كتاب الرغبة (13): كل هذا العفن

| |




حين يحضر وعي القبيلة تختلط الأوراق، فلا يعود أحدٌ قادراً على تمييز الضحية من الجلاد

ولعل القبيلة تنسى حقيقة إنسانية مهمة: جرح الأنثى يغلي، يغلي ويتّسع، وما من سبيلٍ إلى تضميده

في روايتها الأولى "خارج الجسد" الصادرة عن دار الساقي في لندن (2004)، لا تعرف عفاف البطاينة معنى للمهادنة، وهي تشن حرباً لا هوادة فيها على مجتمعٍ تتهمه بالتسلط، وسلب الإنسان الأمل في الغد، الإرادة، الروح والجسد وحتى رغبته في الموت ليتركه شخصاً ميتاً يمشي بأكفان بيضاء

وهي ببساطة تقدم في روايتها رحلة بحثٍ عن الذات دون قيود أو رتوش، وتصارح المجتمع، الباحث دوماً عن التخفي والهروب. إنها روايةٌ تغرد فيها خارج سرب مثقف السلطان، تعري واقعنا وتجرحنا بصراحتها وجرأتها وتلقي في وجوهنا كل هذا الكم من الخراب الذي نخفيه


لقد أعطت الروائية الأردنية عفاف البطاينة القارىء مرآة ليرى الحقيقة المجردة
ولعل هذا ما دفع كاتباً في إحدى الصحف الأردنية إلى القول بأن "بوسع أي قارئ أن يلمس روح الانتقام التي سادت النص، وربما تكون المبرر الوحيد لإصداره، وسواء أكان الغرض من هذا العمل إدانة علاقة اجتماعية محددة أم منظومة أخلاقية عامة، من خلال التشهير بها وإبراز الحالات الأكثر شذوذاً فيها، فإنه، بالمحصلة، يقدم صورة روائية وأدبية لا يستحقها مجتمعنا ولا تنطبق على حقيقة وواقع علاقاتنا وروابطنا الاجتماعية، وتجحف بحق عائلاتنا المحترمة" (عبدالله أبو رمان، جريدة "الرْأيّ"، 27/2/2006)


عفاف في رواياتها "خارج الجسد" ، تسرد في 446 صفحة حكاية ثلاث نساء، بل ثلاثة وجوه لامرأةٍ واحدة هي (منى) الشخصية المحورية في الرواية. "يسألني من أقترب منه عمّن أكون، فأقول سارا ألكزندر، وأكاد أقول، منى ومسز مكفيرسون وسارا ألكزندر، ثلاث نساء، بل ثلاث حيواتٍ في واحدة. أنظر إلى جسدي بعد أن خلع عنه كل قمصانه وملامحه فأسكت" (ص 6)


ولا يهم ما إذا كانت "خارج الجسد" سيرةً ذاتية لعفاف نفسها أو أن الرواية تحمل جزءاً من السيرة الذاتية فخارج الجسد أكبر من أن تحشر في ذات عفاف. هي رواية "واقعية" عن مجتمعٍ وبلاد "مليئةٌ بالعفن وكذلك النفوس، ولا تنقطع ألسنة البلاد على انتقاد اصفرار أشجار البلاد الأخرى متناسية خلوها من الأشجار" (ص 445)

البطل هو جسد المرأة المسحوق والمهان حبساً وضرباً وركلاً بالأقدام وشداً من الشعر ونبذاً وامتطاء وبصقاً وقذفاً بكلمات بذيئة، إلى أن يصل كونه رشوة يطلبها أستاذٌ جامعي فتعطى له مرة وتمنع مرة. ولا يجيء الانعتاق إلا بترك الوطن العربي والوقوع بين ذراعي حب أسكتلندي، وما تبع ذلك من تنصلٍ كامل من الهوية، وانقطاع لا رجعة عنه مع الثقافة والمرجعية العربية. وربما كان أهم ما يُحمد للرواية وهي تقارب موضوعات كهذه هو عدم تورطها في فخ التطرف الأيديولوجي النسوي، فهي روايةٌ نسوية بامتياز، لكن من دون فجاجة التنظير الكفيلة بإفساد العمل الأدبي أو بخفض قيمته الفنية


إلا أنه لا يمكن عند قراءة الرواية إغفال فكرة تحدي القيم السائدة، ومن ذلك إصرار بطلة عفاف البطاينة على العيش مع صديقها الأسكتلندي ستيوارت من دون عقد، مع عرضه السخي للبديل المقبول عند قومها بأن يشهر إسلامه بهدف الزواج منها، إذ تقول له: "ألستَ زوجي؟ نحن معاً. عقد الثقة والحب والوفاء الذي نوقعه معاً كل يومٍ، أقدس عندي من العقود القانونية والشرعية" (ص385)

ربما بدا ذلك لكثيرين موضوعاً مفتعلا للتصادم بين عالمين. لقد كان الإصرار على العيش بهذه الصيغة، وهو الإصرار الذي فشلت الروائية في تبريره حتى من وجهة نظر نسوية، قد اضطر البطلة للتخفي مدة طويلة لإجراء عملية تجميل غيرَت ملامحها كلياً، ومن ثم استخرجت أوراقاً ثبوتية باسم أجنبي يمكنها من العيش مع صديقها بدون تهديد

وقد يقف البعض عند مسألة حضورها بوجهها الجديد لمؤتمر في بلدها يناقش أوضاع النساء من دون أن يتعرف عليها أحد من أهلها، بمن فيهم شقيقتها

لقد وقعت عفاف البطاينة في مأزق كثيراً ما نصادفه وهو أن تبدأ الرواية قوية متينة ثم تتراجع بتقدم الفصول من خلال تردي السرد من ناحية، وغرائبية الأحداث من ناحية أخرى، مقابلة بما كانت عليه الفصول الأولى من قوةٍ وحبكة

وفي الرواية يأخذ الرجل الأوروبي صورة العاشق النموذجي، يقابله - بأسلوب التعميم- ذلك العربي الهمجي الذي يلجأ إلى كفه الثقيلة والخيزرانة (الأب) أو الذي تكون حداثته قشرة زائفة (الزوج) تخفي تحتها تقليدية متوغلة، أي الحداثة في أبهى تجلياتها العربية أو الشيزوفرينية، إذ لم تجاوز عند (سليمان) طقوس الشراب وأفلام الجنس، أما الرجل في داخله، في إدراكه وتعاطيه مع المرأة، فقد بقي الوجه الآخر لوالدها

إن المفكر جورج طرابيشي يرى أن نيل الرجل العربي من المرأة الأوروبية في الروايات العربية هو نيلٌ من الغرب بأسره، وهذا يدفعنا للتساؤل إن كان عشق عربياتٍ هاربات بجلودهن وعقولهن وذوبانهن حتى النخاع في أوروبيين هو نيل من الأعراب الأجلاف، ورتقٌ لما أحدثوه من أوجاع وجراح طالت أرواحهن وأجسادهن


تبدأ عفاف روايتها عندما تعود منى وهي في ثوب سارا ألكزندر إلى بلادها لترى والدها المريض المشرف على الموت. يجتاحها تساؤلٌ محير ولد من قلب هذه المواجهة: أيمكن في لحظة من لحظات الزمن الهاربة أن تتصالح الأنوثة المتمردة، الحرة مع الذكورة المستبدة القاسية؟


سارا وهي تغوص عميقاً في تساؤلاتها تنهض بها الذاكرة لتروي حكايتها، حكاية منى قبل أن تصبح سارا ضمن سردٍ استرجاعي، ولما لازم هذه السيرة من ألم ومعاناةٍ وكبت وحرمان


"بالأمس كنتُ منى، ابنة الريف والحقول والسذاجة، وبالأمس أيضاً كنتُ منى، المراهقة التي لم تملك جسدها ولا إرادتها ولا قرارها" (ص 5)


تتداعى حياتها منذ كانت طفلةً في القرية تلعب مع شقيقتيها وأترابها بحريةٍ مطلقة في غياب الأب الذي ترك الجيش العربي للعمل في أبوظبي ليقضي هناك خمسة عشر عاماً، يعود بعدها إلى قريته وقد جمع مالاً يحسب أنه سوف يسعد به أسرته ويعوضهم به عن غيابه وتقتيره عليهم أثناء سفره وقسوته الشديدة


"كان يقيّدنا إلى الجنةِ التي بناها لنا" (ص 17)


حتى هذا المال المكنوز سوف تسرقه زوجته الثانية من دون أن يستطيع الأب بكل جبروته استعادة حقه المهدور، ولسوف يعود لاحقاً مريضاً ومهزوماً ليُترك على فراشه بانتظار الموت


سرعان ما تحول هامش الحرية إلى سجن في حضور الأب، لتتحوَّل هذه المساحة إلى قفص، والسجان هو الأب، خصوصاً مع تفتح وردة الأنوثة

"تفتّحت فيّ رغبات المراهقة فخسرت جسدي وإرادتي وقراري وحركتي، ودخلت في دوائر الخوف والهزال" (ص 5)

تمضي الرواية باللعب إلى أفق أرحب وأعقد، اعتماداً على تناوب السرد بضميري المتكلم والغائب بين الشخصيات دون أي مانع، ودون الوقوع في التعمية أو الارتباك، وبالسلاسة التي تسم وصف المكان والجسد والحالة كما تسم الحوار


تبدأ المأساة على وقع علاقةٍ طفولية جمعت منى مع زميلها صادق المراهق الخجول الذي بقي يراقبها بنظراته مبتسماً كلما ذهبت إلى المدرسة بملابسها البالية وحذائها الضيق بسبب شُح الأب. تُضبَط الفتاة وهي تحتسي فنجان قهوة في آخر يومٍ من أيام امتحانات الشهادة الثانوية مع "حب مراهقتها الأول"، فتنقلب حياتها رأساً على عقب


ويتضح للقارىء أن مجرد تصور مثل هذه العلاقة، حتى ولو كانت بريئة، يعدّ جريمة كبرى. فوعي الجسد في الشرق هو وعي الموت، وعي الألم بدل أن يكون مرتبطاً بوعي الجمال والحرية

بعد هذا اللقاء البريء ستبدأ دورة تعذيبٍ بلا رحمةٍ ولا شفقة يمارسها عليها الأب بسادية ويشترك فيها ذكور العائلة الخطاءون وحتى إناثها المستلبات


"تعبت يداه من الضرب فقرفص أمامها وسألها:
- شو عملتي في آخر يوم من الامتحانات؟
انكمش قلبي. عرفتُ أن الأعين أبصرت لقائي بصادق
حاولتْ أن تلتقط أنفاسها لتجيب عن سؤاله، لكنَ أكوام الضرب انهالت فوق جسدها وأسكتت صوتها. سألها عن صادق ثانيةً
سرى فيَ تيارٌ قادمٌ من عوالم المقابر والأموات
قالت إنها لا تعرفه. ركلها بقدميه وهو يقول:
- ما بتعرفيه، ضحك عليكِ، نام معك..انبسطتي.." (ص 36)


وحده عمها، سالم، الذي كان قد اعتُقِل وعُذب جسدياً وجنسياً بعد إدانته التآمر مع الفدائيين الفلسطينيين، يمتنع عن تعنيفها ويحاول إنقاذها، لكنه يعجز في النهاية عن توفير الحماية الكاملة لها


وتمتد يد الأذى إلى الأم


"ناداها حين رجع إلى البيت وأمرها بالجلوس عند قدميه. جلست حيث أمرها. سألها إن كانت تعرف عن علاقة منى بصادق فنفت. سألها إن كانت منى ما تزال عذراء فلم ترد. صفعها على وجهها. أخرج خيزرانته من تحت جانب الفراش، وأخذ يضربها إلى أن تعب. سألها وهو يهينها:


- مش قادرة بنتك تستنى حتى تتجوز، بدها زلمة من هسع، فتحت جريها هيك عالبلاش، منهو اللي رايح يقبلها بعد ما فتحها ابن الهاملة. الله يلعن دينك ودين بناتك ودين الساعة اللي شفتك فيها" (ص 43)


وبعد عرضها على الطبيب يتضح أنها عذراء، فتتساءل: "غشاء يقرر مصيري؟ أردت أن أُدخِل أصابعي في فرجي وأمزق الغشاء وليكن الموت مصيري. أردت أن أنتقم من والدي. كنتُ أعرف أن تمزيق الغشاء سيضع رأسه في التراب إلى الأبد" (ص 44)


كم هو ثمينٌ هذا الغشاء! أغلى من حياة إنسان!

تُحرَم منى من معرفة نتيجتها في امتحانات التوجيهي ومن الجلوس مع أفراد العائلة إلى مائدةٍ واحدة، ويلقى على كاهلها الغض عبء كل العمل المنزلي مع إذلالٍ وعنف نفسي وجسدي ولفظي مستمر من الأب، الذي لا يتوانى عن ضربها بطريقةٍ وحشية وشتمها بأقذع الشتائم الجنسية، من عينة "العاهرة هاي شو بتسوي هون؟" (ص 46) و"ما إنت قحبة والقحبة ما بيهمها إشي" (ص 46). معاملةٌ تدفعها إلى التساؤل عندما يرقد الأب مريضاً وهو على فراش الموت: "أي رباطٍ كان بيننا وأنا التي اشتهيتُ وأد لفظ الأبوة والذكورة من قواميس كل اللغات؟" (ص 8-9). والأقسى من ذلك: "كان حلم منى في مراهقتها المنصرمة وشبابها الضائع أن تنظر في عيني أبيها، وأن تضع يديها فوق فمه وأنفه إلى أن يدخل قنوات الموت. كانت أمنية أفراد عائلتها أن يودعوا الظالم الذي يمنعهم من تنفس الهواء" (ص 10)


يرفض الأب زواجها من صادق، وبالطبع تُحرَم منى من استكمال تعليمها الجامعي بالرغم من المجموع العالي الذي حصلت عليه في امتحانات الشهادة الثانوية


ولن تجد منى داخل هذا السجن وداخل هذا العالم الكريه سوى اللجوء إلى الله فتغرق في التدين حد التعصب هرباً من عالمها الذي أصبح بلا قلب، وطمعاً في تعويض حياتها الدنيوية الشقية بالحياة الآخرة..لكن هذا الإيمان الناتج عن وحشية الحياة في كنف مجتمعها الأبوي سرعان ما تتخلى عنه منى عندما تهاجر إلى بلاد الغربة حيث تستعيد إنسانيتها المسحوقة


تحاول منى الانتحار عدة مرات، إلا أن محاولاتها تبوء بالفشل مراتٍ بسبب تدخل العائلة ومراتٍ أخرى بسبب مخاوفها الدينية


بعد أشهر، يتقدم لخطبة منى شاب يدعى محروس، وهو الذكر الوحيد لأمه الأرملة، المفرط في البدانة في ظل عناية الأم به، المتدين، الخجول، الفاشل دراسياً، والموظف ككاتب في المحكمة الشرعية. وسوف يوافق الأب -الذي كان رفض هذا الزواج من قبل- مداراة "للفضيحة" وحباً في المال. وتقايض منى التي علمها الإذلال كيف تهتم لآلامها، زواجها على محروس - المعروف بين الناس بلقب "الدب"- باستكمال . ويوافق محروس على الرغم من رفض الأب

ليلة الدفن

هكذا تصف بطلة الرواية ليلة زفافها

"كنتُ أعرفُ أن قبيلتي باركت لمحروس جسدي، وأحلت له لمسي وتذوقي وهتك عذريتي. كنت أعرف أنهم سينتظرون خلف الأبواب، إلى أن يخرج إليهم محروس ومعه المنديل المنقط بالدم، أو ليقول لهم إنه أدخل ذكره بين فخذي واخترق الغشاء الذي يخيفهم. أقسمتُ أن تنام قوانين الحلال والحرام في حضن أبي وقبيلتي ومحروس، وعاهدتُ جسدي ألا أحلّه إلا لفردٍ يوقع عليه لا على الورق، ويوقع جسدي عليه لا على وثيقة نجاةٍ" (ص 116)

سنةٌ من تبذير الذكورة والأنوثة عاشها محروس وعاشتها منى. كانت بدايتهما مشوهة، واضطرا إلى امتصص اعوجاج الطريق، لا لشيء إلا لخوفهما من الرجوع

رأت منى أن هذه الزيجة غير متكافئة وظالمة فكرهت محروس وجسده، ولم تستطع مشاركته فراش الزوجية لتبدأ معركةٌ أخرى في بيت محروس الذي حاول في البداية اغتصابها عدة مراتٍ بحجة حقه الشرعي. وفي محاولة الاغتصاب الأولى يتداخل صوتان في الرواية ويتعارك جسدان على الفراش. "مزق قميصها وانكشف صدرها أمامه. وضع يده على فمها، ليمنعها من الصراخ خوفاً من الفضيحة. لم توقفه أظفارها عن التهام جسدها. يتساقط عرقه فوق وجهها
يزداد إحساسي بالقرف. عراك القرف يصل إلى نخاعي

كشف عن صدرها وسرق منه ما استطاع بشهوة

عضوي يؤلمني ويحثني على الاقتراب من فرجها، وهي تدفعني وترفضني وتجرح ما تصل إليه من جسدي. ارخي جسدي فوقها وأكره صراخها. أطلب منها أن تخجل من الناس فيزداد صياحها

رغبتُ في قتله. عضوه الذي يقترب من فرج بنطلوني يشعرني بالغثيان. ابتسمتُ فأرخى يدي

شعرتُ باقتراب الفَرَج حين رأيتُ ابتسامتها. ظننت أنها ستقبل عليَ وتبادلني متعة ليلتنا. امتدت يدها إلى أسفل بطني وعرفت أنها عقلت. شعرتُ بإبرٍ ساخنة تُغرس في ذكري إذ أدخلت أظفارها الحادة في جوانبه ثم بلَلت وجهي ببصاقها
أردتٌه أن يتألم عساه يفقد رجولته إلى الأبد" (ص 121)

صراعٌ لا تولد في ظله بارقة أمل في المودة، بين امرأةٍ ترفض أن يدخل الزوج حقولها رغماً عنها، ورجلٍ يريد أن يدمر أسوار امرأته وأن يحتلها ويقيم فوق أرضها بغض النظر عن إرادتها

وحين تخون القوة محروس يلجأ بناء على نصح الأب إلى العنف، فتغرق في وحدتها وصمتها. وتحاول اللجوء إلى الجنون، لتبدأ الأم بنصح ابنها بعرض منى على الشيوخ والمشعوذين. ويذهب بها محروس إلى أحد الشيوخ، الذي ينهال عليها بالضرب المبرح بدعوى إخراج "الجن القرين من جسدها" حتى تشرف على الموت، لكن محروس يعيدها إلى البيت

وتحت مظلة العطف عليها يبدأ في معاملتها معاملة حسنة ويحنو عليها فيرقُ قلب منى له وتمنحه جسدها. إلا أن محروس لن يستطيع مجامعتها وسيصاب بضعف جنسي مؤقت. "أشعر بلذة قربها في دمي وأرغب في تذوقها. أحاول وأفشل.. أحاول وافشل.. ابتعدتُ عنها ونظرات أمي وأبيها والناس تلاحقني. تمددتُ إلى جانبها وكلٌ منا يشعر بالخيبة. التصقت بي وساد صمتها. أسأل نفسي عما حدث لي ولا أجد في رأسي إجابة" ( ص 144)

ويتكرر عذاب الموت الثنائي

"تتجدد النكسة بيننا كلما اجتمعنا، وتبقى ذيول الهزيمة تلاحقني إلى أن يتجدد اللقاء ويتجدد الانهزام فتتجدد المرارة" (ص 145)

وفي لحظة بوحٍ تشبه تطهر الأرواح، يكتشف الاثنان أنهما ضحيتا الجهل والتخلف، فيتفقان على الطلاق

تتحدى منى القبيلة وتتابع دراستها الجامعية، لتكتشف عمق الزيف والفساد الذي يعتري الحرم الجامعي، والنظرة الضيقة إلى المطلقات، فيزداد حجم اغترابها وضيقها. وتبدو الجامعة صورة مشوهة من مجتمعها، فها هو أحد الأساتذة يراود صديقتها إخلاص المسيحية عن نفسها مقابل مساعدتها على النجاح في مادته، وعندما ترفض تدفع ثمن ذلك في دراستها، وتضطر إلى السكوت عن حقها. وفي تجربة خاصة بها، تقاتل منى كي تكشف مراودة أستاذها في الجامعة لها عن نفسها، لكنها تجد آذاناً صماء وحرصاً على حماية الجاني، وتخويف المجني عليها إن هي أصرت على كشف الابتزاز الجنسي تحت قبة الجامعة


محاولة الانعتاق تأتي بالزواج لمرةٍ ثانية من سليمان، على الرغم من فارق السن الكبير بينهما. قضى سليمان معظم سنوات عمره في إقامة مشروعه الخاص به وجمع أموال أنفق بعضها على علاقاتٍ عابرة وطارئة وعلى معاقرة الخمر. وبعد الزواج، لم ير في منى إلا خادمة، أداة ووسيلة للتسلية. وللدلالة على ذلك صورت الكاتبة مشهدية الجنس والممارسات الغريزية المكشوف، حتى وهما على متن الطائرة التي تقلهما إلى بريطانيا، دون أن تحمل الحد الأدنى من المشاعر والأحاسيس، لتؤكد أن ما جمعها به هو الجنس وليس الحب. كان رجلها الأول، لكنه خاطب جسدها دون أن يلمس روحها، خصوصاً أنه يقول لنفسه عنها: "أحببتُ النظر إلى جسدها العاري. كان يثير فيَ شهوة لا تعادلها إثارة أجساد المحترفات اللواتي اعتدتهن" (ص 231)


وفي ليلتهما الأولى، وبعد سلسلة من المداعبات وبضع كؤوس من الخمر، يروي صوت سليمان لحظة الرغبة، قائلاً: "كلما حاولتُ إجبارها على تعرية مشاعرها سكتت. بتُ أداعبها وأثير شهوتها ثم أتوقف على أمل أن تحرر خوفها من رغباتها. أزالت عني ثيابي وجذبتني إليها. كرَرتُ سؤالي فتراجعت. شهوتي تزداد وأنا أشعرُ بندى جسدها. أسألُها عما تريد. يتحدثُ جسدها ويصمتُ لسانها. ابتعدتُ وطلبتُ منها تسمية ما تريد. طلبت مني أن أشبع رغبتها ولم أصدق أذني وأنا أسمعها تسمي أعضاءنا" (ص 232)


تكتشف منى أن زوجها مهووس جنسياً، يمتلك مكتبة فيديو تحتشد بالتسجيلات الإباحية ويمارس معها الجنس بطرق لا تخلو من هذا الهوس


في بريطانيا التي ترفض أن تكشف أقنعتها كي تبصرها منى، تصير هذه التي أحست أنها لا شيء وهي تخرج من بلدها كالغريبة، تصير زوجة شرقية بامتياز. لكن الوقت الذي يقضيه سليمان معها يتقلّص، والروتينية تعطب الجنس
"الساعات التي كان سليمان يقضيها معي تقلصت إلى أنصاف ساعاتٍ، وشيئاً فشيئاً تحولت إلى دقائق: دقائق لتناول الطعام، ودقائق لمشاهدة الأخبار، ودقائق لممارسة الجنس" (ص 240)


تلجأ منى إلى "دار الأرقم" لتتحدث مع نساءٍ ينتمين إلى منطقتها وثقافتها، وتتعلم قيادة السيارة، وتنفتح لها الدور العربية التي حملت معها كل عاداتها الشرقية إلى المهجر. وكلما اشتكت منى من سليمان نصحتها صديقاتها العربيات بالخضوع


وبعد أشهرٍ من الزواج ومن علاقة جنسية غير منتظمة تخلو من أي متعة وحب مع سليمان، تحمل منى، لكن سليمان يطلب إليها إجهاض الطفل. في البداية توافق منى ثم ترفض وتنجب طفلاً تسميه آدم


تبدأ منى التفكير في حياتها الخاصة وتبحث عبثاً عن عمل، ثم تقرر بناء مشروعها الخاص وتلتحق بدورةٍ تعريفية بالمشروعات الصغيرة وتتعرف خلالها إلى ستيوارت مكفيرسون المشرف على مشروعها الخاص وهو مشروع لإنتاج أطعمةٍ شرق أوسطية. ينجح مشروع منى بمثابرتها فتقرر الانفصال عن سليمان الذي يرفض في بداية الأمر ويضربها بشدة، لكنها في هذه البلاد تخضع لحماية القانون فتشكوه للشرطة

تستقل منى بوليدها في منزلٍ خاص وتعمق علاقتها بستيوارت الذي يقع في حبها. غير أنها تبقى أسيرة الخوف الساكن في داخلها من الرجل ومن العادات والتقاليد وتقاوم حبه لها وحبها له مدةً من الزمن، إذ تقول لجارتها كارول: "هناك جدران ومساحاتٌ واسعة بيني وبين ستيوارت، لا أستطيع أن أتجاهلها بسهولة" (ص 307)


قاومت منى طويلاً.. تعبت وتعبت روحها، وللجسد نداؤه، والباب مقفولٌ يكاد مزلاجه يفلت


وفي النهاية تستمع أخيراً لنداء مشاعرها. كانت أرضها في حالة عطشٍ للطمأنينة، وتوقٍ إلى علاقةٍ حميمة دافئة

أطبقت الزهرة على الزهرة، ليفور الماء من تنور الجسد


تخوض منى علاقةً إنسانية ندية مع ستيوارت، ويقرران بعد فترة العيش مع بعضهما البعض تمهيداً للزواج، لكن ستيوارت يهرب بعد هذا الاتفاق فتبحث عنه لتجده مرعوباً من خبر اطلع عليه في صحيفةٍ حول جريمة شرفٍ ارتكبها باكستاني من الجالية في بريطانيا بحق أخته التي تزوجت من مسيحي. غير أن منى تقنعه أو هو يقتنع بضرورة الدفاع عن حبهما، فيعود للحياة معها في منزل خاص، ويعلّمها تذوق الموسيقى الكلاسيكية، ووقائع التاريخ الأسكتلندي والبريطاني، وكل ما يمت بصلةٍ للتحضر والمدنية


أثناء حياة منى مع ستيوارت يمرض الأب، فتعود منى إلى بلدها وتجد المنزل الذي بناه الأب أثناء عمله في أبوظبي وقد آل خراباً، فتعيد بناءه وترميمه وتحاول عرض والدها على الأطباء، على الرغم من رفض الأم التي كانت تريد أن تنتهي حياة زوجها بسرعة لتتحرر من ظلمه. وعندما يموت الأب الذي تمكن منه السرطان، لا يجد من يبكي عليه سوى والدته
تعود منى إلى إدنبره لتواصل حياتها مع ستيوارت وآدم، وتتعرض لمضايقات سليمان الذي يمرض لاحقاً بسبب إدمانه الخمور والمخدرات.. وتحت وطأة الموت يتغير سليمان ويصبح أكثر إنسانية فيتقبل ابنه آدم ويقبل بطلاقه من منى

غير أن وعي القبيلة يلاحقها إلى لندن عندما تُفْضَح علاقتها مع ستيوارت، إذ يحضر عمها سالم "المثقف" إلى أسكتلندا بحثاً عن عمل، ليكتشف أنها تعيش مع ستيوارت تحت سقفٍ واحد بدون عقد زواج رسمي فيترك منزلها غاضباً، ويبلغها أنه لن يخفي عن أسرتها طريقة حياتها إن سُئِل عن ذلك

تصاب منى بالذعر خوفاً من دخول غبارٍ أسود إلى حياتها، فقد "رجعت قيم القبيلة لتنفخ بوق الموت ولتبعثر فينا العفن والجفاف" (ص 431). وهكذا تقرر هجر منزلها وطفلها وتذهب للسكن وحدها وتصفي مشروعها وتبدأ بعمليات تجميل لإخفاء ملامح شخصيتها الأولى، ثم بعد ذلك تطلب تغيير اسمها ليصبح سارا ألكزندر. وأثناء هذه الفترة يصل إلى مدينتها عمها عامر ليلاحق "شرف العائلة المنتهك"، لكنه يفشل في العثور عليها، فيتسلى بارتياد علب الليل


"لم أعرف أن رمادي سيشتعل يوماً ويحرقني إلى أن تتلاشى منى وتبعث من رمادها مسز مكفيرسون، لترجع هذه للاحتراق والاشتعال مع الرماد القديم لتُبعث من رماد الاثنتين سارا ألكزندر

شكَلني ألم النساء الثلاث وفتح جسدي على ما لم تحس به أجساد المطمئنين" (ص 6)


تعود منى بعد عامٍ من الهجر لتعيش مع ستيوارت وآدم وجودي الطفلة التي كانت حملت بها من ستيوارت وأنجبتها أثناء هجرتها بعد ذلك تقرر سارا أو منى أو مسز مكفيرسون إكمال دراستها الجامعية فتتخصص في دراسات المرأة في الشرق الأوسط، ثم تعود بعد سنوات إلى بلدها للمشاركة في مؤتمر دولي حول حقوق الإنسان تشارك فيه أختها سناء وعمها سالم أيضاً. وللمفارقة، فإن أحداً لا يتعرف عليها، بل إن شقيقتها سناء تدعوها إلى منزلها لأن صوتها يشبه صوت شقيقة لها اسمها منى اختفت في أسكتلندا ولم يعد يُعثر لها على أي أثر

تحفر عفاف عميقاً في بنية هذا المجتمع البطريركي تبحث في ما خلفه على نفسية الرجل قبل المرأة، فكل رجال هذا المجتمع هم رجالٌ ضعفاء من الداخل وإن كانوا قساة غليظي القلب تتحكم فيهم عقدة الذكورة والخوف من الإخصاء

لا يتمثل هذا في شخصية محروس الذي سوف يعذبه ضعفه الجنسي المؤقت بل في كل شخصيات العائلة والمجتمع، الأب الذي تزوج على زوجته المهووس بالجنس والفحولة ولا يجد في سبابه سوى قاموس الشتائم الجنسية، وعمها عامر الذي لا يكف عن ملاحقة النساء ليل نهار لإشباع شهواته، وشقيقها من أبيها عبود على شاكلة العم عامر، والعم سعيد الموظف الفاسد في الجمارك ويخطط للترشح للبرلمان الذي أنجب سبعة أطفال من زواج "صفقة"، والأخ منصور الذي درس في الخارج الهندسة ثم عاد "ميتاً- حياً" ليخضع لرغبات والده ويتزوج من مطلقةٍ ثرية وينجب نصف دستة أطفال ليستوي بذلك الذين يعلمون والذين لا يعلمون

ونساء هذا المجتمع عند عفاف مستلبات تماماً، يستوي في ذلك الأم الأمية "أم منصور" التي تقبل بالخضوع لزوج "بغيض"، ومدرسات المدرسة اللواتي لا يجدن في العمل سوى راتبٍ يتقاضينه آخر الشهر، وشقيقتها منال التي تركت عملها لتتفرغ لإنجاب الأطفال، والنساء العربيات المهاجرات في أسكتلندا حبيسات المنازل والأفكار والتقاليد ورغبات الزوج


وهو مجتمعٌ تسوده ثقافة القهر والفساد والفهلوة والقيم المادية وتنعدم فيه القيم الإنسانية تماماً، فإنسان هذا المجتمع لا ينظر إلى العمل إلا بوصفه قيمة مالية ومدخلاً للسرقة والفساد كما يفعل الأب عندما يتحسر على عدم استغلاله لحرب 1967 لسرقة مخازن الجيش

مجتمعٌ يعاني من انفصامٍ في القيم، إذ يحق للذكر أن يفعل ما يشاء في حين تُحاسَبُ المرأة وتسقط عليها كل ظنون وشكوك وخطايا الذكر لأقل فعلٍ إنساني، وهو مجتمع منفصم أيضاً يمارس فيه الإنسان سراً غير ما يبديه علانية وقيمه تنحصر في مفاهيم جنسية، فالشرف هو غشاء البكارة وهو أعضاء المرأة الجنسية حصراً، أما السرقة فهي شطارةٌ وفهلوة
وهو مجتمعٌ يقهر نفسيات أشخاصه، فالمرأة ليست مستلبةً فقط بل وعصابية تفرغ كل قهرها بممارسة العنف على أطفالها أو تلاميذها في المدرسة. والرجل ليس بأفضل حالاً، فهو ذكرٌ يعاني عقداً نفسية عميقة جراء انسحاقه من السلطة ويفرغ كل ساديته على زوجه وأطفاله، أو هو رجلٌ مستسلم خانع مثل الأخ منصور الذي اكتفى من حياته بإنجاب أكبر قدرٍ من الأطفال

تعاهد منى أو عفاف أو سارا، حبيبها ستيوارت في نهاية الرواية على أن تبقى امرأةً لا تتنازل عن حقها لأجله وأجل أطفالها وكل الذين تحبهم، أن تبقى منى التي لن تتنازل عن حقها وأن يبقى صوتها عالياً

ولعل عفاف البطاينة وفت بوعد هذه المرأة عندما كتبت رواية أسمعت فيها صوتها وصوت الذين لا صوت لهم.. حتى لمن لا حياة فيهم

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

10 التعليقات على "كتاب الرغبة (13): كل هذا العفن"

أكتب تعليقا