستاذتكِ، فما كان بينكما لن يكونَ بيننا لأنني لستُ "منهن"، وأنت تفهمين ماذا أقصد. أقولُ ذلك من دون أي تقييم أخلاقي لأني أعتبر أن موضوعاً كهذا لا يُعالَجُ من باب الأخلاق" (ص 45)


غير أن سهام تطلبُ منها المساعدة، فتوافق ليال، لكنها ترفضُ أن تزورها في منزلها لتبقى العلاقة بينهما في إطارٍ محدد من البداية، علماً بأنها تشرحٌ في سياقٍ لاحقٍ رؤيتها للعلاقات المثلية بالقول: "لا أحاكمُ أخلاقياً هذه العلاقات ألاحظث وجودها واقبلها لأنها موجودة. قبولي لها أو رفضي لها سيان، فهما لا يغيران الواقع" (ص 93)


تتركُها، تعبثُ بالجهاتِ كفراشةٍ ضالةٍ


تدريجياً، تنقلنا الروائية إلى العمارة التي تسكن بها ليال، وتضم شخصياتٍ مختلفة، بينها ميمي التي تعيش مع زوجها وأولادها، لكنها تبدو معجبةً بجارتها الأستاذة الجامعية، لدرجةِ التساؤل في حوارٍ مع النفس: "لماذا كلما كنتُ أمارسُ الجنسَ مع زوجي فكرتُ بها؟" (ص 47)


والمرأة التي نتمناها، في ظلّها شبقُ السماءِ، أو برودةُ السنين الغائبة، قبل أن يسـري الكلامُ دافئاً كعَزفِ الكمانِ: حلوٌ لذيذٌ، شهيٌّ نديٌّ، أثيرٌ مُثيرٌ


المفارقة أن ميمي على علاقة أخرى بجارةٍ أرملة تقول عنها: "مللتُها، إنها تمارسُ الجنسَ بطريقةٍ واحدة، ما عادت تثير رغبتي، حتى أني كلما كنتُ معها، وهي تداعبُ جسدي وتحاولُ إشباعي وإشباع ذاتها، بلمساتها وتصرفاتها، أفكرُ، أنا، بليال، وأتمنى لو كانت هي التي تمارسُ الجنسَ معي. ثم إن هذه الجارة أصبحت عجوزاً" (ص47-48)


المثلثات هنا تتكاثر، سهام ونور وليال، وميمي وليال والجارة العجوز..إلخ


والرغباتُ تترك في جيوبِ أبطالها الحروفَ التي أضاعتها الأبجدية، والسجائر التي نسوا أن يدخنوها، والابتسامةَ التي عجزَ الباحثون عن اكتشافِ سِرها العظيم


لتبرير الأمر، تحاول الروائية أن تقدم لمحاتٍ عن شخصية وظروف عددٍ من بطلاتها، ولكن ذلك يتم بشكل تقليدي، وبأسلوب لا يخلو من الكلمات المرصوصة دون روح إبداعية أصيلة، مثل كلام ميمي عن زوجها فريد ومقارنته بعلاقتها مع الجارة العجوز، إذ تقول: "أنا لم أشعر يوماً باللذة معه. إني أجدُ معها متعةً أكبر من التي أشعر بها معه. حتى أني بعد أن تعودتها لم تعد تعني لي علاقتي بزوجي شيئاً مهماً، انامُ معه كواجبٍ ليس أكثر. بلى، أحبُ مداعباته لجسدي وأستمتعُ بلمساته وقبلاته قبل أن يدخلني، حينها لا أعود أشعر بشيء. لقد ساعدتني فعلاً على اكتشاف جسدي وهذا ما لم يفعله زوجي، فهو وإن حاول، بعض المرات، أن يؤخرَ نشوته قدر المستطاع فإنه لم يحقق عندي، ولو مرةً، النشوة التي تحققها جارتي" (ص 49)


وما بين محاولاتِ سهام وإغواءات ميمي، تتحركُ الرواية في فضاء الاشتهاء على امتدادِ صفحاتٍ طويلة


غير أن القارىء قد يستوقفه أمرُ الزوج، الذي لا ينتبه إلى ميولِ الزوجة وعلاقتها بالجارة العجوز ثم اهتمامها الزائد عن الحد بليال، إذ إننا نجده لا يمانعُ في أن تُمسِدَ الجارة شعر زوجته أمام ناظريه، ويقول إنه مطمئن للعلاقة بينهما لأن زوجته أصبحت الآن تجيدُ الطبخ "بعد أن أمضينا وقتاً طويلاً لا نأكل إلا البيض المقلي والبيفتاك المحروق" (ص 55)


وهو لا يشعرُ أيضاً بإحساسٍ غريب عندما تكونُ ليال مع زوجته والعائلة في الملجأ تحت دوي القصف أثناء فترة الحرب في لبنان. فالزوجة هنا تضعُ أمامه رأسَها على كتف ليال، في حين تضمها ليال وتشدُ عليها حتى تكادُ تعتصرها بدعوى الخوف من القصف، ولا يتضايق عندما تصعد لزيارة ليال وهي ترتدي ملابس نوم شفافة..وعندما تنبهه الأرملة العجوز في إحدى نوبات غيرتها إلى ما تفعله ميمي يرد ببرودٍ قائلاً: "الست ليال وحدها في البيت وهي امرأة مثلها مثل ميمي، ثم ألم تستقبلك ميمي بالثياب نفسها؟" (ص 79)


وقد تلتقط تفسيراً لموقف الزوج في كلام الزوجة حين تقول لليال: "الرجلُ غبي، لا يشكُ في علاقة امرأة بامرأة، هو مطمئن إذا لم يدخل ذكرٌ ثانٍ على الخط" (ص 143)


تقلبُ المرأةِ على سريرِ الضجرِ، يُوقِظُ فيها رغبةَ الساعةِ الأولى من الليل


وهكذا تحاول ميمي إغراء وإغواء ليال بشتى الطرق، ومن ذلك دعوتها إلى العشاء في منزلها ذات مساء، لتعرض عليها مفاتنها في غياب الزوج المسافر مع الأبناء إلى البلدة في الجبل. وفي تلك الدعوة تلاحظ ليال أن النوافذ مفقولة، والستائر مسدلة، وحدها شمعة حمراء على طاولة السفرة، قبالة الصالون تنير أرجاء البيت. وتنتبه إلى أن ميمي ترتدي فستاناً شفافاً تحته ملابس داخلية صغيرة، لكن الأستاذة الجامعية التي عرفت ميول سهام من الجلسة الأولى لم تدرك – ويا للغرابة- هدف ومغزى تصرفات الجارة التي كررت لها تلميحاتها في أكثر من مناسبة. "سمرَت نظرها بميمي، أعجبت باتساق جسدها شبه العاري. هل تنسحب؟ هل تسأل ميمي عن سبب تعريها بهذا الشكل؟" (ص 110)


بين الغريبتين نعومةٌ تشهق، ورائحة قلقة فى الهواء


وعندما تتحدثان عن الفستان الشفاف الذي ترتديه ميمي، يدور الحوار التالي بينهما: "لست بحاجة إلى "سوتيان" فما زال صدري واقفاً وصلباً
- إنك ما زلت صغيرة. أجابت ليال وهي تنظر بإعجاب إلى ذلك الصدر المنتصب
- لا تنسي أنني حملت مرتين ومع ذلك..انظري، انظري
- حقاً ألاحظ، قالت ليال وهي تمد يدها لتلمس. لكنها أوقفت حركتها وتراجعت: "ماذا تريد ميمي ولماذا هذا الإصرار على عرض مفاتنها؟" (ص 111)
كل هذا، وليال لا تفهم!


ثم إنها تلتصق بها وتمسد لها ركبتها، وتقول لها: "هل تنامين عندي الليلة، فأنا أخاف وحدي والتخت عريض؟" (ص 113)
وهي تدعوها للنوم عندها وتطلب منها ميمي التمدد بجانبها، فتفعل وتأخذ في مداعبة شعرها والكلام معها عن حبها للنساء وكراهيتها للرجال، وتكتفي ليال بأن تقول لنفسها: "الله يمضي هذه الليلة على خير. ميمي جميلة جداً" (ص 113)


وفي هدأة الليل، تسكن العين ويغيب الصوت، باستثناء تأوه الجارة وهي تضاجع ذكرياتها
ها هي تنتظر الليل، دون أن تفترش سريره مع أحد


وفي حفلٍ آخر في بيت ميمي تكون كل مدعواته من النساء، تتابع ليال عالم المثليات عن كثب، فالجارة العجوز تُجلِسُ ميمي على ركبتها وتداعبُ شعرها وبعض نواحي جسدها وهي تقول لها: "أنتِ لي"، وسيدات كُن أزواجاً أزواجاً يتبادلن المداعبات، فكانت من تقومُ للحظةٍ بدور الرجل تنقلبُ في اللحظة التالية إلى لعبِ دور المرأة
"كانت المداعبات بين شبيهين وليس بين مختلفين" (ص 127)


أجسادٌ مُشرعةٌ للظمأ، والفِراشُ يأكلُ تعبَ الجسدِ


وعندما تقتربُ ميمي من ليال وتجلس في حضنها، أخذت الأخيرة في تمسيدِ شعرها ومداعبة ركبتها، لتشتمَ العجوزُ صديقتها ميمي قائلة: "يا عاهرة أتيتِ بالست ليال كي تخونيني، وأمام عيني؟ لن أترككِ لهذه المتعجرفة"، قبل أن يبدأ فاصلُ الرقص بدعوةٍ من ميمي، عرابة الحفل


"اقتربت من ليال، أخذت يدها، التصقت بها وبدأتا بالرقص. استفاقَ جسدُ ليال، ضمت ميمي بشدة وقبلتها. كانت ميمي بدأت بالاسترخاء بين ذراعيها حين أتت العجوز لتجرها إليها. عادت ليال إلى مكانها وهي مغتاظة، لكنها جلست وأخذت تراقبُ المشهدَ أمامها: كانت قبلاتٌ واستعراضات مثيرة، وبعد قليلٍ أخذَ العددُ يتضاءلُ في الصالون إذ إن كل اثنتين حاولتا دخول غرفة من الغرف، وأكثر من اثنتين دخلن إلى غرفة واحدة، ومن تبقى افترشَ أرضَ الصالون وبدأت الممارساتُ الفعلية..فما كان من ليال إلا أن انسحبت بصمتٍ وعادت إلى بيتها" (ص 128-129)


هناك ملذاتٌ يمكن قطفُها، وأخرى يمكن بذرها في صميم الليل


من جهتها، تواصل سهام ملاحقتها لأستاذتها الجامعية ليال، فنجدها تتصل بها هاتفياً باستمرار وتجالسها في الجامعة وتمنحها خواطر وقصائد تتحدث بشكلٍ مباشر وغير مباشر عن غرامها بتلك المرأة. وبعد طول إلحاح، توافقُ ليال على استضافة سهام في منزلها بمناسبة عيد ميلادها، بل إنها تدعوها للمبيت عندها بعد أن اشتدت حدة القصف، وتمنحها بعض ملابس النوم
"يا إلهي هذا الثوبُ لامسَ جسدَ ليال". تحسسته جيداً وغاصت في نوعٍ من الكآبة: "لماذا مدينتها الزعفران ومدينتي النعناع؟" (ص 192)


والعاشقةُ من طرفٍ واحد، تنثرُ في الليلِ وسائدَها المحشوةَ بالوهم
عشقٌ يكون لسان حاله، كما يقول السهروردي: أبداً تحنُ إليكمُ الأرواحُ، ووصالكم ريحانها والراحُ


أما ليال التي تتحول إلى محور الرواية الذي تدور حوله رغباتٌ مثلية فهي ترسم حدود شخصياتها ورغباتها بالقول: "أنا لم أتزوج لأنني أريدُ أن أكون حرة، لستُ ضد الرجل على الإطلاق، لكنني ضد الارتباط الذي يترتب عليه واجبات، أنا مع العلاقةِ الحرة القائمة على التفاهم والحب، فهي تستمر طالما هي ناجحة. وعند الفشل، كل واحد يذهبُ في حال سبيله من دون مراسم ولا دعاوى ولا.." (ص 91)
إلا أنها تقفُ في لحظاتٍ معينة كما أسلفنا على باب المثلية وتكاد تستجيب للجارة ميمي، مثلما تستعين بصديقة لها هي الدكتورة ريا أستاذة علم النفس لفهم طبيعة العلاقات المثلية وأسرارها


وفي ظل رفض أو تردد ليال في الانخراط في علاقةٍ مثلية مع الجارة ميمي أو الطالبة سهام، خرجت علينا الروائية قرب النهاية بمثلثٍ جديد مفاجىء يربط بين ميمي وسهام..وبينهما ليال!


سلسلة مُعقدةٌ وهرمية من العلاقات التي يتم فيها تبادل الأدوار، إلى أن تسافر ليال إلى فرنسا وتترك مفتاح بيتها عند ميمي للتعامل مع أي ظرف طارىء. عندها تلتمع فكرة في رأس ميمي فتدعو ليال لقضاء سهرة خاصة معها، في منزل ليال الخالي من صاحبته


هنا تتداخلُ الصور وتختلطُ الأسماء بشكلٍ متعمد


"وارتمتا على السرير الذي كان لا زال يعبق بعطر ليال، تعرتا وتحول السرير إلى جسدٍ عارٍ بينهما، تحول إلى جسد ليال التي في يوم عيد ميلادها، حيث اضطرت سهام إلى النوم في بيتها، أخذتها من يدها وقالت لها: "تنامين إلى جانبي في السرير". وكانت مضاجعة، شعرت بعدها ليال بنشوةٍ لم تذقها من قبل" (ص214)


عاشقتان تبتكرانِ الدهشةَ


كانت ليال هي الضلع الثالث في تلك العلاقة الجديدة، حتى وإن كانت غائبة


"تمددتا على السرير، أخذت سهام يد ميمي وقالت: كانت رائعة، اليس كذلك؟"
- من، من تقصدين؟
- ليال
- وكيف عرفتِ" (ص 215)

ثَمَّةَ دائماً امرأةٌ ساقاها أكثر دفئاً من أيّ كلامٍ
ثمة دائماً تتمة، للرغبةِ التي تشقُ القميص لِتُبْرِزَ ثدييها
وفي مواقيت اللذة، كم تتمادى الجبال في غي الصعود

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

26 التعليقات على "كتاب الرغبة (16): مدينة النعناع..ودرب الزعفران"

أكتب تعليقا