أبانا الذي في الامتحانات

| |




أخطر ما في الهزل أن يتحول إلى جد

ومن مساخر هذا العصر في مصر حكاية الامتحانات التي تتسرب أوراقها، بالسهولة نفسها التي يتسرب فيها اسم الرئيس إلى تلك الأوراق

الطريف - وربما كان هذا هو المحزن- أن يتحول أي اعتراضٍ أو احتجاجٍ على ورقة الامتحان إلى قضية رأي عام، لتبدأ رحلة التنكيل بالطالب المخطيء الذي تجاوز الخطوط الحمر، من فصلٍ وحرمان ورسوب، قبل أن ينال في نهاية الأمر نظرة عطفٍ وعفو من الأب القائد

دورةٌ شيطانية، تلعب فيها المهزلة دور البطولة بلا منازع
وهكذا انشغلت مصر كلها بما دار في امتحان الرياضيات في اللجنة الــ 19 في مدينة الأقصر جنوب البلاد في التاسع من يونيو حزيران 2008

إذ شهدت تلك اللجنة بداية قضية الطالب المصري صفوت أحمد محمد حسن الذي حُرِمَ من إكمال امتحانات الثانوية الفنية لكتابته عباراتٍ مناهضة للنظام الحاكم في ورقة الامتحان. وسرعان ما أثير جدلٌ تحت قبة البرلمان، ومن جانب منظماتٍ حقوقية طالبت الرئيس المصري
بالتدخل

وما حدث يمثل ببساطةٍ ثمرةً فاسدة للمناخ العام المحتقن، والخوف المرضي لدى المدرسين ومصححي أوراق الإجابة. والسؤال هو: هل وصل خوف النظام الحاكم إلى أن يرتعد من انتقاد طالبٍ ثانوي له؟ هل قمع حرية الرأي عند الصغار هي سمة المرحلة المقبلة لهذا النظام؟

وكانت مديرية التعليم بمدينة الأقصر قد أصدرت منتصف يونيو حزيران القرار رقم 265 بحرمان الطالب في مدرسة التعليم الفني الثانوي الصناعي، قسم إصلاح وصيانة المعدات الكهربائية من إكمال امتحانات السنة النهائية للتعليم الفني الثانوي وفصله عامين لكتابته "عبارات غير لائقة" في ورقة إجابة أحد الامتحانات عن "حاكم ظالم.. وشعب مظلوم"

وزيادة في الكرم، احتجزت أجهزة الأمن بالمدينة السياحية الطالب بضع ساعاتٍ، وأجرت تحقيقاتٍ معه لمعرفة دوافعه لكتابة هذه العبارات، وما إذا كان ينتمي إلى تيارٍ أو جماعة سياسية، قبل أن تفرج عنه. غير أن إفادات زملاء الطالب أجمعت على أنه "كتب هذه العبارات لإحساسه بالظلم نتيجة سماح المراقبين في لجنة الامتحان بالغش للطلاب الذين يقدم ذووهم رشى وهدايا للمراقبين، في حين أن والدي الطالب ليس لديهما الإمكانات المالية لذلك"


بل إن صفوت أحمد دافع عن نفسه في تصريحات لصحيفة "المصري اليوم" (بتاريخ 20 يونيو حزيران 2008) قائلاً: "كتبت عبارة "حاكم ظالم.. وشعب مظلوم" احتجاجاً على سياسة المراقبين، مش على سياسة الرئيس حسني مبارك". استمعوا إليه وهو يقول بعفوية: "المشكلة بدأت لما شفت المراقبين بيغششوا الطلبة، وأنا ماحدش راضي يديني أي معلومة، فثرت وكتبت "حاكم ظالم وشعب مظلوم"، احتجاجاً على سياسة رئيس اللجنة، وليس رئيس الدولة، لأن اللي دفع غششوه.. وأنا لا أملك مالا لكي أدفعه"


وفي وجه آلة الإعلام الرسمي الجهنمية، ينفي صفوت سيل الاتهامات الموجهة إليه قائلاً: "لم أمزق ورقة الإجابة كما يدعون، ولم يحرروا لي محضراً داخل اللجنة بتمزيق الورقة"


أما والدة الطالب صفوت التي تعمل بائعةً جائلة فقالت إن الفقر وراء ما حدث لابنها، مشددةً على أنه شعر بالظلم والعجز لأنه لم يستطع دفع "إكراميات وهدايا للمراقبين في اللجنة، كما يفعل باقي زملائه". وتقدم النائب هشام القاضي ببيان عاجل إلى رئيس الوزراء ووزير التربية والتعليم حول معاقبة الطالب وتهديد مستقبله التعليمي "لمجرد أنه عبر عن رأيه في ورقة الإجابة". وكالعادة، أجرى النائب المذكور اتصالات بالمسؤولين في الوزارة في قنا، لكنه قال إن "الأمر يحتاج لتدخل من القيادة السياسية ممثلة في الرئيس مبارك شخصياً، كما حدث مع الطالبة آلاء العام قبل الماضي"


وما أدراك ما آلاء

إذ يشير النائب بذلك إلى الواقعة الشهيرة التي قررت فيها وزارة التربية والتعليم رسوب آلاء فرج مجاهد عبدالوهاب بالصف الأول الثانوي بمدرسة شربين الثانوية بنات، بعدما اتهمت في موضوع التعبير بمادة اللغة العربية الولايات المتحدة بالتسبب في المشكلات الاقتصادية التي تمر بها مصر والدول العربية


وفي سياق ما كتبته التلميذة قالت: "ماذا سوف نجني من الدولة إلا ما هو رديء وخسيس، الحقيقة أن كبار قواد مصر لا يريدون لها التقدم والحكومة لا تريد أن ترفض حتى لا نقول إنها عاجزة. الرئيس بوش ينفذ سياسات تؤذي مصر وشبابها والأغرب أن رئيسنا يستجيب لهذا السافل". وفي فقرة أخرى خاطبت الرئيس مبارك قائلةً: "احكم فينا بكتاب الله وسنة رسوله ، لقد اعتدنا على هذا النظام المهين"


فجأة تكهرب الجو، وواجهت ابنة الخمسة عشر ربيعاً عاصفة من الانتقادات والاتهامات، قبل أن يتدخل الرئيس مبارك ويأمر بنجاحها. فقد أعلنت رئاسة الجمهورية في بيان رسمي أنه "فور علم الرئيس بحجب نتيجة الطالبة لكتابتها بعض العبارات في موضوع التعبير في مادة اللغة العربية خارج سياق الامتحان تحمل بعض الهجوم على بعض الدول وعلى النظام في مصر، أجرى الرئيس اتصالاً بالدكتور يسري الجمل وزير التربية والتعليم واللواء سعيد صوان محافظ الدقهلية للاستفسار عن الواقعة، وأمر بإعادة تصحيح أوراق إجابتها وعدم حرمانها من الامتحان"

وبنظرة عطفٍ رئاسية، انقلبت الأمور رأساً على عقب


وبعد العذاب والحرمان، انتهت مشكلة الطالبة آلاء فرج وأصبحت رسمياً مقيدة بالصف الثاني الثانوي بعد أن أعلنت نتيجتها وتم إعادة تصحيح ورقة إجابتها في اللغة العربية سبب "الأزمة" وحصولها على 44.5 درجة من 60 لتصبح أعلى درجة حصلت عليها في مختلف المواد

وسبحان مغير الأحوال


فقد استقبل وزير التربية والتعليم يسري الجمل الطالبة وولي أمرها بمكتبه بالوزارة وأبلغها بقرار نجاحها، وسلمها بنفسه شهادة النجاح وبياناً بدرجاتها في مختلف المواد


وكان طبيعياً وقتها أن توجه الطالبة ووالدها الموظف بشركة الدلتا لحليج الأقطان الشكر العميق للرئيس مبارك الذي اهتم بموضوعها وأصدر أوامره بحل مشكلتها وإعادة تصحيح ورقة إجابتها ومنحها الدرجة التي تستحقها

سيناريو قابل للتكرار مع صفوت وغيره، فقط إن كان الأب القائد حانياً وأكثر رأفة بالطلاب من وزارة التربية والمدرسين والمراقبين في لجان الامتحان

غير أن المعالجة الأمنية من جانب النظام في مصر لقضية الطالبة آلاء والطالب صفوت تشبه الفضيحة، إذ تكشف عن مدى تغلغل العقلية الأمنية في كل جوانب حياتنا، حتى إنها لم تستثنِ التعليم. ولعل تدخل الرئيس بنفسه لإنصاف طالبٍ أو طالبة اعترافٌ واضح بدكتاتورية قائمة، ويكفي أن آلاء نجحت بقرار رئاسي، وليس حتى بقرار من وزير التعليم مثلاً، وهذا قمة الانحطاط في رؤية النظام للأجيال الجديدة وقمة تركيز السلطة في يد شخصٍ واحد فقط


وموجة التحامل على الطالب صفوت تأتي في وقت تسربت فيه امتحانات الثانوية العامة وبمعرفة قياداتٍ سياسية وأمنية كبيرة، كما شاهد الجميع في فضيحة الثانوية العامة بمحافظة المنيا جنوب مصر


وبطبيعة الحال فإن الغش والتدليس والرشى من الأمور المسكوت عنها وربما المقبولة، أما الذي لا يمكن تجاوزه في نظر السلطات المصرية فهو تطبيق القرار الوزاري رقم ١١٧ لسنة 2007، وتنفيذ المادة الرابعة من القرار الوزاري رقم 41 الصادر في 21 فبراير شباط 2000 والتي تنص على إلغاء امتحان الطالب في امتحانات النقل أو الامتحانات العامة بقرارٍ مسبب إذا اكتشف أثناء تقدير الدرجات أن الورقة تتضمن أمراً يعد قذفا للنظام العام أو الآداب العامة أو ما ينم عن شخصيته أو يدل علي العبث والاستهتار بأي صورة من الصور

والأكيد أن ما قاله الطالب صفوت يتردد يومياً على ألسنة المواطنين على سبيل النكتة أحياناً أو تقديم صور نمطية عن الشعب ونظام الحكم في أحيانٍ أخرى، أو التعبير عن الغضب في أحيانٍ ثالثة

أضف إلى ذلك أن المخالفة التي ارتكبها صفوت لا تبرر العبث بمستقبله أو تهديد حريته. ولا أحد يعرف كيف يتم منع الطالب من إكمال امتحاناته واحتجاز الأمن له بما يخالف القواعد التربوية التي تؤكد حريةَ الطالب في التعبير عن آرائه ومبادئه، فضلاً عن تعارضها مع حرية الرأي التي يكفلها الدستور لكل مواطن


ونحن لا نتجاوز الحقيقة حين نقول إن الانتهاك الذي وقع على هذا الطالب واحتجاز مباحث أمن الدولة للطالب والتحقيق معه لمدة أربع ساعات، أصابه بصدمةٍ نفسية شديدة، نظراً لحداثة سنه

نسيت الدولة فضيحة تسريب الأسئلة في امتحانات الثانوية العامة، وأمسكت بخناق طالب صرخ ضد الظلم

أغمضت وزارة التربية والتعليم عينيها عن تشكيل ثماني لجان امتحاناتٍ خاصة في مستشفى مغاغة لأبناء المسؤولين في المنيا – بل إن شهوداً أكدوا في التحقيقات أن مدرسين كانوا يتنكرون في زي أطباء، ويدخلون إلى لجان أبناء كبار الموظفين في مستشفى مغاغة لكي يعطوا للطلاب الإجابات عن أسئلة الامتحانات- وفتحت عينيها على شابٍ ناقم على ما يجري حوله داخل قاعة الامتحان

وتجاهلت السلطات اعتراف بعض المتهمين في تسريب الأسئلة، بأن هذه الجريمة كانت تحدث طوال السنوات الثلاث الماضية، وأطبقت على فتى حين أخذ يجأر بالشكوى


والشاهد أن حالات الغش وتسريب الامتحانات الجماعية، التي انتشرت في امتحانات الثانوية العامة انعكاسٌ لقيمٍ أخلاقية فاسدة تسود المجتمع. ولا تنفصل هذه الحالات عن الخطاب السياسي الذي يزين الأمور والواقع للناس، ويعدهم بتحقيق الكثير من الإنجازات، على الرغم من عجزه عن تحقيق ذلك، وعدم امتلاكه الأدوات لتنفيذها

وكما هو واضحٌ وجلي فإن أصحاب النفوذ وأرباب السلطة هم عاملٌ بارز في الغش وعملية التسريب التي حصلت، إذ تكشف التحقيقات عن تسرب الامتحانات إلى أبناء نوابٍ وقياداتٍ في مؤسستي الشرطة ..الشرطة المنوط بها ضبط الذين يكسرون القانون ويخرجون عليه، والعدالة التي تقتص لنا ..ولعل هذا أمرٌ طبيعي في ظل لجوء عددٍ من أصحاب النفوذ في صفقاتهم وطرق إدارتهم لمصالحهم الخاصة إلى وسائل الغش، وبالتالي فهم ينقلونه لأبنائهم، وهو ما تَمثلَ في اللجان الخاصة بالمستشفيات التي ضمت أولاد كبار المسؤولين

والمشكلة تتجاوز إهدار جهد الطلاب في امتحاناتٍ تسربت إلى أيدي القادرين وأصحاب النفوذ، وتتعدى أخطاء الامتحانات نفسها، وإنما تضرب في صميم نظامٍ تعليمي فاشل يقوم على الحفظ والتلقين، ويتكيء على عصا نخر فيها السوس هي الدروس الخصوصية..وصولاً إلى خطٍ وهمي لنهاية السباق اسمه مكتب التنسيق الذي يحكم ويقيَم الطلاب وفق درجاتهم وليس بناء على إمكاناتهم وقدراتهم الحقيقية

وهكذا تضيع مصر وتتسرب مثل تتسرب امتحاناتها


ويبدو أن وجود مبارك في أي مكانٍ على أرض مصر، يؤثر بالضرورة على سير الامتحانات

فقد شهدت مدارس مدينة ٦ أكتوبر، في أول أيام امتحانات الثانوية العامة للعام 2008، حالة من الارتباك نتيجة تكدس المرور وإغلاق محور ٢٦ يوليو، وطريق الواحات، بمناسبة زيارة مبارك للمدينة، وهو ما تسبب في تأخير طلاب المدارس والجامعات عن موعد الامتحانات. وقررت بعض الجامعات تأجيل الامتحانات بها لأكثر من ساعةٍ لحين حضور بقية الطلاب الغائبين، بينما أجلت بعض الكليات امتحاناتها لليوم التالي


واستطاع أحد المسؤولين الاتصال برئيس الوزراء المصري الدكتور أحمد نظيف، والذي أبلغ بدوره الرئيس المصري بما حدث للطلبة. وكأن مبارك لا يعلم أن زيارته للمدينة – التي أصبحت محافظة- في ذروة فترة الامتحانات ستتسبب في عرقلة وصول الطلاب إلى لجان الامتحان


وهكذا قرر مبارك تمديد مدة الامتحان لطلاب مدينة 6 أكتوبر لمدة نصف ساعة لمعالجة بعض التأخير الذي تسبب فيه موكب فخامته لمدينة 6 أكتوبر وأهلها، بعد أن تحولت المنطقة بأكملها إلى ثكنة عسكرية. ومع أن الرئيس المصري زار المنطقة في مهمة معينة هي تفقد المشروع القومي للإسكان وهو مكان بعيد بعض الشيء عن المدينة، فإن الإجراءات المشددة جعلت 6 أكتوبر وما حولها ضمن "حزام أمن الرئاسة"


الطريف أن البعض وصف قرار مبارك بتمديد فترة الامتحان للطلاب بأنه إنساني.. وهو "إنساني" فعلاً


ولا عجب أن يحدث هذا في بلدٍ يُفاجأ فيه طلاب الشهادة الإعدادية في محافظة قنا، بسؤالٍ إجباري فحواه "أرسل برقية إلى السيد رئيس الجمهورية تهنئه فيها بفوز المنتخب بكأس الأمم الإفريقية لكرة القدم"، الأمر الذي أجبر ٥٣ ألف طالب وطالبة من تلاميذ المحافظة على كتابة البرقية، بحسب صحيفة "المصري اليوم" في 18 مايو أيار 2008

وسبق أن شهدت امتحانات المدارس الحكومية المصرية أسئلةً من هذه النوعية في السنوات القليلة الماضية. ومن هذه الأسئلة سؤالٌ وجِهَ إلى طلاب الصف الأول بمدرسة العريش الثانوية للبنين في امتحان التربية الفنية عام 2005، وطلب منهم أن يعبروا بالرسم عن إنجازات الرئيس حسني مبارك، وذلك قبيل الانتخابات الرئاسية التعددية التي أجريت في سبتمبر أيلول 2005

وعلى إثر هذه الواقعة تقدم النائب الوفدي منير فخري عبد النور بطلب في حينه إلى فتحي سرور رئيس مجلس الشعب لاستدعاء وزير التعليم آنذاك الدكتور أحمد جمال الدين للرد على البيان العاجل الذي قدمه بشأن السؤال، معتبراً هذا انحيازاً من السلطة لصالح الرئيس مبارك في الانتخابات الرئاسية


لكن الذين اعترضوا لم يدركوا أنه موسم النفاق الذي يناجي فيه أهل الرياء "أبانا الذي في الامتحانات"


ولم تزل صيحة عادل إمام المشهورة "بلد شهادات..صحيح" في مسرحية "أنا وهو وهي" صالحة للتداول، مع تحريفٍ بسيط في عهد مبارك: بلد "امتحانات"..صحيح

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

16 التعليقات على "أبانا الذي في الامتحانات"

أكتب تعليقا